عظمة القدر

عظمة القدر

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١٤ رمضان ١٤٣٧ هـ - ١٩ حزيران ٢٠١٦
1750

 

لا توجد عقيدة تنازع فيها النّاس : مؤمنهم و كافرهم ، قديماً و حديثاً _ و سيظل الأمر كذلك _ كعقيدة القضاء و القدر !! فلا عجب أن كانت هذه العقيدة إحدى ركائز الإيمان في المنظومة الإسلاميّة ، إذ تظاهرت الآيات القرآنيّة و الأحاديث النبويّة على جوهريّة هذه العقيدة ، حتّى صارت من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة . يقول الحق عزَّ وجل : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر:49] . { وَ كَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38] . { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } [طه:40] . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ] كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة [ . و قال أيضاً صلى الله عليه وسلم : ] إنّ أول ما خلق الله القلم ، فقال : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : اكتب القدر ما كان و ما هو كائن إلى الأبد [ . قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : « القدر نظام التوحيد ، فمن وحّد الله و آمن بالقدر تمَّ توحيده ، و من وحّد الله و كذّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه » .

و لقد علم المتربصون بهذا الأمة شرّاً القيمة الفعّالة لعقيدة القدر في الإسلام و حيويّتها الدّفاقة و فاعليّتها العميقة في شخصيّة المسلم و طبيعة علاقته بحركة التاريخ ، فحرصوا بكل حيلة على تشويهها في عقله و وجدانه ، خاصة بعد أن بهت و خفت وهجها لديه عبر التاريخ بسبب عوامل مختلفة في مقدمتها ما يسمى بـ " علم الكلام " و اتجاهاته و صراعاته !!

و لأنّ هذه المقالة ليست موضوعة لتتبع تاريخ عقيدة القضاء و القدر لدى مختلف المدارس و الاتجاهات ، و كشف سياقاتها و عواملها و آثارها ، سيكون البحث _ إن شاء الله _ قاصراً على تقديم باقة إرشادات تساعد المسلم المعاصر على تبصّر جمالية هذه العقيدة و تذوق روعتها و فهم أبعادها .

الخلل المنهجي الذي وقع فيه كثيرون و هم ينظرون في القضاء و القدر ، أنّهم لم يحددوا الإطار الكلي الذي يجب دراسة عقيدة القضاء و القدر أي علاقة الخالق بالمخلوق في مجاله و سياقه ، بل انطلقوا لفهم هذه العلاقة المركزيّة من مقرّرات بعيدة عن معطيات الوحي الرباني في شموليّتها و تكاملها !!

من أجل ذلك ، فإنّي أعتقد أنّ القضاء و القدر يجب دراسته انطلاقاً من الحقائق الثلاث التاليّة :

  1. الحقيقة الأولى : وجود الله تعالى . قدّمت العقيدةُ الإسلاميّة اللهَ تعالى على أنّه الإله الخالق ، له الكمال اللانهائي في ذاته و صفاته . و هذا يعني أمرين :

  • الله تبارك شأنه غني عن العالمين كافة ، و غناه يُحيلُ بشكل مطلق أن يظلم أدنى ظلم .

  • العقل الإنساني يستحيل استحالة مطلقة أن يحيط علماً بالله تعالى في ذاته و صفاته . 

  1. الحقيقة الثانيّة : مهمّة الإنسان . حصرت العقيدةُ الإسلاميّة مهمّةَ الإنسان في شيء واحد هو : العبوديّة لله تعالى بمفهومها الواسع ، الشامل ، و المتكامل . و هذا يعني أمرين :

  • الدنيا ليست عالم صفاء و هناء ، بل دار امتحان و بلاء ، إذ هي فانية زائلة .

  • يتحرّك الإنسانُ في إطار منظومة متشابكة من الضوابط و الأسباب و الآثار .

  1. الحقيقة الثالثة : المصير الأبدي . كشفت العقيدةُ الإسلاميّة عن أنّ مصير الإنسان بعد الموت هو الاستمرار في الوجود بشكل أبدي ، إما الجنة أو النّار . و هذا يعني أمرين :

  • الإنسان مخلوق للأبد السرمدي ، إما في مسار السعادة أو مسار الشقاء .

