11- معجزة القراءات
لأنّ كلّاً من لفظ (القراءة) ولفظ (الحرف) يحمل في النصّ الإسلاميّ، وفي الدراسات القرآنيّة، معاني عدّة؛ فإنّنا نجد هذه المعاني قد اختلطت في الماضي وتداخلت، وما تزال، عند الكثير من العلماء والدارسين.
فقراءة النبيّ ﷺ العاديّة، وقراءتنا نحن، للقرآن الكريم (قراءة)، واللغات أو الحروف السبعة التي نزل بها القرآن للتسهيل على المسلمين (قراءة)، وقراءات القرّاء السبعة أو العشرة (قراءة)، وقراءتنا التجويديّة (قراءة)، وتلاوة عبد الباسط عبد الصمد أو الحصري أو المنشاوي (قراءة). كلّ هذه قراءات، ولكنّنا نعني بكلٍّ منها ما لا نعنيه بالأخرى.
أمّا اللفظ (حرف) فإنّه، إلى جانب المعنى العامّ والمتداول على ألسنتنا، يحمل معاني إضافيّةً عدّةً في الحديث النبوي، ومن ثمّ في الدراسات التي بنيت على تلك الأحاديث وخاضت في موضوع القراءات. فهو قد يعني طريقة نطق الحرف أو الكلمة عند القبائل، وقد يعني اللهجة بشكلٍ عامّ، وقد يعني الكلمة أو العبارة أيضاً، كما سوف نرى.
وسنحاول هنا أن نشقّ طريقنا عبر هذا الزحام والتداخل في المعاني، وأن نخرج منه في النهاية، ويخرج القارئ، مخرجاً آمناً.
اللغة المنفتحة للقرآن:
أثبتنا في كتابنا (المعجزة) أنّ القرآن الكريم قد تفرّد بخصوصيّةٍ لغويّةٍ لم يعرفها كتابٌ غيره، وهي ما سمّيناه باللغة المنفتحة.
ونعني بهذا المصطلح انفتاحَ اللفظة أو العبارة أو الآية على أكثر من معنىً واحدٍ يمكن أن يستنبطه القارئ منها، ومن غير تناقضٍ أو تنافرٍ بين هذه المعاني.
ونجد هذا النوع من الألفاظ والعبارات المنفتحة مبثوثاً في كلّ مكانٍ من سوَر القرآن وآياته. ويشعر القارئ حين يمرّ بأيٍّ منها بأنّه يقف أمام مجموعةٍ من المعاني في وقتٍ واحد، من غير أيّ تضاربٍ أو تباعدٍ فيما بين هذه المعاني.
فاللفظ (المرسَلات) في مطلع سورة (المرسلات)، على سبيل المثال، يمكن أن يعني الملائكة المرسلة بالوحي أو بالأقدار من السماء. ويمكن أن يعني، أيضاً، الأنبياء والرسل مع ما يحملونه من رسائل إلى البشر، ويمكن أن يعني كذلك السُّحُبَ المرسَلة بالغيث، أو بالعذاب، أو أن يعني الرياح المُرسَلة بتوجيه ربّها، وبما يأمرها به من إحياءٍ أو عونٍ أو إهلاك. وينطبق هذا على الكثير من الألفاظ والعبارات الأخرى التي تتلو هذا اللفظ في السورة: عُرْفاً، الناشرات، الفارقات، عُذراً أو نُذرا، السماءُ فُرِجَت، الرُّسُلُ أُقِّتت، يومُ الفَصل، مَهِين، قرارٍ مَكين، كِفاتاً، رَواسِي، ظلٍّ ذي ثلاثِ شُعَب، شَرَرٍ كالقصر، جِمالةٌ صُفْر..
