"احرص على ما ينفعك" ؛ وصية نبوية جليلة .. لكن لا ينتفع الإنسان من عالم إن سمع بنية الاستشكال أو قرأ بعين الناقد .. طالب العلم يبحث عن المنفعة، وصاحب الهوى يبحث عن الإشكال!
في كل كلام معان شريفة مهما بدا لك من سوئه وقبحه، وأقل ذلك أن تنتفع منه ولو بطريق مفهوم المخالفة، وأقل منه أن تنتفع منه ولو كان بطريق سؤال الله العافية .. أي أنك في كل حال مشغول بنفسك وبما ينفعك، والمشغول بصلاح نفسه لن يسلك تلك المسالك في مناطحة الخلق وتتبع عوراتهم.
النقد عمل شريف؛ لكن له شروط علمية وأخلاقية، ولا يسلك سبيله إلا من يعرف طريقه العلمي وطريقته الأخلاقية، ويكفيك لتقف على خطورته الأخلاقية ما ذكره حجة الإسلام في "الإحياء" في ذم الجدال وعلم الخلاف، هذه الخطورة التي تعرف من خلالها متى تتعرض للقيام بهذه المهمة ومتى ينبغي عليك السكوت، حتى إن لم تجد في كلام المقابل إلا كل قبيح، لأن القبح لا يقابَل بقبح يُقَبِّح الحق في عيون الخلق!
حين لا نجد في كلامك إلا قال فلان وقال علان؛ مع نبرة استهزاء واستخفاف.. فستظل هكذا؛ ولن تصل إلى شيء، وربما يعافيه الله ويبتليك، هذا إن سلمت نيتك في النقد وكان فيه لله؛ وإلا فهي غيبة واستهزاء.. وكلاهما إثم، لا ينجيك منه تفاعل المتفاعلين ولا قلوب المحبين!
كثير من الناس يقرأ نفسه من خلال نقده لغيره .. وكثير من الناس لا يعرف نفسه فضلا عن أن يعرف غيره .. ومن يقنع بهذا يمسك لسانه عن خلق الله، فلا يكون كلامه إلا مباحثة، وسؤال، ونقاش، وعذر .. أما ظاهرة طالب العلم السرسجي ؛ فإنها تزري بالعلم وتزري بصاحبها ..
إذا تكلمت في العلم فتكلم بحقه أو اسكت، وإذا لم يعجبك قول فقم بنقده برسم العلم أو اسكت .. أما أن تدخل في نوايا الناس وأنه ما قال كذا إلا لكذا؛ فكلام مصاطب لا كلام طلاب علم!
من جنايات السلفية على الحياة العلمية الإسلامية تلك الظاهرة التي أسميها "سرسجة العلم"، طالب العلم الشبح، الذي لا يحترم من سبقه في طلب العلم خاصة إن خالفه في مسائل أو حتى في المذهب والتوجه الفكري، والشطب على جهود الكبار بظنون الصغار، وترهات الأغمار..
هذا الاستخفاف بالعلم وبأهله لا يصدر من نفس عاقلة، ولا من قلب سليم، ولا من إنسان شم رائحة العلم.
هذا الطالب الذي يضحك على كلام علمي، أو يشتم من خالفه، أو لا يستطيع أن يصيغ سؤالا محترما بطريقة مؤدبة، ولا يستطيع مواصلة النقاش دون فلتات لسان، ولا يمكنه إعطاء عقله مساحة ليفهم وجهة نظر مخالفه، ولا حتى فهم التجربة الإنسانية لمن يخالفه.. كيف يسمى نفسه طالب علم؟!
الحوادث تؤكد وجوب أن نتعلم ما يكون به الإنسان إنسانا، قبل أن نتعلم ما يكون به المسلم مسلما.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


