الشيخ العلامة البهي الخولي
[وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {البقرة:185}.
1 ـ عند رؤية الهلال:
إذا رأى المسلمون هلالَ شوال، فقد كملت عدَّة صيامهم لشهر رمضان، وعليهم أن يكبِّروا اللهَ سبحانه لقوله تعالى: [وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (حقٌّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبِّروا)، وكان رضي الله عنه يقول: (يُكبِّر المؤمن حين رؤية الهلال، ويمسك وقت خروج الإمام لصلاة العيد، ويكبر بتكبيره إلى انقضاء الخطبة).
وقال الشافعي رضي الله عنه: (روي عن سعيد بن المسيب وعروة وأبي سلمة رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يُكبِّرون ليلة الفطر ويحمدون)، وكان رضي الله عنه يقول: (أحببت أن يكبر الناس جماعات وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، وحتى يخرج الإمام إلى الصلاة).
2 ـ سرُّ الفرحة:
ونريد أن نسأل: ما سر هذه الفرحة التي نجعلها عيداً ونعبر عنها بتكبير الله سبحانه؟
هل هي فرحة من رَحَلَ عنه شهر رمضان بقيوده، وتكاليفه وحظره، وتضييقه؟ فأصبح بهذا الرحيل في حلٍّ أن يرخي لنفسه عنانها في شهوات الطعام والشراب وغيرهما، وأن يُقبل على ذلك بالنَّهَم الذي يريد، وبالحرية التي عادت إليه؟.
إنَّ الكثيرين تهجم على قلوبهم فرحة العيد مُقترنة بالفرح لزوال التقييد والعودة إلى أساليب الحياة المطلقة من القيود وموانع الحظر والحرمة..
ومن البديهي أنَّ كل حيوان يملك مثل هذه الفرحة، إذا عادت إليه حريته في الطعام والشراب، أو عاد إليه الطعام والشراب غير مشروط بقيد من القيود، دون أن يكون في ذلك أي داعية من دواعي الفخر، أو أي سمة من سمات الشرف والامتياز...
ومن البديهي تبعاً لذلك، أنَّ مثل تلك الفرحة لا يتعلق بها أي لون من ألوان الآداب النفسية المأثورة عن أي أمَّة من الأمم فضلاً عن أن تكون غرضاً تتجرَّد له همم الأنبياء، وترسم له الأعياد تكريماً بوحي من السماء...
فلنصرف النظر إذاً عن محيط البشرية، ومطالب البدن ولذَّة الجوارح، ولْنتَّجه إلى أفق الروح المحض، حيث لا معدة ولا جارحة، ولا بشرية راغبة أو طامحة، حيث سرُّ السعادة الخالص، والنور الذي تشدو حول قدسه حمائم الأرواح، هنالك نستطيع أن نقول: إنَّ فرحة العيد إنما هي نشوة قدسيَّة، تنسكب في أقطار النفس المطمئنَّة التي تشرف بها لأواء الصيام، ومجاهدات الفريضة على رياض قدس الله عزَّ وجل.
أرأيت إلى السائر المجهد في الصحراء المقفرة طالت به الأيام على نصب المسير في وهج الشمس وقَيظ البادية، ومشقَّة الرمال والحجارة؟. أرأيت إليه وقد انتهى مسيره إلى روضةٍ ظَليلة ناعمة كثيرة الزهر، والماء والثمر والتغريد، كيف تكون بهجة نفسه؟
إنَّ طبيعة اللقاء والشهود لما هنالك تفيض عليه وتثير فيه من ألوان البهجة والسرور ما ينسيه وصبه ونصبه، كذلك شأن الصائم الذي أقام لله فريضتَه، وترك فيها من أجله طعامه وشهوته، وقضى أيام الشهر يكفُّ نفسه عن هواها، ويروضها على الحرمان، مُتنقلاً بها في بيداء الجوع والظمأ والمجاهدة كاظماً شهواتها بقوة المصابرة والاحتساب...، حتى إذا انتهى الشهر، انتهت المرحلة وأشرف به تمام الفريضة على ما شاء الله من أسرار الملكوت وآفاق الروح، مما عبَّر عنه القوم بمثل قولهم: برياض الأنس، وحظائر القدس، وربا الجلال، وأفنان الجمال... فماذا يكون هيام بلابله، وقد أشرفت على تلك الذرى والمروج والأفنان والرياض؟
ماذا يكون هيامها وقد أسفر لها وجه الله عزَّ وجل عن نور يبهر اللب، ويستغرق كل نعيم عرفته النفوس والأرواح؟، ماذا يكون وجدها إلا أن تطلق شدوها وسجعها فرحاً بما ترى، وإكباراً لما تجد، وثناءً على الله تعالى بما هدى إلى نعمة الفريضة ووفاء الجزاء؟
ولا يملك المؤمن إزاء هذه الفرحة القدسيَّة التي يَفيض بها شعوره ويترنم بها وجدانه إلا أن يرى صيغ الذكر تُلقي على لسانه بتكبير الله ذي الجلال: (الله أكبر، الله أكبر... لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد..الله أكبر كبيراً، و الحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا) وبذلك يحقق بلسانه وقلبه، مدلول قوله تعالى: [ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ].