وكثيراً ما يتجاوز أمرُ الانفتاح اللغويّ في القرآن حدودَ اللفظة أو العبارة إلى مجمل البناء اللغويّ للنصّ القرآنيّ، كما يوضّحه هذا المقطع المأخوذ من كتاب (المعجزة):
"لقد كان من أهمّ أسرار استقطاب القرآن لأقلام الكتّاب والدارسين والمحلّلين على مدى القرون، منذ نزوله من السماء، العنصر الانفتاحيّ فيه. ويقوم عَرض القرآن الكريم لكثيرٍ من تفاصيل القصص والأحداث على هذا العنصر الانفتاحيّ، بحيث يحافظ على باب التأويلات والاجتهادات والتحليلات للّغة والأفكار والأحداث مفتوحاً على الزمن. وهذا الأسلوب يميّز بوضوحٍ وإلحاحٍ الخطَّ العامّ لمنهجيّة عرض الفكرة أو الحدث في القرآن الكريم، كما يمكن أن نرى في الأمثلة التالية:
- وما قتلوه وما صلبوهُ ولكنْ شُبِّهَ لهم [النساء: 157]
فلا تشرح لنا الآية كيف شُبِّه المسيح (عليه السلام) لهم، وماذا حصل بالضبط ساعة الصّلب؟
- والزّيتونَ والرُّمّانَ متشابهاً وغيرَ متشابهٍ [الأنعام: 141]
فلم تفصّل الآية طبيعة اجتماع التشابه وعدم التشابه في الوقت نفسه؟
- فأسْرِ بأهلِكَ بقِطْعٍ من الليلٍ ولا يلتفِتْ منكمْ أحدٌ إلّا امرأتَكَ إنّه مُصِيبُها ما أصابَهم [هود: 81]
فلم تحدّد الآية ما إذا كانت امرأة لوطٍ قد استثنيت من أهل موسى فهلكت ولم تذهب معه، أم استثنيت من غير الملتفتين وراءهم فأصابها ما أصاب قوم لوط من هلاك؟
- يومَ نَطوي السّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكُتُبِ [الأنبياء: 104]
فاختلف المفسّرون في طبيعة هذا الطيّ: ما حقيقة السجلّ، وما طبيعة الكتب، وكيف يكون الطيّ؟
وهذا الأسلوب الانفتاحيّ للآيات قد جنّبها التسطّح والمحدوديّة، ومنحها عمقاً لا قرار له من التقديرات والتصوّرات والتأويلات المحتمَلة.
وبإمكاننا تقدير أهمّية هذا الجانب الأسلوبيّ في القرآن لو توقّفنا عند أيّ نصٍّ نثريٍّ بشريٍّ، من مقالةٍ أو رسالةٍ أو قصّةٍ، أو غير ذلك، لنرى إلى أيّ مدىً يمكن أن ينفتح للتأويلات، إن حدث أن كان هناك فسحةٌ ما للاختلاف على تفسيره، وكم من السنين يمكن أن تمتدّ تلك المحاولات قبل أن تتوقّف لتستقرّ في النهاية على رأيٍ أو رأيين، ثمّ لا شيء بعد ذلك؟"(1)
ولا بدّ هنا أن نميّز بين ثلاثة أنواعٍ بارزةٍ وأساسيّةٍ من اللغة المنفتحة في القرآن:
1- انفتاح العبارة على أكثر من معنىً واحدٍ نتيجةً لتركيبها اللغويّ أو النحويّ، من غير أيّ تعارضٍ محتملٍ بين هذه المعاني مهما تعدّدت، كما في الأمثلة أعلاه.
2- طرح الآية للمعنى أو الحدث المراد من غير البتّ في طبيعته أو نتيجته النهائيّة، كما رأينا في مسألة تشبّه المسيح في رواية صلبه، أو في مصير امرأة لوط.
3- عدم اكتمال الجملة نحويّاً، كمجيء المبتدأ من غير خبر، أو الفاعل من غير مفعول، أو فعل الشرط من غير جواب، أو الظرف من غير ما يتعلّق به، أو القسم من غير جوابٍ للقسم، كما في الآيات:
- ولولا فضلُ اللهِ عليكمْ ورحمتُه وأنّ اللهَ رَؤوفٌ رحيمٌ [النور: 10] [فلا نجد في الآية جواباً للشرط (لولا)]
- وَالْفَجْرِ ﴿١﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴿٢﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿٣﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴿٤﴾ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ﴿٥﴾ [الفجر: 1-5] [فلا نجد جواباً لأيٍّ من الأسماء التي يمكن أن تعدّ قَسَماً في الآية]
- إنّ الذين كَفَروا بالذِّكْرِ لمّا جاءَهمْ وإنّه لَكتابٌ عزيزٌ [فُصِّلَت: 41] [فلا نجد في الآية خبراً للأداة (إنّ)]
إنّ هذه الأنواع من "الانفتاح" هي توأمٌ ورديفٌ لانفتاحٍ من نوعٍ آخر أكثر تفرّداً وإثارةً في النصّ القرآنيّ، إثارةً ترتفع إلى مستوى الإعجاز، وهو تعدّد القراءات.
