تعد قضية كتابة الدستور وصياغة مواده من أكثر الأمور الإشكالية في الحياة السياسية.
وخاصة عندما تكون هناك اختلافات في المبادئ والانتماءات الدينية والفكرية لمكونات المجتمع المختلفة، ويغدو عندها العمل على صياغة دستور يتوافق عليه الجميع ضربا من المحال أو التنكيت السياسي.
وهذا يذكرنا في سورية بمعركة الدستور التي اندلعت في المجتمع السوري عام 1949 عندما شكلت الجمعية التأسيسية في آخره لوضع الدستور ثم جرى إقراره وتعديل الجمعية إلى برلمان عام 1950.
ومهما قيل في هذا الصدد من أخذ ورد ومناقشات عاشها المجتمع السوري حينها فإن علينا أن لا تغيب عنا الحقائق الآتية في زحمة الكلام ومعرض الأفكار الذي يحمل الغث والسمين:
1- لا تكمن المشكلة الكبرى فيما سينص عليه الدستور أو لا ينص عليه، بل يكمن جوهرها في عدم وجود آليات للعمل به وتطبيق مواده من مرجعية قضائية عليا يدين لها الجميع بالولاء.
حيث يلاحظ أن جميع الدساتير التي صدرت بعد الاستقلال السوري عن الاستعمار الفرنسي كانت معطلة بنسب تختلف وتتفاوت من دستور لآخر ومن عهد لعهد آخر.
فعلى الرغم من أن دستور (1950) الذي يعده بعض الحركيين الإسلاميين أحسن الدساتير السورية لنصه (المادة 3) على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع ( بأل التعريف ) والنص في مقدمته على أن غالبية الشعب تدين بالإسلام وأن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا !!
فإن هذه المبادئ والنصوص لم تجد صدى لها في القوانين التي أصدرتها الحكومات المتعاقبة منذ ذلك التاريخ، إذ لا تعرف سورية قانونا واحدا مستمدا بشكل رئيسي من الشريعة الإسلامية إلا قانون الأحوال الشخصية، وعليه فإن جميع القوانين الصادرة في فترة نفاذ هذا الدستور يمكن الطعن فيها بكونها معيبة بمخالفته.
ولكن أين هي المحكمة الدستورية العليا التي يمكن التحاكم إليها بهذا الشأن، وأين هي الحياة القانونية والدستورية التي يعتنقها السوريون حتى تمهد لهذه المناقشات التطبيقية لما بعد الدستور وليس بالاكتفاء بإعلان الدستور وكأنه بالإعلان وحده يتحقق كل شيء!
وليس الأمر حكرا على سورية وحدها بل يأخذ مظهرا أشنع وصورة أقبح في دول أخرى نص دستورها صراحة على أن دين الدولة الإسلام !! ومنها جمهورية مصر العربية منذ أن كانت ملكية وحتى الآن ( 1923 - 2019)، وهو النص الذي حاول الإسلاميون جاهدين بقيادة الدكتور مصطفى السباعي فرضه تحت قبة البرلمان السوري ولم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا فاكتفوا بما سبق من المواد التي سلف ذكرها وفق مقايضة مشهورة مع القوى والأحزاب السياسية المختلفة المعارضة لهذا النص الدستوري.
ولكن علينا هنا أن نسأل ما الفائدة في هذا النص أو غيره في حال التعطيل الكامل أو الجزئي لمضمونه !
وهذا كله قبل وقوع سورية تحت نير حكم حزب العبث ثم الحكم الطائفي البائد، فما بالك بما بعد ذلك. ومن المفارقات الشنيعة ما نصت عليه الدساتير المختلفة الصادرة تحت نير الحكم البائد من الحديث عن الحريات وحقوق التعبير وتجريم التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان! مع أن سورية حكمت على مدى واحد وستين سنة تحت قانون الطوارئ (الأحكام العرفية ) واستحلت فيها جميع الموبقات وارتكبت جميع الجرائم والانتهاكات وخاصة في أواسط الستينيات وأوائل الثمانينيات وخلال الثورة الأخيرة.
وعليه فإن ما هو أهم من نصوص الدستور ومبادئه الآليات المختلفة لضمان تطبيق هذه النصوص والمبادئ، ومن ذلك تفعيل المحكمة الدستورية العليا التي تحولت في ظل الأنظمة الاستبدادية إلى شكل من أشكال الديكور المضحك المنفصم عن الواقع.
2- في الحالة السورية، لا توجد مشكلة دستور حقيقية بالمقارنة مع دول أخرى كلبنان والعراق مثلا حيث تتكافأ المكونات العرقية والمذهبية وتتقارب، ذلك لأن المسلمين السنة في سورية تتجاوز نسبتهم 80 % من عدد السكان، وهذا ما ينبغي أن يذلل العقبات ويحد من الإشكال، لأن ما يدعى بالأقليات الدينية ضمن المجتمع من المكونات المختلفة لا ينبغي لها أن تطالب بأكثر من أمرين اثنين: أولهما: ضمان حقوقها الدينية وممارسة شعائرها التعبدية بما لا يتعارض مع النظام العام، ومن ذلك التقاضي في الأحوال الشخصية إلى قوانينهم الخاصة التي تحكم بها مراجعهم الدينية. وثانيهما: حقوق المواطنة العامة وتحقيق العدالة في المجتمع تحت سيادة القوانين المعتمدة على الجميع دون استثناء.
