الشيخ نور الدين قره علي
منذ عشرات أو مئات السنين ونحن نعيش على ذكريات التاريخ , تحيا أفكارنا على مائدة النماذج التي تناءت عن واقعنا .. وتحولت إلى نجوم تتلألأ في مخيلات عقولنا , وكل ذلك جعل جسد واقعنا يشحب لونه , ويذهب بهاؤه , لأن الاقتصار على الماضي دون حركة في أرض الواقع يدل على هروب إلى ضياع المستقبل .
هكذا كنا باختصار ، حتى جاء عمالقة اللحظة وخرجت كمعجزة باهرة مواكبُ الثورة , وتفجرت في دياجير أحلامنا يقظة الأمة , كان ثوب تاريخنا الذي نستر به عورة واقعنا .. ننسجه من خيوط الأحداث السابقة .. نلملمها من هنا وهناك , فلكم تردد على مسامعنا أخبارالسابقين أمثال عمر وخالد وصلاح الدين وابن ماجه , نستجلب العز بن عبد السلام من رقاده , ونوقظ الفارابي من هدأة مقامه , ونجمع المنشدين ليغردوا أبياتا لشعراء , ونصُفُّ المجلدات ليتكلم الخطباء , ثم تنصرف الحشود إلى صحراء واقعها لا تؤكد الأخبار في حياتها إلا بُعدَ المسافة , وشدة التباين بين سمعها وحياتها ،حتى أتى القدر بما بُهر له البصر , وحدثت المعجزة التي أخلى كل واحد مسؤليته عن إحداثها ، أو التنبؤ بحدوثها , وانفلق البحر بضربة الأجيال الشابة النحيلة ، وسارت في أعماق أمواجه التي فتحت كل أذرعتها ، ليمر هؤلاء من ظلمات الواقع إلى فجر جديد , ومن شرذمات الفوضى إلى جمع التوحيد , وكانت هذه الأمواج تندفع في الطرف الآخر لتبتلع كل جبار عنيد , يصرخ هذا بقوله لا توريث ولا تجديد ، ويرد الثاني لقد فهمتكم .. لقد فهمتكم ، وهو يقرر الهروب كما يهرب الرعديد , ويتشبث آخر وهو على سرير مرضه بآمال العودة , ويعلن الآخر بأنه لن يحكم قطراً بل يبشره أعوانه بأنه ينبغي أن يحكم العالمين.
وها نحن جميعاً نتلوا قوله تعالى :
{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير }
فلا نستحضر أخبار الماضي نفسر بها آيات ربنا ، ولا نفتح سجل التاريخ ليروي لنا بعض أسرار معانيها ، بل أصبحنا نتلمس المعاني من سجلات الصحف أو الفضائيات أو أجهزة الاتصالات بأيدي كل واحد منا ، فسبّحنا باسم مالك الملك ، وفهمنا معنى تؤتي الملك من تشاء ، وذهلنا ونحن نرى ترجمة تنزع الملك ممن تشاء في واقع سلاطين ورؤساء ،
تنزع .. لأن التشبث كان شديدا.. فظيعا ، تنزع .. لأن كل هذه الأنظمة قد تجذرت وتمسكت بكل أجهزتها وعسكرها وأطماعها ..
إننا الآن نرى شباب الأمة , شباب الثورة , شباب الأمل , كيف يجرون أكبر الطغاة إلى محاكمته أمام الخلق جميعاً ، مما يدفعني اليوم أن أعتذر وبكل إجلال ، لمولانا العز بن عبد السلام ، الذي كنت أعيش ذكراه حلماً ، كيف ينادي ببيع الأمراء لا بمحاكمتهم , إني أعتذر لمقامه العظيم ، لأني أرى بعيني اليوم عزاً وسلاماً متشخصا بملايين الشباب الذين يصرخون بصوت هادر تسمعه آفاق الزمن , ماضيه وحاضره و مستقبله , ويعصف هتافها بأكبر طواغيت الزمن وفراعنة العصر , فتراه متمسكا ثم مخلوعا ثم مبعدا مقبورا ثم محاكما مأسوراً ..
عذرا يابن جبير فلقد سمعنا هديرك أمام الحجاج في قراءات طالت وطالت , عذراً فإننا نسمع اليوم حناجر المؤمنين تخرج جموعا لتندد بظالمي هذا الزمن وظالمي تاريخك , وتسقط وهمهم من القلوب وتزيحهم عن مواقع التجمهر , عذرا لكل أبطالنا الميامين عبر التاريخ , عذرا لكل من نصبنا لهم في قلوبنا معاني الثبات والنضال , عذرا فقد حركنا اليوم ما همد من النماذج , وما غيب من الأثر , أيها الشباب يا من طوحتم جبابرة الزمن بنفخة أصواتكم , يا من بعتم أمراء الطغيان اليوم بغبار أقدام ثباتكم , يا من سقتم إلى محاكم العدل فراعنة العصر بوحدة اعتصامكم .
أيها الشباب ... تحلقو يدا بيد وضموا بترابط محبتكم موقفكم الذي يتقاطع اليوم مع كل فئاتكم ، دعاة وفنانين وعمالا ومثقفين وتجارا وكادحين , فالأمر أمر الأمة وفي كل وطن لكم حركة , منها ما بدأ بالبناء بعد الهدم , ومنها ما وصل إلى نهاية الهدم ليبدأ البناء , ومنها ما زال ينتظر { وما بدلوا تبديلا } ورددوا قوله تعالى :
{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير }