عن هجماتِ باريسَ وأشباهِهَا أتحدَّث

عن هجماتِ باريسَ وأشباهِهَا أتحدَّث

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٤ صفر ١٤٣٧ هـ - ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٥
894

 

 

في ضوء تشاكُس المواقفِ الشّعبيّة لا سيما الشّبابية منها من هجمات باريس الأخيرة؛ وتعليقًا على الهجماتِ وردودِ الأفعال عليها، وإجابةً عن أسئلة عدد من الأخوة الشباب التي وصلتني أقول الآتي:

أولًا: الهجماتُ التي تستهدفُ الشعوبَ غير المسلمة الآمنة في ديارِها جريمةٌ شنيعةٌ أيًّا كانَ فاعلُها، وتبريرُ هذهِ الهجماتِ بأنَّ أنظمةَ هذه الدّوَل قد أعلنت الحربَ على الإسلامِ وباشرت العدوانَ على المسلمين هو تبريرٌ ساقطٌ شرعًا وأخلاقًا؛ إذ لا يجوزُ أخذُ غيرِ المحاربينَ وغير المحتلّينَ والمغتصبينَ من المدنيينَ الأبرياء الآمنينَ في ديارِهم بجريرةِ حكوماتِهِم، فالجهادُ في سبيلِ الله تعالى يمنعُ التعرّض للشعوبِ التي ينتمي إليها الأعداء المحاربون ما داموا غير مشاركينَ في هذا العدوان، وارتكابُ العدوّ للجرائم بحقّ المسلمين الأبرياء لا يسوّغ على الإطلاق ارتكابُ الجرائمِ بحقّ غير المسلمينَ من المدنيّين الأبرياء، ولا ينبغي الانجرافُ مع العاطفةِ الجامحةِ إلى الانتقامِ والمجانبةِ للحقّ والصّواب.

 

ثانيًا: تتحمّل حكوماتُ الدّول التي تتعرّضُ للهجماتِ ومنها الحكومةُ الفرنسية مسؤوليّة كبيرةً عن الهجماتِ الإجراميّةِ، إذ إنّ إشعالَها النَّارَ في بلاد المسلمين لن يجعلَها بمنأىً عن هذه الحرائق التي لا محالةَ ستكتوي بها، ولكنَّ هذا لا تبريرَ ولا تسويغَ فيه لهذه الجرائم البشعة، بل ينبغي تسخيرُ هذا المعنى ضمنَ سياقٍ إعلاميّ وجهدٍ تعبويٍّ لتحرضِ هذه الشّعوب للضَّغطِ على حكوماتِها المعتدية.

 

ثالثًا: الإسلامُ ليسَ في قفص الاتهام و لا يجوزُ أن يكون؛ حتّى ندافعَ عنه بطريقةٍ استجدائيّة تعبّر عن عدم الثّقةِ به، ولا ينبغي الانسياقُ ضمنَ الآليّة التي يمارسها أعداؤه من حشرِ المسلمين في الزاوية وجعلِهم يتبارونَ في نفي صفةِ الإجرامِ عن تعاليمه، بل ينبغي وضعهم هم في قفص الاتهامِ وبيانِ الإجرامِ الذي تعاقبَت القرونُ عليه وهو لا يزال مستمرًّا بالدموية والهمجيّة ذاتِها، ولا تزال أيديهم ملطّخةً بدمنا من عهدِ البابا أوربان الثّاني حتّى اليوم.

 

رابعًا: ما يميّزُ المسلمينَ في معارِكهم مع عدوّهم هو تفوّقهم في الجانبِ الأخلاقي في هذه المعارِك، بما يجسّدُ هدفَهم الرِّساليّ من خوض غمار المواجهاتِ لإقامةِ العدلِ وإحقاقِ الحقّ ونشرِ الخيرِ في البشريّة كلّها، فأيّة معانٍ تميّزهم عن دمويّةِ عدوّهم إذا فقدوا هذا الجانبَ الأخلاقيّ الذي يعدّ الرّكيزةَ الأساسيّة التي تقومُ عليها مقاصدُ الجهاد في سبيلِ الله تعالى؟!!

 

خامسًا: أشعرُ بالغثيانِ من ازدواجيّة المعاييرِ عند عددٍ من الأنظمةِ والمكوّناتِ السيّاسية في بلادِ المسلمين؛ التي ترى دماء الفرنسيّينَ الأبرياء ولا ترى دماء المسلمينَ التي تملأ الشاشاتِ والآفاق، ولكنّني أشعرُ بالقرفِ غيرِ المحدودِ عندما أرى هذه الازدواجيّةَ عند عدد من شباب المسلمين الذين لم نسمع منهم موقفًا أخلاقيًّا من الجرائم بحقّ المسلمين.

من حقّ المسلمين التعبير عن رفضهم لهذه الجرائم لا سيما المسلمون المقيمون في أوروبة وفرنسا على وجه الخصوص بالطريقةِ التي يرونَها مناسبةً؛ على أن يكون هذا التّضامنُ ضمن سياقٍ عامّ من رفض أيّة جريمةٍ لا سيما تلكَ التي ترتكب بحق إخوانهم المسلمينَ في مختلف بقاع الأرض، وذلك كي يكونوا منسجمينَ مع أنفسِهم وإلَّا فإنّ هذه الازدواجية تعبّر عن هزيمةٍ نفسيّة وأخلاقيّةٍ وعقدةِ نقصٍ تحتاجُ التّوقّفَ أمامَها طويلًا.

 

?#‏هجمات_باريس?

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...