بين القراءات السبع والأحرف السبعة:
يقول السيوطي ناقلاً عن (مكّي):
"مَن ظنّ أنّ قراءة هؤلاء القرّاء، كعاصمٍ ونافع، هي الأحرف السبعة التي في الحديث؛ فقد غلط غلطاً عظيماً".(2)
كثيراً ما يختلط الأمر على عامّة الناس بين القراءات السبع للقرآن الكريم، وبين الأحرف السبعة التي ورد ذكرها في الحديث النبويّ. وإنّما يعنون بالقراءات ما فضّله وتبنّاه بعض القرّاء من روايات الوحي المُنزلة والمتعدّدة للّفظ الواحد أو العبارة الواحدة التي رُويت عن النبيّ ﷺ، من غير أن يعني تبنّي القارئ لها إلغاءَه للقراءات الأخرى، لأنّها جميعاً مُنزَلةٌ من السماء. وهكذا عُرفت كلٌّ قراءةٍ باسم القارئ الذي أخذها عمّن رواها عن الرسول ﷺ فتبنّاها وأقرأها رواةً آخرين، فاعتمدوها وتبنّوها بعده دون باقي القراءات.
وصادف أنّ هؤلاء القرّاء كانوا سبعة، وقد وصلوا فيما بعد إلى عشرة قرّاء وعشر قراءات. وهي تُعرف بالقراءات المتواترة، أي تلك التي رواها أكثر من فردٍ واحد عن أكثر من فردٍ واحد. وهناك من القراءات، أيضاً، ما يسمّى (المشهور)، وهو ما صحّ سنده ولكن لم يبلغ درجة التواتر. وهناك قراءاتٌ صحّ سندها ولكن لم تشتهر ولم يُقرأ بها، واقتصرت على فردٍ واحدٍ روى عن فردٍ واحد، وتُعرف بقراءات الآحاد. أمّا القراءات الشاذّة فهي ما لم يصحّ سنده منها.
والقرّاء العشرة الكبار هم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخلَف.
جاء في مقدمة مصحف دولة الكويت للقراءات العشر:
"ثمّ إنّ من التابعين وأتباعهم مَن كرّسوا حياتهم وقصَروا جهودهم على قراءة القرآن وإقرائه، وتفهّمِه وتفهيمه وتلقينه، وعُنوا العنايةَ كلّها بضبط ألفاظه، وتجويدِ كلماته، وتحرير قراءته، وتحقيق رواياته.. حتّى صاروا بذلك أئمّةً يُقتدى بهم، وتُقتفى آثارهم، ويَرحل إليهم الناس من كلّ صَوبٍ وحَدَب. من أجل ذلك نُسبت القراءة إليهم، فقيل: قراءة نافع، وقراءة الكسائيّ، وقراءة خلف إلخ.
وليس معنى نسبة القراءة إلى هؤلاء أو إلى أحدهم أنّ هذا القارئ أو هذا الراوي هو الذي اخترع هذه القراءة وأتى بها من تلقاء نفسه، وإنّما نُسبت القراءة إليه بالنظر إلى دوامه على قراءتها وإقرائها وتعليمها للناس..
وإنّنا لو سبَرنا القراءات جميعها، متواترةً ومشهورةً وصحيحةً، بل وشاذّها، لوجدنا أنّ الاختلاف بينها لا يعدو نوعين اثنين:
الأوّل: أن تختلف القراءتان في اللفظ وتتّفقا في المعنى، مثل: (الصِّراط) بالسين وبالصاد وبالإشمام، ولفظ: (يَخسَبُ) بفتح السين وبكسرها، ولفظ: (يَقْنَطُ) بفتح النون وكسرها..
