من أهم الأمور في حياة الإنسان التي تساعده على تحقيق الطمأنينة النفسية والسعادة الحقيقية هو أن يعرف غايته الأساسية في الحياة. ومن آفات الحداثة تزايد الخواء الروحي وضياع القيم الثابتة، حيث أصبح الإنسان يلاحق اللذات المادية قصيرة الأمد، مما يؤدي إلى فقدان السلام الداخلي.
أما المؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يجد هدفه الأسمى في السعي لنيل رضى الله والتحضر بالخيرات والصالحات للنعيم الأبدي الذي ينتظر الصالحين المتقين في جوار رحمته تعالى ما يحقق له الطمأنينة.
بعكس من يجعل الدنيا همه الأساسي فيعيش في قلق وتشتت دون طمأنينة، يركض ويركض وراء التكاثر ليفقد كل ما كسبه عند الموت، فيتحسر على ما ضاع منه ويواجه مصيره البائس في الآخرة.
ما أكثر الآيات القرآنية التي تتحدث عن ذلك وسأجتزئ ببضع آيات وأحاديث هي الآتية:
﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 77]
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 18 وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 19 لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20]
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا * وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا * كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا * ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء: 18-21]
ومن الأحاديث:
1- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ». (رواه ابن أبي شيبة في مسنده وفي مصنفه، وابن ماجه في سننه، والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان)
2- وعن زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ».
والمقصود من (ضَيْعَتَهُ) -كما في قواميس اللغة- أعماله وحِرَفه وعقاراته ومكاسبه وتجاراته ونحوها.
(رواه أحمد في مسنده، والدارمي وابن ماجه في سننهما)
3- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي امْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ». (رواه ابن ماجه في سننه، 2/ 1376، والحاكم في المستدرك، 2/ 481).
4- وعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، وَسَدَمَهُ، لَهَا يَشْخَصُ، وَإِيَّاهَا يَنْوِي، جَعَلَ اللَّهُ عز وجل الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، وَسَدَمَهُ، لَهَا يَشْخَصُ، وَإِيَّاهَا يَنْوِي، جَعَلَ اللَّهُ عز وجل الْغِنَى فِي قَلْبِهِ، وَجَمْعَ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ صَاغِرَةٌ». (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، 6/ 123 و8/ 364)
قال الزبيدي في "تاج العروس من جواهر القاموس" (السَّدَمُ مُحَرَّكةٌ: الهَمُّ، أَو هُوَ مَعَ نَدَم، وَقيل: نَدَم وحُزْن، أَو غَيْظ مَعَ حُزْن...... والسَّدَم أَيْضًا: الحِرْصُ. وأَيْضًا: اللَّهَجُ بالشَّيْء والوُلُوع به)
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


