على طريق النهوض والبناء (3)... الأوقاف والشؤون الدينية

على طريق النهوض والبناء (3)... الأوقاف والشؤون الدينية

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
الاثنين، ٢١ رجب ١٤٤٦ هـ - ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٥
135

الأوقاف والشؤون الدينية


تعد قضية الأوقاف والشؤون الدينية من أهم القضايا التي تجب معالجتها في تكوين الدولة في بلادنا خلافا لما يظنه كثيرون من أنها قضية تقع على هامش القضايا الكبرى.


ذلك لأن الدين هو أهم ركن من الأركان المكونة للهوية في هذه البلاد على امتداد تاريخها وهو العنوان العريض الذي يحدد الانتماء للأفراد والجماعات على اختلافهم وتعددهم.


والوقف في حقيقته هو المصدر المالي الغزير الذي لاينضب، المغذي لجميع الجهود والأنشطة الدينية والخيرية المختلفة على تعاقب السنين.


ومن هنا نفهم سبب التركيز والتحكم من قبل جميع الحكام الذين تسلطوا على رقاب المسلمين في تاريخهم العريض سواء أكانوا من الظلمة الفاسقين، أو الكفرة المارقين، أو الغزاة المستعمرين بهذا الشأن الذي له طابع الخصوصية الدينية.


وعلينا أن نفهم بداية أن فكرة الوقف نابعة من حب التقرب إلى الله تعالى بالتبرع بأصل مالي ثابت ( أرض زراعية - دكاكين تجارية - أبنية عقارية ) لينفق ريعه المستمر على أمر من وجوه البر والخير والإحسان سواء أكان مسجدا للعبادة أم مدرسة للتعليم أم مستشفى للتداوي أم تكية لإطعام الفقراء والمساكين أم أي نشاط مشروع يرغب به الواقف بشروط معينة.


فالأوقاف من هذه الجهة تنقسم إلى أوقاف منتجة للريع والواردات ( عقارات مؤجرة مثلا ) وإلى أوقاف مستهلكة للنفقات (مساجد ومعاهد ومشاف خيرية )


ومن هنا يأخذ الوقف أهميته الكبيرة بسبب رغبة كثير من الناس الأغنياء بالتقرب من الله تعالى بأموالهم، وكون هذه الأوقاف والمنشآت التي تتبع لها تمول نفسها ذاتيا ولا تحتاج إلى جهات أخرى لتنفق عليها، مما يجعلها حرة مستقلة عن تحكم المتحكمين.


وعلى الرغم من تسلط كثير من السلاطين الظلمة في التاريخ الإسلامي على أموال الناس ودمائهم في عصور مختلفة - كعصر المماليك مثلا - إلا أنهم لم يكونوا يتجرؤون على استباحة أصول الأوقاف ومصادرتها، لأنها منسوبة لملك الله تعالى، وكان من يريد تحصين أمواله في حياته وبعد وفاته من أن تمتد إليها يد السلاطين أو أزلامهم يجعلها وقفا لله، وكان جل ما يتحكم به هؤلاء السلاطين هو التلاعب بقضية تولية نظار الأوقاف وعزلهم ( جمع ناظر وهو من يتولى الإشراف على الوقف وتوزيع ريعه على المستحقين الذين يحددهم الواقف)، والتحكم تبعا لذلك في طريقة إنفاق هؤلاء النظار، عن طريق التحكم في القضاة الذين لهم الولاية العامة وصلاحية عزل النظار، ومن ذلك تعيين المدرسين في المدارس الدينية التي لها أوقاف معينة، وعزلهم. مما يجعل كثيرا من علماء الدين يمشي في ركاب الحكام الذين يملكون إمضاء هذا التمويل أو قطعه عندما يريدون. ومع ذلك فقد اعتدي على كثير من الأوقاف، وتمت سرقتها عندما طال العهد بها ولم تكن هناك سلطة شرعية تحميها.