الثاني: أن تختلف القراءتان في اللفظ والمعنى معاً، ولكن بشرط أن يكون المعنيان صحيحين، فلا يكون هناك تناقضٌ ولا تعارضٌ بينهما، مثلُ قوله: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة: 259] قرئت بالزاي وبالراء. فبالزاي (نُنشِزُهَا): نَضُمُّ بعضها إلى بعضٍ حتّى تلتئم وتجتمع، وبالراء (نُنشِرُها): من الإنشار، وهو الإحياء بعد الموت.. وحكمة إنزال هذا النوع في القرآن؛ أن تكون الآية بمثابة آيتين وردتا لإفادة المعنيين جميعاً، وهو فنٌّ جليلٌ من فنون الإيجاز الذي يَسلكه القرآن في إيجازه".(3)
ويحمل اللفظ "قراءة" في الحديث النبويّ أكثر من معنىً. ويوضّح لنا بعض هذه المعاني شهادةٌ لعبد الله بن عبّاس، حين يشرح، في حوارٍ مثيرٍ مع بعض الصحابة، كيف كانت كتابة كلمات القرآن الكريم في نُسخ المصاحف مؤتلفةً، وكانت في قراءة بعض المسلمين مختلفة، أي تُقرأ بأكثر من طريقة:
- عن عبد اللهِ بنِ عبّاسٍ: "أنَّه قال لأصحابِه: أيُّ القِراءتَيْنِ تَرَوْنَ آخِراً؟ قالوا: قراءةُ زَيدٍ. قال: لا، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَعرِضُ القِراءةَ على جِبْريلَ (عليه السلام) في كلِّ سَنةٍ، فلمَّا كانتِ السَّنةُ التي قُبِضَ فيها، عرَضَه عليه مرَّتيْنِ، فشَهِدَه ابنُ مسعودٍ، وكانت قِراءةُ عبدِ اللهِ – ابنِ مسعودٍ – آخِراً. قال: ثُمّ وَجَدْنا أهلَ القراءةِ قدِ اختَلَفوا في أشياءَ ممَّا يَقرَؤونَ القُرآنَ عليها، ممَّا هي في الخَطِّ مُؤتِلَفةٌ – وذلك قبل إضافة النقط إلى حروف العربيّة –، وفي ألفاظِهم بها مُختَلِفةٌ. منها قولُه عزَّ وجلَّ: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94]، وفي قراءةِ غيرِه منهم: (فَتَثَبَّتُوا). ومنها قولُه عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] في قراءةِ بعضِهم، وفي قراءةِ غيرهِ: (فَتَثَبَّتُوا). ومنها – أيضاً – قولُه عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت: 58]، في قراءةِ بعضِهم، وفي قراءةِ غيرِه منهم: (لَنُثَوِّيَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا). ومنها قولُه عزَّ وجلَّ: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا}، في قراءةِ بعضِهم، وفي قراءةِ غيرِه منهم: (نُنْشِزُهَا)". [صحّحه شعيب الأرناؤوط في شرح مُشكل الآثار للطحاوي]
ونلاحظ في حوار ابن عبّاسٍ هذا أنّ اللفظ (قراءة) قد جاء في الجزء الأوّل من الحديث بمعناه العاديّ والمتداول (أيُّ القِراءتَيْنِ تَرَوْنَ آخِراً)، ثمّ يكتسب في الجزء الثاني معنىً آخر يقترب به من مصطلح (القراءات) كما انتهى إليه عند الدارسين (في قراءةِ بعضِهم، وفي قراءةِ غيرهِ).
أمّا اللفظ "حرف" فيحمل معاني عدّةً في الحديث النبويّ. فعلى حين يقترب في أحد الأحاديث من معناه العامّ والمتداول، وذلك عند الحديث بين بعض الصحابة عن الفروق بين اللهجات العربيّة المختلفة:
- عن شقيقِ بنِ سلَمَةَ قال: "جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ له: نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ إلى عبدِ اللهِ – ابنِ مسعودٍ – فَقالَ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ، كيفَ تَقْرَأُ هذا الحَرْفَ، أَلِفاً تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمّد: 15]، أَوْ: مِن مَاءٍ غَيرِ يَاسِنٍ؟ قالَ: فَقالَ عبدُ اللهِ: وَكُلَّ القُرْآنِ قدْ أَحْصَيْتَ غيْرَ هذا – أي وهل أتقنتَ قراءةَ القرآنِ كلِّه فلم يبقَ ما تَسألُ عنه إلّا قراءةُ هذا الحرف –؟!..". [رواه مسلم]
ولكن من الواضح أنّ استخدام اللفظ في هذا الحديث كان يمهّد، في الوقت نفسه، للمعاني الجديدة التي سيكتسبها فيما بعد عند المشتغلين في علم القراءات.