  • مصير الإنسان في عالم الخلود مرتبط جوهريّاً بمدى أدائه لمهمّته الأصلية في الدنيا .

إذن في إطار هذه الحقائق الثلاث يجب أن ننطلق لفهم طبيعة القضاء و القدر .

و من هنا يمكننا أن نقول : العلاقة بين الله تعالى و الإنسان علاقة تفاعليّة . هذه التفاعليّة الثنائيّة تحتفظ للألوهيّة بعظمتها و كمالها ، كما أنّها تمنح الإنسانيّة قيمتها و معناها . إذ لو كان الأمر جبريّة مطلقة لما كان لمسؤوليّة الإنسان معنى ، و لو كان الأمر حريّة مطلقة لما كان للألوهيّة قيمة !!

بعد هذا البيان المجمل ، سأضع هنا مجموعة ضوابط كليّة تعصم _ إن شاء الله تعالى _ المسلم المعاصر من الوقوع في شَرَك الحيرة و الشكوك التي يحرص الملاحدة و غيرهم على إيقاعه فيها . فأقول :

  • الضابط الأول : الله عزَّ وجل متصفٌ بالكمال المطلق .

معنى هذا الضابط ، أنّ الحق تبارك شأنه لما كان هو الخالق ، و كان شرط الخالقيّة في ضرورة العقل هو الكمال اللانهائي في العلم و القدرة و الرحمة و الحكمة و الإرادة ، و غير هذا من الصفات ، استحال استحالة مطلقة أن تتطرّق أدنى أشكال الظلم المتوهمة في العقل إلى أحكامه و أفعاله . إذ لو أمكن ذلك ، فهو نقص و عجز و جهل و عبث ، و كمال الألوهيّة و عظمة الخالقيّة منزّهة عن كل ذلك .

  • الضابط الثاني : الله تعالى  خلق الإنسان و الكون خلقاً خاصّاً .

معنى هذا الضابط ، أنّ الحق تبارك و تعالى لما كان هو الإله الخالق ، خلق الوجود بما فيه من أشخاص و أشياء بإرادته الكاملة ، كان هو وحده جل مجده أعلم بسرّ تشكيل الكون و الحياة و الإنسان على هذا النحو . إذ إنّ خلق الوجود على هذا الشكل مرتبط جوهريّاً بكمال الحكمة الإلهيّة و ما لا نعلمه من الصفات الأخرى التي يتصف بها الله تعالى .

  • الضابط الثالث : القدر الإلهي له اعتبارات متشابكة ترتبط بالدنيا و الآخرة .

معنى هذا الضابط ، أنّ الله تعالى في شتّى صور و أشكال أقداره في حياة الإنسان يراعي اعتبارات هائلة و متشابكة لها صلات وثيقة بطبيعة عالم الدنيا ، و طبيعة مهمة الإنسان و شخصيّته ، و طبيعة مصيره في عالم الآخرة ، و غير هذا من الأسرار المعتبرة . و هذا ما يؤكد استحالة الإحاطة بهذه الاعتبارات علماً و تصوّراً على أي مخلوق ، إذ كل مخلوق فهو محدود .

  • الضابط الرابع : الإنسان مجبر على الكليات مخيّر في الجزئيات .

معنى هذا الضابط ، أنّ الله سبحانه خلق نظاماً كونيّاً معيّناً ، فالإنسان يستحيل على الإنسان أن يخرج من دائرة هذا النظام . لكن داخل النظام أعطاه اللهُ تعالى الحريّة ليختار ما شاء من الخيارات التي ضمّنها الله تعالى الإطار الكلي . مثال : قرّرتَ أن تأخذ قطاراً من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) هنا أنت مجبر و مختار :

  • مجبر على قبول سلوك القطار للسكة التي وضعها المهندسون ، سواء كانت مستقيمة أو منعرجة ، و لا يحق لك أن تعترض على مسارها ، لأنّ الجواب منهم سيكون : هذا ليس من شأنك !!