3ـ جائزة العيد وعيد الجائزة:
ذلك هو سرُّ الفرحة، وتلك هي جائزة العيد، وهي الجائزة التي تضمَّنها ما قاله نبينا عليه السلام عن الله سبحانه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به) أي: وأنا جزاؤه عليه، لا سندس الجنان ولا الخيرات الحسان.
وليس الله سبحانه ذاتاً محسَّة، بل هو الله الذي ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، ولا يحيط به حدس الظنون ولا مَعَايير الأفكار، وكل ما لنا من ذاته سبحانه، صفاتُه السَّنيَّة، و مواهب أسمائه الحسنى يفيضها على من تعبَّدوا لمقامه، فقاموا ليلَهم، وصاموا نهارَهم، وهجروا من أجله طعامهم وشرابهم، ويسنده ما رواه ابن حبان والبيهقي من قول رسول الله عن الله سبحانه: (أشهدكم يا ملائكتي أني جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان، وقيامهم، رضاي ومغفرتي).
فرضاه سبحانه ليس من النعيم الحسي، بل هو إقبال تشرق شمسه في سريرة العبد، فيشعر بجمال المؤانسة، ووجد المشاهدة وشرف القرب من الحضرة القدسية، المنصوص عليه في قوله تعالى عقب كلامه عن الصيام والصائمين: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ] {البقرة:186}.
إن ضمير الموجود ليتزيَّن ـ قبل ظاهره ـ حفاوةً بما صنع الصائمون... نعم ولا نلقي بالاً في ذلك إلى من يجادلون في تلك القضايا بأنَّها لا تستند إلى دليل علمي، ولم تمحصها تجارب البحث الصريح، فهؤلاء لا يريدون أن يؤمنوا إلا بما تراه أعينهم، وتلمسه أيديهم، أي: أنهم لا يريدون أن يؤمنوا بغير المادَّة، وآثارها وأحكامها، ويأبون أن يُسَلِّموا بأن للكون وراء ذلك ضميراً هو حقيقة هذا الوجود.
وأن هذا الضمير لا يُقيم وزناً لما يأكلُ الناس أو يَشْربون، أو يلبسون، أو يجمعون ويمنعون، ويطمعون، لا يقيم وزناً لذلك الصنف الذي يَستهلك حصيلة جمعه وسعيه في مَطَالب الأنانيَّة وشهوات الحس.
إنَّ ضمير الوجود لا يحفل بالمرء إلا من حيث هو صانع الفضائل وباذل المكرمات من ذات فؤاده، مُضيّق أفواه الجحيم بتضييق أفواه الغرائز، فإن كان في ذلك سلبياً فهو امرؤ عقيم، ساقط من مَوازين الاعتبار، وهو فوق ذلك أو مع ذلك صانع جحيم بما يثير في نفسه، وفي الأرض من نوازع الهوى وطغيان الأنانيَّة، وجموح المنافسة، واحتدام المطامع وضَراوة الشهوات.
نعم، هو بذلك صانع جحيم، جحيم حسي تصلى به الإنسانية بلاء الحروب، والقلاقل والمحن، وجحيم نفسي تشقى به نفسه، لو كشف الغطاء عن داخليته، لكانت في سواد القطع المظلم، وريح الجيفة النتنة، وقذر مرابط الخنازير، ولفح سموم جهنم، واصطراخ الشياطين، وهم يقيمون أفراحهم في جوف ذلك القرين النكد.
ولا يستقبل الوجود شيئاً من ذلك إلا في انقباض وازورار، وأبشع شارات السخط والإنكار.
أما إن كان إيجابياً في بذل الخير، واستجاشة القوى التي يبدع بها الفضائل، ويزم بها أفواه الهوى والشهوة، فهو صانع المكرمات، وداعية الرفق، وآسي الجراح، ورسول السلام، عفيف الباطن، والظاهر قد فَرغ من شهوة نفسه، وحاجة بطنه، وانبثقت فيه نوازع الشوق إلى الله، تسمع الوجود من ترانيم الخشوع والحب لحناً قدسياً تميز به الإنسان من سائر الكائنات، وذلك هو منهاج الصائم الحق.