ويكتسب هذا اللفظ في حديثٍ آخر معنى (الغرض) أو (الموضوع) حين يصنّف لنا النبيّ ﷺ موضوعات القرآن الكريم تحت عنوان "سبعة أحرفٍ":
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "كان الكتابُ الأوّلُ – أي ما سبَقَ القرآنَ مِن الكتُب السماويّة – يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ – أي مِن أبوابِ السماء –، على حَرْفٍ واحِدٍ، ونَزَلَ القرآنُ مِن سبعَةِ أبوابٍ، على سبعَةِ أَحْرُفٍ: زَجْرٌ، وأمْرٌ، وحَلالٌ، وحرامٌ، ومُحْكَمٌ، ومُتَشَابِهٌ، وأَمْثَالٌ. فَأَحِلُّوا حَلالهُ، وحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وافْعَلوا ما أُمِرْتُمْ بهِ، وانْتَهوا عَمَّا نُهِيتُمْ عنهُ، واعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِه، واعْمَلوا بِمُحْكَمِهِ، وآمِنُوا بِمُتَشَابِههِ، وقولوا: {آمَنَّا بهِ كُلٌّ من عِنْدِ رَبِّنا} [آل عمران: 7]". [رواه الطحاوي والحاكم في المستدرك، وحسّنه الألباني]
ولقد كان الرسول ﷺ يدرك حاجة أمّته الماسّة إلى تسهيل تلاوتهم لكتاب الله تعالى، فطلب من ربّه أن يتيح لهم بعض الخيارات في نطق آياته، فبينهم الأمّيّ، والأعرابيّ، والأعجميّ، والخادم، والصغير، والعاجز، والشيخ الكبير:
- عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَال: "لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَقَال: يَا جِبْرِيل، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّين، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلاَمُ، وَالْجَارِيَةُ – أي الطفلة –، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطُّ - وتضيف روايةٌ للضياء المقدسيّ: والرجلُ الفارسيّ –! قَال: يَا مُحَمَّد، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُف – أي سبعِ طرقٍ في نطق حروفه أو ألفاظه –". [رواه التِّرمِذي، وحسّنه الألباني]
وقد يتوسّع معنى "الحرف" في حديثٍ آخر ليشمل تغيير اللفظ أو العبارة إلى أخرى قريبٍةٍ منها، كما في حديث أبيّ:
- عن أبيّ بن كعبٍ قال: قالَ – له – رسولُ اللهِ ﷺ: "يا أُبَيُّ، إنِّي أُقْرِئْتُ القرآنَ، فقيلَ لي: على حرفٍ أوْ حرفَيْنِ؟ فقالَ المَلَكُ الذي مَعي: قُلْ: على حرفَيْنِ، فقُلتُ: على حرفَيْنِ. فقيلَ لي: على حرفَيْنِ أو ثلاثةٍ؟ فقالَ المَلَكُ: قُلْ: على ثلاثةِ أحرُفٍ، قُلتُ: على ثلاثةِ أحرُفٍ، حتَّى بلَغَ سَبعةَ أحرُفٍ. ثُمَّ قالَ – ﷺ –: ليسَ مِنْها إلَّا شافٍ كافٍ، إنْ قُلتَ: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لَمْ تختِمْ آيةَ عذابٍ برحمةٍ، أوْ آيةَ رحمةٍ بعذاب. – وفي روايةٍ أخرى للهيثميّ صحّحها الألباني: حكيماً عليماً، غفوراً رحيماً –". [[رواه البغوي، وصحّحه شعيب الأرناؤوط في تخريج شرح السنّة]
وهذا لا يعني، طبعاً، الترخيص في التلاعب بألفاظ القرآن، وإنّما هي رخصةٌ نبويّةٌ استثنائيّةٌ خاصّةٌ بالضعفاء ممّن يعجز عن الاستظهار أو القراءة كالآخرين، فلا إثم على هؤلاء إن التبس عليهم الأمر وأخطأوا في القراءة، فأحلّوا عبارةً قرآنيّةً مثل {عزيزاً حكيماً} محلّ عبارةٍ قرآنيّةٍ أخرى مثل {سميعاً عليماً}.