  • مختار داخل القطار فقط : تستطيع أن تقطع الرحلة واقفاً أو ماشياً ، جالساً أو نائماً .. إلخ ، و لن تجد أحداً يرغمك على البقاء وقوفاً مثلاً ، بل فقط ستجد إرشادات لراحة أكبر !!

و لهذا أقول : لا وجود للحرية المطلقة . فالحرية المطلقة تناقض صفة المخلوقيّة في الإنسان . بمعنى لو أنّ الإنسان حرٌّ بشكل مطلق إذن فهو إله ، و ليس مخلوقاً ، إذ كان معنى الحريّة المطلقة هو أن يفعل الفاعل ما يشاء بلا قيود و لا حدود ، و هذا يقتضي أوّلاً مجموعة هائلة و متشابكة من الصفات التي يجب أن يكن متصفّاً بها بشكل لانهائي كالعلم و القدرة و الإرادة و الحكمة . و ما من شك في أنّ هذا مستحيل في حق المخلوق !! و خير برهان على أنّ الإنسان ليس حرّاً حريّة كاملة ، أنّه يعيش في بيئة حتميّات مطلقة لا يمكنه أن يجادل فيها ، مثاله : حتميّة قواعد اللغة التي اختار أن يتحدث بها . حتميّة المناخ البيئي الذي اختار أن يعيش في حدوده . و قس على هذا !!

يبيّن هذا المعنى الضابط التالي :

  • الضابط الخامس : الإنسان مخيّر في الأسباب مجبر على النتائج .

معنى هذا الضابط ، أنّ الله تبارك شأنه في النظام الوجودي الذي أراده ، جعل من معالمه و قوانينه : الأسباب و النتائج ، فكلُّ سبب يؤدي إلى نتيجة معيّنة ، لكن إذا كان الله تعالى هو خالق السبب و النتيجة ، فقد منح الإنسانَ حرّية التحكم في السبب و منعه حريّة التحكم في النتيجة . و هذا مثال هذا الضابط : أنت مخير أن تقف أمام القطار أو ترفض ، لكنك إذا قرّرتَ الوقوف و دهسك القطار ، فأنت مجبر و مرغم على قبول النتيجة و هي : الموت . أنت مخير أن تمارس الجنس في الحلال أو الحرام ، لكنّك أنت مجبر على قبول النتيجة و هي : الحمل . أنت مخير في شرب العصير أو السم ، لكنك إذا اخترت السم ، فأنت مجير على قبول النتيجة و هي : الموت . أنت مُخيّر في الركض أو المشي العادي ، لكنك إذا اخترتَ الركض فأنت مجبرٌ على قبول النتيجة و هي : العرق و التعب .

إذن فالأسباب فعل الإنسان أما النتائج فهي فعل الله تعالى وحده ، إلا ما أعطاه من القدرة في التدخل فيها ، كحبوب منع الحمل مثلاً ، لمنع تحقق النتيجة : الحمل . بل حتّى هذا الهامش الضيّق للتحكم في النتيجة تترتب عليه نتائج تكون أسباباً لنتائج أخرى سلبيّة ، مثل التحكم في الحمل نتج عنه انتشار الزنا ، فنتج عنه شيوع أمراض خبيثة و هشاشة الشخصيّة و تفكك أواصر المجتمع .

 إعطاء الحريّة للإنسان للتحكم في السبب مع منعه من التحكم في النتيجة ، إلا في هامش ضيّق كما قلنا ، هو الذي يضفي على نشاط الإنسان و حياته معناها و قيمتها و مسؤوليّتها .

  • الضابط السادس : التكليفات مرتبطة بالاختيار دون الاضطرار .