فإذا قلنا، إنَّ ضمير الوجود يتزيَّن حفاوةً بما صنع الصائمون فإنما نعني حفاوته بذلك النور الذي تتشقَّق عنه جوانح الصائمين، ويصعد إلى السماء عملاً صالحاً، أو كلماً طيباً، أو مناجاة صادقة، أو جهداً تُكف به نوازع الهوى والشهوات... ولو كشف القناع، لرأيت مما شاء الله من زهر وعطر... ونغم من الذكر والفكر، تنساب موسيقاه العميقة، في سر هذا الكون الفسيح، فيهتز الوجود، وتطرب الملائكة، ويرضى رب العزة سبحانه، ويتجلى بما شاء من جوائز السناء والسنى، فيكون عيداً بين أهل السماء كما هو بين أهل الأرض عيد، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانت ليلة الفطر، ارتجَّت الملائكة، وتجلى الجبار تعالى بنوره الذي لا يصفه الواصفون، فيقول للملائكة وهم في عيدهم، يا معشر الملائكة ما جزاء الأجير إذا وفَّى عمله؟ تقول الملائكة: يوفَّى أجره، فيقول الله تعالى: أشهدكم أني غفرت لهم). أخرجه الأصبهانى فى الترغيب والترهيب (2/716 ، رقم 1739) ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (2/549 ، رقم 1120) وقال : فيه مجاهيل ، والمتهم به عثمان بن عبد الله .
فإذا كان يوم الفطر، كانت الملائكة في بهجةٍ وغِبطة، تبشِّر الصائمين بما أعدَّ لهم ربهم من ثواب لا تراه العين ولا يبلغه وصف الواصف، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم عيد الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادَوا، اغدوا يا معشرَ المسلمين إلى ربٍّ كريم، يمنُّ بالخير.. ثم يثيب عليه الجزيل... لقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم، وأُمرتم بصيام النهار فصمتم... أطعتم ربَّكم فاقبضوا جَوائزكم.. ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة). رواه الطبراني في الكبير (617) من حديث سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه، وقال الهيثمي في المجمع 2: 201: فيه جابر الجعفي وثَّقه الثوري وروي عنه هو وشعبة وضعفه الناس وهو متروك.
4 ـ بين علو الهمة ويسر الحياة:
ففرحة العيد بهذا أجل معنى، وأسمى مقصداً، من أن نَشوبها أو نفسدها بشيء من فرحة البطن أو نشوة الهوى، حتى نمتاز من أولئك الذين يجعلون أعيادهم جُنوحاً إلى مراغة الشيطان، يبذلون فيها العرض، ويخنقون خصائصهم الروحية، بسموم الشهوات الجائشة في حفلات الرقص والخمر وضروب المجانة والعبث.
إنَّ أسرار العيد مَعان علوية يحتفل بها الكون وتعلن لها البشائر في ملأ السماء، وهي أمر تتعلَّق به الهمم الكبار، لا تصورات المعدة، وظنون عبَّاد الغرائز.
فمن سموِّ الإسلام أن يسنَّ لنا الفرح، ويرسم لنا الأعياد لمعانٍ كبار، وأهداف تجاوز قشور هذا الكون إلى التعلق بما فيه من لباب الفضل والكمال، وحقائق الخير.
ثم يسن لنا الأعياد لمعانٍ روحيَّة، فيها معنى الفرح لأداء الواجب، والفرح للانتصار على النفس، وغلبة الإرادة على نزوات الغرائز، والهداية إلى عبادة الله تعالى في مَناهج تشغل الذهن بطلب الكمال، وتعلِّق الهمَّة بأهداف المثل العليا، وهذا هو الجدير بأن يفرح له ذوو الهمم العالية، وأرباب البصائر المدركة لقيم الوجود، فإنَّ رقي الإنسانية مَنوط بما تحصل من أسباب الكمال النفسي، لا بما تسعى إليه من مَطالب الأنانيَّة، والترف واللذَّة الحسيَّة، وما أجمل ما سنَّ الله سبحانه لهممنا من أهداف الفرح والسمو بقوله: [قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] {يونس:58}.
وحين تؤمن الإنسانيَّة بوجوب الانتصار على النفس، وغلبة القوى المبدعة للخير على نَزَوات الهوى وغَرَائز الاستهلاك، وتسن الأعياد كلما حققت مرحلة من مراحل التقدم أو مَوقفاً من مواقف النصر، وتذكر في ذلك فضل هداية الله ومعونته، تكون قد بلغت رشدها الحق، وهديت إلى معرفة حقائق الحياة، وسارت في نور من قوله تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {البقرة:185}.