ونستطيع أن نتفهّم روح هذا الترخيص النبويّ على ضوء ترخيصٍ من نوعٍ آخر أذِن به الرسول ﷺ لبعض الضعفاء من المسلمين، جسميّاً أو عقليّاً، بالاستغناء كلّيّاً عن تلاوة القرآن في صلاتهم:
- عن أبي هريرةَ قال: "قال رسولُ اللهِ ﷺ لرجلٍ: ما تقولُ في الصلاة؟ قال: أتَشَهّدُ ثمّ أسألُ اللهَ الجنّةَ وأعوذُ به منَ النار، أمَا واللهِ ما أُحْسِنُ دَنْدنتَكَ ولا دندنةَ مُعاذ – يقصد تلاوتَهم –! قال: حولَها نُدَنْدِن". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
وهذا، ولا شكّ، منفذٌ واسعٌ من منافذ التسامح والاعتدال والمرونة التي أتاحها الإسلام لأتباعه، وهو من باب التيسير عليهم في حياتهم وفي أحكام عباداتهم، كلٌّ حسب طاقته، تبعاً للمبدأ النبويّ (ما استطعت)، حتّى إنْ تعلّق الأمر بتلاوة كتاب الله تعالى.
ومن السهل أن نضع أيدينا على هذه الفروق، في غير الأحاديث النبويّة، أيضاً، من خلال الاستخدامات المختلفة للعلماء والدارسين لهذا اللفظ، وأن نتبيّن الحاجة، في الوقت نفسه، إلى وجود مثل هذه الفروق.
يقول ابن قتيبة في كتابه (مشكل القرآن):
"فكان من تيسير الله تعالى أن أمَرَ نبيّه ﷺ أن يُقرئ كلَّ أمّةٍ بلغتهم وما جرت عليه عاداتهم. فالهُذليّ يقرأ (عَتّى حين) يريد (حتّى)، والأسْديّ يقرأ (ألَم إِعهَد إليكم) بالكسر، والتميميّ يهمز والقُرشيّ لا يهمز، وهذا يقرأ (عليهُم وفيهُم) بالضمّ، والآخر يقرأ (عليهمو وفيهمو) بالصلة، وهذا يقرأ (موسى، وعيسى، ودنيا) بالإمالة، وغيره يلطّف، وهذا يقرأ (خبيراً، وبصيراً) بالترقيق، والآخر يقرأ (الصلوة، والطلاق) بالتفخيم، إلى غير ذلك"(4).
وقد وَجد بعض العلماء الذين كتبوا في الحروف والقراءات، ومنهم الباقلّاني، والرازي، وابن قتيبة، وابن الجزري، أن وجوه اختلاف الأحرف لا يخرج عن سبعة أوجه. ويقول الباقلّاني معدّداً هذه الأوجه، وملتزماً بالعدد (سبعة أحرف) كما ورد في الأحاديث النبويّة، ولكن مع اختلاط معاني "الحروف" عنده مع معنى "القراءات" في هذا التصنيف السباعيّ:
"الأوّل: ما تتغيّر حركته دون معناه، نحو: هُنّ أَطهَرُ لَكُم (وأظهَرُ). (5)
الثاني: ما لا تتغيّر صورته ويتغيّر معناه بالإعراب، نحو: رَبَّنا باعِدْ (وباعَدَ).
الثالث: ما يتغيّر معناه باختلاف الحروف دون صورته، نحو: نُنْشِزُها (ونُنشِرُها).
الرابع: ما تتغيّر صورته دون معناه، نحو: كالعِهنِ المَنفُوشِ (والصوفِ المنفوش).
الخامس: ما تتغيّر صورته ومعناه، نحو: طَلْحٍ مَنضُودٍ (وطَلْعٍ منضود).
السادس: ما يتغيّر بالتقديم والتأخير، نحو: وجاءَت سَكرَةُ المَوتِ بالحَقِّ (وسكرةُ الحقِّ بالموت).
السابع: الزيادة والنقصان، نحو: تِسعٌ وتِسعُون نَعجَةً (ونعجةٌ أنثى)." (6)
وكان طبيعيّاً، للوهلة الأولى، أن يَلقى تعدّدُ الحروف هذا استغراباً، وربّما احتجاجاً، بل ربّما صدمةً كبيرةً لدى بعض كبار الصحابة، مثلهم كمثل أيّ إنسانٍ عاديٍّ اليوم:
أوّلاً: كيف لنصٍّ مكتوبٍ واحدٍ، أيّ نصٍّ بشريّ، أن يُقرأ بطرائق متعدّدة؟!
وثانياً: كيف لكلام الله المقدّس، ووحيه المنزل على جبريل، أن يُقرأ، أيضاً، بأكثر من طريقةٍ واحدة؟!