معنى هذا الضابط ، أنّ الحق تبارك و تعالى لما كان قد خلق الإنسان للآخرة ، و جعل مصيره فيها « الجنة أو النار » مرتبطاً بمدى قيامه بالمهمّة التي خلقه لأجلها ، مهمة العبوديّة : } وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ { [الذاريات:56] : عقيدة و سلوكاً و تعبّداً و تشريعاً ، و جعل النظام الكوني ثنائيّاً : كليّات قاهرة و جزئيات حرة . في إطار كل هذا ، كان التكليف الشرعي الذي يترتب عليه الحساب عند الله تعالى مرتبطاً بدائرة الاختيار لدى الإنسان دون دائرة الاضطرار . إذ ما يفعله الإنسان مختاراً يكون قد فعله بوعيه و إرادته الكاملة ، و لهذا وجب أن يتحمّل مسؤوليّته و عواقب اختياراته . و أمثلة هذا الضابط كثيرة جدّاً منها : الله تعالى لا يحاسب العبدَ على لونه و جنسه و مكان ميلاد و زمانه ، لأنّ هذه تقع في دائرة الاضطرار أي كانت خارجة نطاق الفعل الإنساني . الله سبحانه يحاسب عبده على عصيانه و شركه و إلحاده و ظلمه و جرائمه ، لأنّ هذه تقع في دائرة الاختيار أي هي داخلة في نطاق الفعل الإنساني ، فكل إنسان يجد من نفسه القدرة على الايمان أو الكفر ، على الاستقامة أو الانحراف ، على محاسن الأخلاق أو مفاسدها .

إذا فهمنا هذه المعطيات ، سنفهم بالضرورة أنّ كل ما يقوله الملاحدة عن وجود الشرور في الحياة ، و بالتّالي يرتبون عليها نفي و إنكار وجود الخالق تبارك و تعالى ، ليس سوى تهافتاً شنيعاً و ثرثرة فارغة . و ذلك أنّ هذه الشرور و الآلام ( كالتشوهات ، الجرائم ، الحروب ) التي يحتج الملاحدة على وجودها ، لم تأت من فراغ ، بل الإنسان تدخل في حدوثها ، أما الإله الخالق فقد سمح بحدوثها فقط ، في إطار طبيعة النظام الكوني الذي خلقه لتحقيق المقاصد العليا التي أرادها . أي إنّنا علميّاً عندما نبحث في أسباب هذه ( الشرور ) سنجد دائما الإنسان هو السبب ، هو الفاعل . أما الإله الخالق فهو فقط سمح بحدوث ذلك كما قلت . المشكلة عند الملاحدة _ و كثير من المؤمنين ينسون ذلك _ أنّهم يعتقدون أنّ الدنيا هي النهاية و الموت هو آخر الرحلة ، فطبيعي للغاية أن تثور ثائرتهم على وجود هذه الشرور ، لكن لو فهموا أنّ الحياة الدنيا محطة في رحلة طويلة و أنّ الموت ليس النهاية ، بل وراءه حياة أخرى سيتحدد مصير الإنسان فيها حسب ما فعل في الدنيا من الخير أو الشر ، لو فهموا هذه الحقيقة البسيطة لكان لهم موقف آخر . و لكن كم للجهل من ضحايا !!

نخلص من هذا البيان المختصر للقول :

لكل عقيدة يعتقدها الإنسان ثمار و نتائج و آثار ، تظهر في طريقة تفكيره ، و طبيعة سلوكيّاته ، و مساراته حياته بعلاقاتها و أهدافها . و القدر بحكم أنّه عقيدة يعتقدها كل النّاس ، مؤمنهم و كافرهم ، بالضرورة يكون لها ثمار و آثار . و لا شك أنّ الفهم الصحيح لهذه العقيدة كما وضح المنهج الإسلامي حقائقها ، يورث المسلمَ نتائج طيّبة و ثماراً يانعة ، نلخصها في التّالي :

  • على مستوى الفكر و العقيدة : إخلاص التوحيد لله تعالى . و ذلك أنّ المسلم يدرك أنّ الله تعالى له السلطان المطلق و الحكم الكامل في الوجود و الحياة و الإنسان . فلا يحدث في حياة الإنسان و جنبات الكون و الحياة شيءٌ خارج قدرة الله تعالى و علمه و هيمنته المطلقة : } وَ مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ { [التكوير:29] . } أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ { [الحج:70] . و بهذا ينجو المسلم من الوقوع في حمأة الشرك و الكفر ، كما وقع فيه من أعرض عن منهج الله تعالى ممن اعتقد أنّه يكون في الوجود ما لا يريد الله تعالى ، فراراً من نسبة الشرور إليه جل جلاله !!

