بقلم: الدكتور أحمد الفاضل
لقد بوّأ الله تعالى العلماء الربانيين منزلة رفيعة، إذ أرشد عباده إليهم ليسألوهم فيما غُم عليهم من المسائل، قال تعالى:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وعند الاختلاف أمرهم بالرد إلى الرسول وإليهم فقال:(ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم..).
هذا تشريف وتكريم منه سبحانه وتعالى لكنه في الوقت نفسه مسؤولية وتكليف، فالمغانم لها مغارم.. والتمكين لا يكون إلا بعد ابتلاء.. ولا بد دون الشهد من إبر النحل..
وتتجلى هذه العلاقة القيادية فيما يأتي:
_تحمل التبعة والمسؤولية وقت المصائب والشدائد:
وهذا يظهر جلياً في المعارك الذي خاضها قادة الفتوح والجيوش الإسلامية، فكل قائد عسكري وراءه قائد روحي يوجهه ويشير عليه وربما يأمره وينهاه.. ومعركة الزلاقة بقيادة يوسف بن تاشفين، وفتح القسطنطينية بقيادة محمد خان (الفاتح) ومعركة عين جالوت بقيادة المظفر قطز أكبر شاهد ومثال..
ومن واقعنا المعاصر أنّ العلماء في حرب رمضان سنة ثلاث وسبعين وتسعمئة وألف كان لهم أثر واضح في الانتصارات الجزئية التي كانت على الجبهة المصرية بينما كانوا مبعدين عن الجبهة السورية فكان الهزائم التي جعلوها بوقاحة انتصارات وفتوحات وكذلك صنع قائد الهزيمة الكبرى في سنة سبع وستين...!!
وقد كان الجهاد والتصدي للاستعمار الغربي في القرن الماضي يقوده العلماء بأنفسهم في شرق الوطن العربي وغربه.. وقد رووا الثرى بدمائهم الزكية ..
_الصدع بالحق وتبليغ الدين والحذر من التحريف: وهذا وصف الأنبياء والعلماء على أثرهم وهم ورثتهم، قال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً).
وأمثلة ذلك عصية على الحصر في الغابر والحاضر، وأكتفي بمفتي تونس في زمن بور خيبة الهالك عندما طلب إليه الأخير أن يفتي بالإفطار في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج في المعامل والشركات وأن تكون الفتوى على الإذاعة مباشرة فقال المفتي الإمام محمد الطاهر بن عاشور ت 1973 بعد أن تلا الآيات: صدق الله وكذب بورقيبة!! وكان ذلك الأمر الجلل سنة 1961.
_ الحياة للدين والأمة: أن تكون حياته وعواطفه وأحاسيسه لدينه وأمته حتى عبراته تكسب في سبيل ذلك.. ولا يتحقق ذلك إلا بأمور:
1-احترام الناس كافّـة وتجنّب احتقارهم: مع مراعاة أحوالهم من فقر وغنى ومرض وعاهة وغير ذلك.. وانظروا إلى ذلكم المجاهد الذي قطعت يده في سبيل الله وقد حضر مجلس سيدنا عمر و وضع الطعام فتنحى لأجل يده.. فأدرك عمر ذلك، فقال: والله لا نذوقه حتى تسوطه بيدك المقطوعة فإنه ليس أحد بعضه في الجنة إلا أنت..!!
قارن بين صنيع عمر ودعاء بعضهم للمجرمين القتلة في بلاد الشام بالنصر والغلبة على المجاهدين بل على الأمة كلها، وأنّ هؤلاء المجرمين لولا الزمن لكانوا بمنزلة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم..!! ثم يبكي وينتحب لأنه لم يكن معهم مقاتلاً..!!
أين عواطف الأمة؟ أين مشاعر الأمهات الثكالى؟ أين الرحمة بالأطفال واليتامى والمشردين والجائعين..؟؟!! أليس الأولى بهذه المشاعر وهذه الدموع المدرارة أن تذرف على أولئك المنكوبين المظلومين..؟!! أم هم حثالة المجتمع ورعاعه فلا يلتفت ولا يكترث بهم..؟؟!!
لمثل هذا يذوب القلب من كمد.... إن كان في القلب إسلام وإيمان
وآخر يقول: لا يجوز الدعاء على المجرم وأعوانه في بلاد الشام لأنّ ذلك ليس منهج رسول الله!!! يعني تقول لمن يقتل وينتهك الأعراض ويدمر البلاد ويخرب بيوت الله زادك الله وقواك ونصرك وحشرك مع الصالحين..!!
وثالث يزعم أن الطاغية مجرم وظالم لكن لا يحل الخروج عليه..!!
ورابع يقدح في اجتماع العلماء في القاهرة ودعوتهم للجهاد في بلاد الشام بعد أن ظهر الكيد الرافضي لهذه البلاد ويقول: إن ذلك لا يسمى جهاداً بل هو دفع للصائل ..!! وقد كان من قبل غائباً عما يجري وكأنه يعيش في عالم آخر غير عالمنا..!!
2-الإنصاف والحيدة(الموضوعية)والإقرار بالخطأ: العلماء الربانيون منصفون يجأرون بين الناس بالخطأ إن أخطؤوا.. وهذه يدنيهم من قلوب الناس ويجعلهم محل ثقتهم وتقديرهم.. والقدوة في ذلك رسول الله_ وهو المعصوم_ عندما نزل في موضع في معركة بدر فسأله الصحابي الحباب أهو وحي أم الرأي؟ فقال: بل الرأي فقال: إذن ليس بالمنزل فاستجاب رسول الله وهو القائد لجندي من جنوده..!!
وسيدنا عمر يقول: أصابت امرأة وأخطأ عمر ..فكأنه يعلمنا أن نقول: ليس المنقود بأعظم من عمر وليس الناقد بأقل من تلك المرأة..!!
والكلام في علاقة العلماء بالشعوب يتعذر الإلمام به في هذه الدقائق المعدودات، لذلك أكتفي بما قدمت سائلاً المولى تعالى النفع والقبول..