العدل والقضاء
تتعدد وجهات النظر في أهم الملفات التي ينبغي البدء بها مباشرة عقب سقوط النظام المارق لبناء الدولة والمجتمع ما بين الأمور الخدمية والأمنية والمعاشية والإعلامية وغيرها.. ولا شك أن جميع هذه التوجهات مهم جدا وأن العمل سيبدأ في كل منها شيئا فشيئا.
إلا أن أهم ملف ينبغي البدء به بقوة بشكل تفصيلي هو ملف العدل والقضاء وما يتصل بهما.
فالعدل كما هو معلوم أساس الملك والحكم، والقضاء الحر النزيه الذي يمكنه الادعاء والتحقيق والحكم والتنفيذ على أية جهة في البلاد - ولو كانت رأس السلطة التنفيذية ومن يدور بفلكه - هو مؤشر قوة نظام الحكم ومنعة البلاد وحصانتها، وهو ما يعبر عنه حديثا بمبدأ سيادة القانون، وقد قرره النبي صلى الله عليه وسلم بأجلى ما يمكن من البيان بقوله: " ألا إن من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " وقوله: "وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب".
وقد سجل التاريخ الإسلامي المشرق تطبيق هذا المبدأ من قبل بعض القضاة واستدعاء بعض الخلفاء والسلاطين لمجالس الحكم والقضاء. وللأسف فهذا المؤشر مفقود في العالم المتخلف الذي يضم الدول العربية ومعظم الدول الإسلامية، وهو موجود عند الأعداء، ومنهم الكيان الإسرائيلي !!.
ومعنى ذلك أن السلطة القضائية التي يرأسها مجلس القضاء الأعلى مستقلة تماما في قراراتها وحصانتها عن السلطة التنفيذية، وهذا لا يتنافى مع كون تعيين القضاة قد يتم أحيانا من الناحية الإدارية من خلال السلطة التنفيذية الممثلة في الدولة الحاكمة، وقد يتم كما هو الأصل بشكل مستقل إداريا وماليا من خلال مجلس القضاء الأعلى الذي هو أعلى سلطة قضائية في البلاد.
على أن العدل وإن كان يعني المساواة فهي المساواة في المبدأ الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه، وليس المساواة المطلقة التي تبنتها الأنظمة الشيوعية الفاجرة التي حرمت الناس من أموالهم التي سلطهم الله عليها بحجة العدل والمساواة.
وقد كانت سورية قبل سقوطها تحت نير حكم حزب العبث والفساد والحكم الطائفي الذي نتج عنه (1963) تتمتع بهذا النظام القضائي المستقل، وإن كانت تشوبه أحيانا بعض الشوائب، وقد قامت السلطات الحاكمة وقت ذاك في الفترة الأولى والثانية (1963 - 1970) بالعبث في النظام القضائي والتحكم به وتسريح كثير من أعلام القضاة الموثوقين المعروفين بعلمهم ونزاهتهم مثل الأستاذ عبد القادر الأسود رئيس محكمة النقض السورية، ( الذي تولى الإشراف على وضع القانون المدني الأردني المستمد من الفقه الإسلامي )، وإبعاد بعضهم الآخر خارج البلاد مثل الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي ( الذي وضع مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري المتميز على غيره من القوانين ) وغيرهما.
ولما جاء الأسد المأفون وسطا على الرئاسة (1971) جمع جميع السلطات بين يديه فنصب نفسه رئيسا لمجلس القضاء الأعلى الذي يعين القضاة ويقبل استقالاتهم! وينوب عنه عند اللزوم وزير العدل، إضافة للسلطة التشريعية المطلقة في فترة عدم انعقاد مجلس الشعب الكرتوني ! وهكذا أحكم قبضته على سلك القضاء وكل ما يتصل به تشريعا وقضاء.
ونظرا لكون الفساد في نطاق القوانين والعمل بها إنما يكون من جهتين:
الأولى: القوانين نفسها التي تحتاج إلى إصلاح وتغيير وتطوير.
الثانية: القضاء العملي والإجراءات التي تعمل بها المحاكم للتقاضي والتنفيذ وهذا يرجع إلى سلوك القضاة.
ونظرا لكون تعديل القوانين وصياغتها من جديد وفق مبادئ راسخة يحتاج إلى زمن كاف من الدراسة وتقليب وجوه النظر من قبل المختصين.. ولكون الفساد والانحراف في الجهة الثانية أخطر من الأولى، لأن العمل بقانون غير صالح إذا طبق على الجميع بالتساوي يكون في ذلك نوع من العدل، كما قيل: ظلم بالسوية عدل في الرعية، فإن الخطوات المباشرة التي لا يجوز تأخيرها بحال هي:
1- تطهير الجهاز القضائي وما يتصل به من وظائف إجرائية من جميع القضاة والموظفين المعروفين بالفساد والرشوة أو المحسوبية وسوء السمعة أو الانبطاح للنظام المارق فورا... وتقديم بعضهم للمحاكمة في حال توفر الإثباتات الكافية لإدانتهم.
2- وضع ضوابط وشروط عالية من العلم والموثوقية فيمن يتولى القضاء أو أية وظيفة تتصل بالسلك العدلي، ودعم رواتبهم وتعويضاتهم المالية.
3- فتح ديوان للمظالم وإعادة النظر في الأحكام القضائية السابقة ولو كانت معتمدة من قبل أعلى درجة من درجات القضاء (محكمة النقض) في حال وجود بينات للإثبات على الفساد أو الانحياز في الحكم.
4- العمل على تعديل وإصلاح القوانين التي تحتاج إلى ذلك من خلال تشكيل لجان مختصة لوضع مشاريع مدروسة ناضجة لها، ثم إقرارها فيما بعد.
5- تكون جميع الأحكام والإجراءات القضائية مدعومة بقوة من خلال السلطة التنفيذية الحاكمة ولو كان التنفيذ على أية جهة في البلاد.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