على أنَّنا إذ بلغنا من تحليل فرحة العيد ما بَلغنا، نراها ترفع لأذواقنا لوناً جديداً من المباهج، غير فرحة الانتصار، وأداء الواجب، وفضل الله فيما سن لنا من فريضة، وقدَّر لنا من جزاء، نعم ترفع لأذواقنا لوناً جديداً من المباهج، أو هو كالجديد، أو لعله ليس جديداً إذ تجتمع فيه عناصر الفرح بكل ما تقدم، وتتركز فيه تركز الأشعة في العدسة المجمعة لأشتاتها، إنَّه شعور السعة بعد الضيق، ومَبَاهج الفرج بعد الشدة... السعة الروحيَّة، والفرج النفساني الطليق... نعم فإنَّ الإنسان مذ حُبي بخصائص الرقي، ونوازع الكمال، جُعل ذلك فطرة له، وضرورة لازمة لكيانه الروحي، لزوم الماء والطعام لكيانه الحسي، وابتلي إلى جانب ذلك بما بث في بشريته من عناصر الكثافة، و خصائص الظلمة، وهي قوى أرضية أو حيوانية، تلم بمواهب الروح في الإنسان، وتعارض نوازعها، وتجهدها أن تأخذ سبيلها إلى زادها من الكمال، وتضرب حولها، طاقاً غليظاً من ظلام الهوى والشهوة، فتغدو حقيقة الإنسان أو كيانه الروحي، كالأسير المُعنَّى الذي يؤوده حمل القيود، وظلام الجب، وضيق المحبس، واختناق النوافذ، فلو كشف الغطاء عن الحقيقة، لرأينا كائننا الروحي تثقل أجنحته الرفافة أثقال الشهوات الدنسة، حتى تلصقه بالأرض، ولرأيناه في ظلمة الهوى محتبس الأنفاس، يتلمس بصيصاً من نور الله فلا يسعفه، أو ثقباً يَتنفس منه روح السعة، فلا يجد إلا أنفاساً مُضطربة مُتلاحقة، وصدراً ضيقاً حرجاً، كأنما يصعد في السماء.
نعم ابتليت حقائقنا الروحية بهذا اللون من العناء الذي يحمل صنوف المشقَّة والألم و الأذى، ولعلَّه بعض المراد بقول الله سبحانه:[لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ] {البلد:4}. أي: مَغموراً في المشقَّة والعناء، قد أحاطت به المشقة إحاطة الظروف بما في داخله. وهي شدائد إذا انصرفت إلى معناها الحسي، فليس ما يمنع انصرافها إلى معناها الروحي، ولاسيما أن شدائد الروح أشق في ميزان الله من شدائد الحس.
قال القاشاني في تفسير القول الكريم: (أي: خلقنا الإنسان في مُكابدة ومشقَّة من نفسه وهواه، أو من مَرَضِ قلبه وفساد باطنه، وغلظة حجابه، فإنَّ الكَبَد في اللغة هو مَرَضُ الكَبِد وانتفاخه وغلظته، فاستعيرت غلظة الكبد لغلظ حجاب القلب ومرض الجهل).
فإذا تفضَّل الله سبحانَّه فشرعَ لنا الصيام، أوشرع لنا فريضة تكسر المشقَّة بالمشقة، تكسر مَشقَّة الروح بمشقَّة الغرائز فإنَّما يريد سبحانه، أن يوسِّع على الروح بما يضيق على النفس، وأن يشق بعض الشيء على الجوارح قصداً إلى فتح أبواب الميسرة والرخاء، وذلك قوله تعالى:[ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {البقرة:185} .
قبل قوله مباشرة [وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ]، فإنَّ القول الكريم إذا يسَّر على المريض والمسافر مَشقَّة الصيام بإباحة الفطر، يطالعنا من زاوية أخرى بهذا المعنى الجليل أنَّ الله سبحانَه لا يريد لكم بمشقَّة الصيام مجرد العسر، بل ما وراء ذلك من سَعَة ويُسْر لا مدى لهناءتها.
فإذا أفضى الصائم إلى تلك الساحة الفسيحة، فقد خلص الأسر من سجنه وراح يملأ رئته من نسيم الحرية، ويملأ عينيه من بهجة ما يرى من جمال الله.
وحسبك بيسرٍ الله مصدره، أو يسر يفيض بقلبك وأنت في حضرة القرب منه جل في علاه.
إنَّ عسر حوائج الدنيا معه يسرٌ غير منظور، وعسر الطبيعة البشريَّة، معه يسر الخلاص منها: [فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا] {الشرح:6}. فإذا خلص الإنسان من عسر بشريَّته، أفضى حتماً إلى يسر روحانيته، يسر يرى فيه الله مسارعاً إلى هواه، وفاءً بمنجز قوله سبحانه:[ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ] {البقرة:186}.
وذلك عيد ما بعده عيد. وكل عام وأنتم بخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: منبر الإسلام السنة 14 شوال 1376 العدد العاشر.