وفي العهود الأخيرة تجرأ بعض الظلمة كمحمد علي باشا زعيم النهضة المزعومة في مصر على مصادرة الأوقاف نفسها والتعدي عليها، مما جعل كثيرا من الناس تحجم عن التبرع بأوقاف جديدة ابتداء.
وفي عهد الاستعمار حاول المستعمرون جاهدين إضعاف الأوقاف الإسلامية لأهميتها في تمويل علماء الدين ذاتيا وجعلهم أحرارا من جميع القيود، إلا أنهم لم يتمكنوا من بغيتهم تماما، فقد تشكلت في البلاد التي اجتاحها المستعمرون مجالس إسلامية يرأسها القضاة الشرعيون ولها النظر الأعلى في شؤون الأوقاف وكيفية إنفاقها، ومنها تعيين المدرسين الدينيين والخطباء والقائمين على خدمة الأوقاف، دون تدخل مباشر من المستعمرين. ( وكان ممن رئس هذا المجلس في بعض الفترات القاضي الشرعي الممتاز الشيخ عزيز الخاني رحمه الله ).


ولما جاءت الحكومات التي سميت وطنية فيما بعد الجلاء الشكلي للمستعمرين تراجعت مصالح الأوقاف بدل أن تقوى ! وضربت قضية الوقف ضربة شديد بإصدار قوانين تبيح عدم التقيد بشروط الواقف المتبرع ! الذي كان يعده المتقدمون شيئا مقدسا ( أي مالم يخالف نصا شرعيا ) حتى قالوا : شرط الواقف كنص الشارع. وهذا ما جعل الناس تحجم عن إنشاء أوقاف جديدة تدر الأرباح بالكلية، ( كوقف دكان أو طاحون أو أرض زراعية أو مبنى عقاري ) وتكتفي بالتبرع بإنشاء المساجد أو المدارس، وهي منشآت مستهلكة تحتاج للنفقة والرعاية.


وهكذا تضخمت الأوقاف المحت
اجة للنفقة وتقلصت الأوقاف المنتجة للنفقة ! فظهر العجز والعوز في إدارة الأوقاف.


ولما تسلط حزب العبث المأفون على بلاد الشام (1963) وأراد التحكم بكل مفاصل البلاد بادر إلى حل المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان له النظر في الوقف وصلاحية التعيين والعزل للوظائف الدينية برئاسة القاضي الشرعي وعضوية عدد من المفاتي ومدير الأوقاف، وجعل صلاحية المجلس بيد رئيس الوزراء وأنشأ وزارة للأوقاف لتتحكم الدولة العبثية عن طريقه بكل شؤون المسلمين والعياذ بالله. أما أوقاف النصارى وغيرهم فلا سلطان لهم عليها ولا يملكون فيها عزلا ولا تعيينا ولا صرفا ولا إمساكا ! لانهم أقلية دينية !.


وازداد الأمر سوءا فيما بعد حتى صارت الأوقاف في مرحلة تالية واقعة في قبضة فروع الأمن والمخابرات بشكل مباشر، بعد أن كان وزير الأوقاف وسيطا في ذلك في المراحل الأولى.


ثم امتد السوء في الفترة الأخيرة - قبيل اندلاع الثورة لما جرى تفعيل المشروع الإيراني - فطال التعليم الشرعي نفسه الذي تنفق عليه الجمعيات الخيرية - التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل - والتي وجد فيها الناس في فترة من الفترات متنفسا وطريقة للعمل الخيري والديني بعيدة عن تحكم وزارة الأوقاف والمخابرات. وذلك بعد أن ربّت وزارة الأوقاف عددا من أزلام حزب العبث على عينها فانتقت من خريجي الثانويات الشرعية عددا من البعثيين لتوفدهم للدراسات العليا في مصر، (وأسماؤهم معلومة للناس) ولما رجعوا بعد سنوات صار عندهم عدد من حملة الدكتوراة البعثيين في الشريعة الإسلامية !، وهؤلاء هم الذين وضعوا المخططات لتعديل جميع مناهج المعاهد الشرعية الحرة لتتماشى مع مع ما يريده الحزب والمخابرات مما يرضى عنه الغزاة الإيرانيون.


وتتمة للمخطط القذر تم استبعاد الشيوخ والعلماء من عضوية مجالس إدارة الجمعيات الخيرية ! بمؤامرة دنيئة من قبل وزير الأوقاف ووزيرة الشؤون الاجتماعية.