- عن عمرَ بنِ الخطّابِ قال: "سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ في حَيَاةِ النبيِّ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هو يَقْرَأُ علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ – أي كلماتٍ تختلف في حروفها أو في لفظها عمّا كان يعرف – لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسولُ اللَّه، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ – أي أقاتلُه – في الصَّلَاةِ. فَتَصَبَّرْتُ حتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ برِدَائِهِ – أي أمسكتُه مِن طرَفَي ردائه –، فَقُلتُ: مَن أقْرَأَكَ هذِه السُّورَةَ الَّتي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأَنِيهَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ! فَقُلتُ: كَذَبْتَ؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ قدْ أقْرَأَنِيهَا علَى غيرِ ما قَرَأْتَ! فَانْطَلَقْتُ به أقُودُهُ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: إنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ بسُورَةِ الفُرْقَانِ علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا! فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: أرْسِلْهُ – أي اتركه –، اقْرَأْ يا هِشَامُ. فَقَرَأَ عليه القِرَاءَةَ الَّتي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: كَذلكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ يا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتي أقْرَأَنِي. فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: كَذلكَ أُنْزِلَتْ. إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه". [رواه البخاري]
وكان طبيعيّاً جدّاً أن تثير هذه الظاهرة القرآنيّة التي لم تعرفها كتب البشر، ولا كتب السماء، الريبَ والشكوك الخطيرة عند بعضهم، مثلما وقع في نفس الصحابيّ الكبير أبيّ بن كعب كما يروي لنا بنفسه:
- عن أُبيِّ بنِ كعبٍ قال: "كُنْتُ في المَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عليه، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ – أي مختلفةً عن قراءة الأوّل –. فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعاً علَى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقُلتُ: إنَّ هذا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عليه، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ! فأمَرَهُما رَسولُ اللهِ ﷺ فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النبيُّ شَأْنَهُمَا – أي استحسن قراءتَهما –، فَسَقَطَ في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إذْ كُنْتُ في الجَاهِلِيَّةِ – أي بدأ الشكُّ يساورُه في إيمانه أكثر ممّا كان عليه في الجاهليّة –. فَلَمَّا رَأَى رَسولُ اللهِ ﷺ ما قدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقاً وَكَأنَّما أَنْظُرُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقاً، فَقالَ لِي: يا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إلَيَّ أَنِ اقْرَأِ القُرْآنَ علَى حَرْفٍ – أي طريقةٍ واحدةٍ في قراءة الكلمةِ وحروفِها –، فَرَدَدْتُ إلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ علَى أُمَّتِي! فَرَدَّ إلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ علَى حَرْفَيْنِ. فَرَدَدْتُ إلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ علَى أُمَّتِي! فَرَدَّ إلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَومٍ يَرْغَبُ إلَيَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، حتَّى إبْرَاهِيمُ ﷺ". [رواه مسلم]
ونبّه الرسول ﷺ المسلمين إلى أهمّية هذا الجانب الإعجازيّ في القرآن الكريم وإلى خطورةِ التشكيك به، وحذّرهم من المماراة والجدل بشأنه، وكذلك بشأن كلّ ما يمسّ كتاب الله تعالى:
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً، وسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا – أي بحروفٍ مختلفةٍ ولفظٍ مغايِر –، فَجِئْتُ به النبيَّ ﷺ فأخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ الكَرَاهيةَ، وقالَ: كِلَاكُما مُحْسِنٌ، ولَا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا". [رواه البخاري]
على ضوء كلّ هذا، ومن خلال اختلاف علمائنا حول تعريف " الحروف"، فأنا أذهب إلى أنّ من حصروا أوجه قراءاتنا لألفاظ القرآن الكريم في سبعة أشكال لا يتجاوزونها، وتفنّنوا في تعريف هذه الأشكال، قد فهموا الأحاديث فهماً حرفيّاً، وبالغوا في تحديدها.