  • على مستوى النفس و الشعور : وُجدان الراحة و الطمأنينة . و ذلك أنّ المسلم يدرك أنّ الله تعالى يتصف بصفات العلم المطلق و الرحمة الشاملة و الحكمة البالغة و القدرة اللانهائيّة ، و أنّه تبارك و تعالى يحب لعبده المسلم الخير و الرضى و السعادة : } يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ { [البقرة:185] . } لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ { [سبأ:4] . و من ثمَّ يطمئن لكل أقدار الله تعالى ، حتّى و إن كانت على غير هواه ، فهو رابح على الله تعالى في جميع الأحوال : إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له ، و إن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له : } لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَ إِن تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ { [آل عمران:186] . و بهذا لا ييأس ، و لا يتشاءم ، و لا يسخط ، كما لا يعجب بنفسه ، و لا يغتر ، و لا يتكبر بحوله و قوته و ذكائه، ذلك لعلمه أنّ ما أصابه من شر فبمعصيته لله و هذا عدل الله : } وَ مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُو عَن كَثِيرٍ { [الشورى:30] ، و ما أصابه من خير فبتوفيق الله و هذا فضل الله : } وَ مَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ { [النحل:53] . بل يجدد علاقته بخالقه و ينطلق في مسارات الحياة و مواجهة تحديّاتها و هو ممتلئ بالحب ، و التفاؤل ، و الإيجابيّة ، و التواضع و الخشوع ، لأنّه يكون موصولاً بالله تعالى و عالم الخلود الجميل ، متحرّراً من سجون الشهوات و ضغوط الأوهام التي يتنفس فيها البُعداء عن الله تعالى .

  • على المستوى السلوك و الممارسة : الاستقامة و اليقظة . و ذلك أنّ المسلم يعلم أنّ كل عمل يأتيه له تأثير معيّن على شخصيّته أوّلاً ، و على مجتمعه ثانيّاً ، و على علاقته بالله ثالثاً . و من هنا يكون حريصاً على الاستقامة في نشاطات حياته كافة على منهج تعاليم الله تعالى . فلا يطلق من الرزق إلا الحلال ، و لا يضع من الأهداف إلا ما ينسجم مع شرع الله تعالى ، و لا يعامل الآخرين الذين تربطه بهم علاقة معيّنة إلا بما حدّد الله تعالى ، لأنّه يعلم أنّ مسؤول ، و سيحاسب على مسؤوليّته عن نفسه ، عن أسرته ، عن كل ما في دائرة سلطته ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ] لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه , و عن شبابه فيما أبلاه , و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه , و عن علمه ماذا عمل فيه [ . كما يكون يقظاً لنشاطات المجتمع ، فهو مسؤول _ في حدود سلطته _ أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ، أي أن يمارس " النقد الاجتماعي " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ] إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك أن يعمهم الله بعقابه [ ، و قال الله تعالى عن بني إسرائيل : } لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّ كَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ { [المائدة:79] .

و بهذا يكتسب مفهوم القدر في عقل و وجدان الإنسان المسلم قيمته و جماليّته . فلا يتعامل معه بشكل سلبي ، بل بصورة إيجابيّة ، لأنّه يتخذه قوة دافعة له في الحياة ، و هذا هو سرّ قوة المسلم و حيويّته ، كما تجلّى ذلك بأروع صوره و أعمق معانيه في حياة الصحابة و الجيل الأول من المسلمين ، الذين حققوا من النتائج في شتّى المجالات ما أبهر أمم العالم ، قديماً و حديثاً . و لهذا قال بعض الصحابة لما سمعوا أحاديث القدر ، و أنّ كل شيء مكتوب عند الله تعالى ، و أنّ على المسلم أن يعمل ما ينفعه و يورثه رضوان ربّه ، فكلٌّ ميسر لما خُلق له : « ما كنتُ بأشد اجتهاداً منّي الآن » . و الله أعلم .

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...