وتلا ذلك تعديل جميع مناهج المعاهد الشرعية الحرة، واستبعد منها كل كلمة أو جملة لا يرضى عنها الشيعة، ( ويوجد تقرير بذلك يتألف من أكثر من 50 صحيفة ) من كتب التفسير وشرح الحديث والأصول والمصطلح وعلوم القرآن، وتم طبع الكتب المحرفة بسرعة قياسية وتولى ذلك أحد المعاهد الشرعية التي انبطح القائمون عليه تماما أمام التوجهات الجديدة لتبقى مصالحهم المادية وتجارتهم بالعلم والدين مراعاة من قبل السلطة !


مع غض النظر عما يقومون به من أعمال تجارية خاصة باسم العمل الخيري الديني الذي يجمعون له التبرعات من الناس باسم العلم الشرعي !


ثم كان أن شرعت لهم الدولة البائدة هذا النهج وكافأتهم على انبطاحهم بجعل أعمالهم ذات صبغة قانونية مرخصة !


وإذا ما أريد اليوم أن تنهض البلاد وتنفض عنها ذلك العبث والإجرام فعليها أن تعالج الموضوع بشكل جذري وفق الخطوط العريضة الآتية :


1- أوقاف المسلمين وما يتبعها من وظائف وتوجيهات ملك للمسلمين فقط، وهي ولاية دينية مستقلة، وليست تابعة لأية دولة أو حكومة مهما كان توجهها، وعليه فيجب إلغاء وزارة الأوقاف، والاكتفاء بمديريات خاصة بكل محافظة (للشؤون التنفيذية)، ويكون النظر على الأوقاف للمجلس الإسلامي الأعلى الذي يضم عددا من قضاة الشرع بينهم القاضي الأول أو الأعلى، والمفتين بينهم المفتي العام، والعلماء المعروفين ومديري الأوقاف المحليين.


2- ضرورة وضع قانون شامل للوقف وأحكامه مستمد من الأقوال الراجحة في الفقه الإسلامي، ومن هذه الأحكام مراعاة شرط الواقف مالم يخالف الشرع وعدم المساس به في أية صورة، وهذا يجعل الناس ترجع للإقبال على وقف الأصول المنتجة للأرباح والواردات من جديد لكل منشأة على حدة وللأوقاف عموما من خلال التبرعات المفتوحة في المساجد وغيرها.
مع سن قوانين خاصة لتحرير الأوقاف المؤجرة بقيم تافهة لتصير مؤجرة بالقيمة السوقية الحقيقية بما لا يتعارض في تشغيلها مع قدسية الوقف.


3- تكون تسمية رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالانتخاب لا بالتعيين.


4- تكون تسمية المفتي العام بالانتخاب لا بالتعيين.


5- ضرورة حصر العقارات الوقفية (المنتجة والمستهلكة) في جميع أنحاء البلاد واستصدار قانون باسترجاع الأوقاف التاريخية المغصوبة والمعتدى عليها من أيدي الغاصبين والشاغلين غير القانونيين.


6- تحديد رواتب وأجور كافية من العوائد الوقفية للقائمين بالشعائر الدينية، تحفظ لهم كرامتهم، وتقيهم من الانجرار إلى النفاق والاسترزاق من أية جهة أخرى، كالحكام والتجار مما يضع من شأنهم أمام الناس.


7- محاسبة كل المتورطين في غصب أو نهب أو بيع أو اختلاس العقارات الوقفية في الحكومات المتأخرة ( على سبيل المثال مسجد يلبغا في المرجة _ وعقار معرض دمشق الدولي وغيرها من العقارات ذات القيمة المالية الهائلة ).


8- سن قانون يحدد المسلكية المقبولة التي يجب أن يتحلى بها القائمون بالوظائف الدينية من حيث الهيئة اللائقة والأقوال والأعمال المجتمعية. ( على سبيل المثال لا يجوز لأحد منهم أن يمدح حاكما أو تاجرا أو يعمل بأمر يفضي إلى منازعات بينه وبين الناس كتجارة أفواج الحج والعمرة ويجوز أن يخرج فيها بصفة مرشد ديني ).


9- تكون الكفاءة العامة والعلم الشرعي المتميز والعدالة المشتهرة معيارا لتولي الوظائف الدينية المختلفة عن طريق الاختبارات والمسابقات، وليس التعيين المباشر من خلال نفوذ الجماعات والشيوخ ذوي النفوذ، وعليه فيجب أن يعزل عنها كل من لا يحقق الصفات المطلوبة.


والله من وراء القصد



عبد القادر الخطيب الحسني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...