وكلا هذين الأمرين تكفلهما شرائع الدين الإسلامي على أكمل وجه.
أما فيما عدا ذلك فلا يمكن أن تتغول الأقليات مهما اجتمعت على الأكثرية الساحقة لتفرض عليها طبيعة المجتمع والنظام العام.
علما أن العديد من الطوائف غير المسلمة كالنصارى ترجع إلى المحاكم الشرعية الإسلامية باختيارها فيما يتعلق ببعض الأحكام كالمواريث لعدم وجود قوانين ناظمة لذلك في شرائعهم !
3- من المعلوم أن الدستور ينبغي أن يضم المبادئ العامة التي يجب أن تخضع لها جميع القوانين في البلاد، بحيث يعد كل قانون يتعارض مع الدستور معيبا وقابلا للطعن فيه أمام المحكمة العليا _ كما سلف _ التي تختص إضافة إلى ذلك بالفصل في الطعون المتعلقة بالانتخابات والاستفتاءات ومحاكمة رئيس الجمهورية بتهمة الخيانة العظمى.
ومن المعلوم لدى القانونيين وجود ما يسمى بتنازع القوانين، عندما ينص القانون في إحدى مواده على أمر يتعارض مع ما تنص عليه مادة أخرى في القانون نفسه أو في قانون آخر، وهنا يلجأ القانونيون لتفسيرات شراح القانون واجتهادات المحاكم العليا كمحكمة النقض للتوفيق بين المواد المتعارضة وبيان المراد منها، على غرار ما يفعل الفقهاء والأصوليون في تعارض الأدلة الشرعية، من تخصيص العام بالخاص، وحمل المطلق على المقيد، وترجيح دليل على آخر. إلا أن المشكلة الكبرى عندما تتناقض مواد الدستور وتتعارض مع بعضها بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وهذا أمر معيب وشنيع لأن الدستور هو المرجع الأعلى الذي تحاكم إليه القوانين فكيف إذا كان هو نفسه متناقضا مع بعضه، ولا تسل بعدها عن الحياة السياسية في ظل مثل هذه الدساتير التي لاتسمن ولا تغني من جوع.
وللأسف الشديد فإن جميع الدساتير السورية تعاني من هذا العيب، ومنها دستور (1950) وعلى سبيل المثال: نص هذا الدستور في المادة (2) منه على أن السيادة للشعب وأن الحكم هو حكم الشعب بالشعب وللشعب. وهذا يتناقض بشكل قاطع مع المادة (3) التي سلف ذكرها وفيها أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، فماذا يكون الأمر لو اختار الشعب قانونا يتعارض مع الفقه الإسلامي بالمطلق!
وذلك لأن الفقه الإسلامي وإن كان يوجد فيه جانب كبير للاجتهاد إلا أن مرجعه إلى التشريع الإلهي في أصوله ونصوصه التي لا يمكن الخروج عن قطعياتها وادعاء التوافق مع التشرع الإسلامي في آن واحد.
وخاصة أن الذي يعبر عن إرادة الشعب عندهم هو النسبة الأكثرية لمن يفوزون بالتمثيل النيابي، سواء أوصوا إليه بطرق ملتوية أو قانونية، وهذه مشكلة ثانية تتعلق بالنيابة واحتكار مصطلح الشعب وتمثيله.
وبعد هذه الوقفات التأملية نخلص إلى ما يلي:
أولا: يجب أن يكون الدستور مختصرا ما أمكن، يقتصر على النص على المبادئ العريضة الكبرى دون الدخول في التفاصيل التي تترك للقوانين المختلفة، وهذا يحد من التناقض والحاجة للتعديل.
ثانيا: ليس المهم إسلاميا النص على أن دين الدولة الإسلام، أو أن الدولة إسلامية، أو نحوها من العبارات، والأهم من ذلك كله التأكيد على أن غالبية الشعب تدين بالإسلام على مذهب أهل السنة، ( وهذا أمر واقعي ) وأن دين رئيس الجمهورية الإسلام السني، وأنه لا يجوز تشريع أو إقرار أي قانون يتعارض مع قطعيات الشريعة الإسلامية ( وهذان الأمران لازمان عن الأمر الأول ). وفي اشتراط عدم مخالفة قطعيات الشريعة الإسلامية احتراز وصون للقوانين لئلا تخالف الشريعة من جهة وإيجاد فسحة اجتهادية في القوانين بما يتلاءم مع الأوضاع المستجدة من جهة أخرى.
ثالثا: الأحوال الشخصية للأقليات الدينية المختلفة محفوظة، ولهم أن يتحاكموا فيها إلى مراجعهم الدينية، وهذا استثناء من الأصل العام، إلا إذا رضي الطرفان المدعي والمدعى عليه بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية.
رابعا: يجب اعتماد قانون عادل للانتخاب بحيث يضمن التمثيل الصحيح لأفراد الشعب، ولا تكون عملية النيابة والانتخاب من ضمن الدجل والألاعيب السياسية للأحزاب والمكونات المختلفة، مع اعتماد مبدأ الاستفتاء العام في القضايا الكبرى ومنها إقرار الدستور.
خامسا: ما بعد الدستور أهم مما قبله، وعليه يجب العمل على إيجاد كيان قضائي مستقل تماما، وتكون للمحكمة الدستورية العليا الكلمة الفصل في دستورية أي قانون يعتمده المجلس التشريعي، إضافة إلى باقي اختصاصات المحكمة.
والله الموفق للصواب
عبد القادر الخطيب الحسني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


