إنَّ واجبَ العملِ الإسلاميِّ في هذا الزمن قد أصبح يتطلَّب أنواعًا من النشاط المُنظَّم مُتعدِّد النواحي والأشكال والأساليب في ميدان الدعوة، وفي ميدان الدفاع، باللسان وبالقلم، وبتأسيس المنظمات، وإنشاء المجلات، وإقامة الاجتماعات والاحتفالات والمؤتمرات الإسلاميَّة والاتِّصالات والمواصلات الضروريَّة بين رجالات الدعوة ومراكزها ومنظَّماتها في الأقطار الإسلاميَّة، وما يستلزمه لذلك من أسفار في بعض الأحيان، إلى غير ذلك من شؤون الأعمال الإسلاميَّة وحاجاتها.
وكلٌّ من أوجه النشاط الإسلامي هذه يحتاج إلى تمويل وإلَّا توقَّف، والحكومات في البلاد الإسلاميَّة اليوم لا تحسب لهذا الواجب أيّ حساب ماليّ ولا تعين عليه لظروف وأسباب لا مجال لشرحها في هذا السؤال، ومعظم المسلمين لا يدركون هذا الواجب في تمويل حاجة الدعوة الإسلاميَّة، والذين يدركون ذلك ويحبُّون المساهمة فيه، يصعب عليهم أن يتحمَّلوا ما يستلزمه من نفقات فوق ما يخرجونه من زكاة أموالهم. وهكذا تبقى حاجات العمل الإسلامي تابعة تستجْدي دون جدوى، وتظلُّ مشروعات الدعوة الإسلاميَّة ومنظَّماتها أفقر من جميع أوجه النشاطات الأخرى حتى الهواية منها.
فهل يجوز والحالة هذه أن يدفع المسلمون الغيورون من الزكاة الواجبة عليهم من أموالهم لتمويل هذه الأعمال الإسلاميَّة، ويصحُّ ذلك منهم أداء للزكاة الواجبة ويسقطها عن ذمَّتهم؟ أفيدونا مأجورين.
الجواب:
إنَّ الزكاة في كتاب الله تعالى ثمانية مصارف أحدها (سبيل الله)، وإنَّ أكثر علماء السلف والمذاهب الفقهيَّة على أنَّ المراد بـ (سبيل الله) في مصارف الزكاة هو المعنى الخاص الذي استقرَّ عليه العرف الشرعي وهو مصالح الجهاد. ومن علماء السلف وأئمَّته من يرى أنَّه محمول على معناه العام الذي هو المدلول اللغوي لهذا اللفظ لا يختصُّ بمصالح الجهاد، بل يدخل فيه أيضًا كلُّ وجه من وجوه الخير التي تقرِّب إلى الله تعالى، لأنَّها من سبيل الله، فدفع الزكاة فيها يصح ويُبْرئ الذمَّة، وأصحاب هذا الرأي هم علماء السلف المُعتَبَرين الذين يجوز العمل بقولهم تقليدًا لهم واتِّباعًا لرأيهم في فهم كتاب الله.
كما يُعلم بالرجوع إلى تفسير الطبري والقرطبي وغيرهما في تفسير آية مصارف الزكاة، وإلى كتب تفسير آيات الأحكام ككتاب "أحكام القرآن" للجصَّاص الحنفي، ولابن العربي المالكي، وإلى كتب اختلاف الفقهاء ككتاب "بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد، و"المغني" لابن قدامة الحنبلي، و"المُحلَّى" لابن حزم، و"نَيْل الأوطار" للشوكاني في باب الزكاة.
فبناءً عليه ونظرًا لواقع حال المسلمين في البلاد الإسلاميَّة وأوضاع حكوماتها، ولحاجة الدعوة الإسلامَّية والدفاع عن الإسلام في هذا الزمن الذي توالت فيه المحن على الإسلام، يجوز العمل بهذا الرأي وإنْ كان غير ما عليه أكثر العلماء والمُفسِّرين، ويصحُّ دفع الزكاة في أوجه العمل الإسلاميِّ ونشاطاته بمختلف أشكالها إذا كانت فيه مصلحة ظاهرة لدين الله، وكان المدفوع إليهم للصرف في هذه الأوجه محلَّ ثقة وأمانة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
خبير الموسوعة الفقهيَّة
مصطفى أحمد الزرقاء
22/ رمضان/ 1387 هـ
23/12/1967م
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