إنّ من المعروف أنّ العدد "سبعة"، وكذلك العدد "سبعون"، لا يُفترض فيهما التحديد العدديّ دائماً في النصّ الإسلاميّ. فكثيراً ما أريد بهما، في كلٍّ من القرآن الكريم والحديث الشريف، معنى العموميّة والكثرة وليس التحديد، كما يمكن أن نستنتج من بعض الآيات والأحاديث:
- وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: 27]
- اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: 80]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعىً وَاحِدٍ، وَإِنَّ الْكَافِرَ (أَوِ الْمُنَافِقَ) يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاء – أي يأكلُ أضعافَ ما يأكلهُ المؤمن –". [رواه البخاري]
- عن أُمِّ قيسِ بنِ مِحْصَن: "أنَّها أتَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ بابْنٍ لها قدْ عَلَّقَتْ عليه مِنَ العُذْرَةِ – أي عَلّقَتْ عليه تَميمةً لتَحْمِيَهُ مِنَ العُذْرَة، وهي التهابُ الحَلْق –، فقال: اتَّقُوا اللَّهَ، عَلامَ تَدْغَرُونَ أوْلادَكُمْ بهذِه الأعْلاق – أي تُضايقونهم بها مِن غيرِ فائدة –، علَيْكُم بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فإنَّ فيه سَبْعَةَ أشْفِيَةٍ، مِنْها ذاتُ الجَنْب. (يُرِيدُ الكُسْتَ، يَعْنِي القُسْطَ)". [رواه البخاري]
وصحيحٌ أنّ بعض أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرفٍ قد تدرّج فيها السياق للوصول إلى هذا الرقم (من حرفٍ واحد، إلى ثلاثة أحرف... إلى سبعة) ممّا قد يوهم بأن المراد لا بدّ أن يكون هو المعنى اللفظيّ والمحدّد لهذه الأرقام، وليس ما ترمز إليه من كثرة. ومن ذلك رواية أبيّ بنِ كعب:
- .. فقال جِبريلُ: يا محمَّد، اقرَإ القرآنَ على حَرفٍ، فقال ميكائيل: استَزِدْه، فقُلتُ: زِدْني. فقال: اقرأْهُ على ثلاثةِ أحرُفٍ. فقال ميكائيلُ: استزِدْهُ. فقلتُ: زِدْني، حتَّى بلَغَ سبعةَ أحرُفٍ، فقال: اقرأهُ على سَبعةِ أحرفٍ، كلُّها شافٍ كافٍ". [رواه النَّسائي، وصحّحه الألباني]
ولكنّ سياق الحوار في هذه الروايات، على اختلافها، فضلاً عمّا تبعها بعد ذلك من تكلّف بعض العلماء في تفسير "الحروف السبعة"، ومن تجنّب الآخرين بعدهم للحديث عنها والإدلاء بدلوهم فيها، سلباً أو إيجاباً، ومن تجنّب تمثيلهم بأيّ لفظٍ قرآنيٍّ يمكن أن تنطبق عليه قراءات هذه "الحروف السبعة"، بل كثيراً ما تتجاوز تلك القراءات ذلك العدد أو تقلّ عنه، كلّ ذلك يذهب بنا إلى اتّجاهٍ آخر في فهم المقصود من هذه الأحرف.
فمعظم ألفاظ كتاب الله لا تُقرأ إلّا بطريقةٍ واحدةٍ لا ثاني لها، على حين يتجاوز بعضها الرقم (7) كثيراً في عدد القراءات. وينقل السيوطي عن بعضهم أنّ اللفظ القرآني (أُفٍّ) له تسعٌ وثلاثون لغةً، ويضيف:
"قرئ منها في [القراءات] السبع (أُفِّ) بالكسر بلا تنوين، و (أفٍّ) بالكسر والتنوين، و (أُفَّ) بالفتح بلا تنوين. وفي الشّاذّ (أُفُّ) بالضمّ، منوّناً وغير منوّن، و (أُفْ) بالتخفيف".(7)
إنّ من شأن كلّ ذلك أن يصرفنا عن الأخذ بالمعنى الحرفيّ للّفظ (سبعة) وأن نميل إلى معنى ما يرمز إليه من كثرة. وانطلاقاً من هذا المفهوم؛ أستطيع أن أترجم هذا التدرّج في أرقام الحروف في حديث النَّسائيّ (من 1، إلى 2 .. إلى 7)، ومن أجل أن يكون معناها في سياق الحديث أكثر وضوحاً لنا، ليكون المراد من هذه الأرقام الثلاثة معنى: (من قليلٍ، إلى كثيرٍ... إلى أكثر).
آليّة توثيق القراءات وإعداد مصحف عثمان:
حين اكتمل التوثيق السماعيّ للقراءات المختلفة على ألسنة الحفّاظ والقرّاء؛ رأى الصحابة أنّ الوقت قد حان لتثبيت التوثيق الكتابيّ لهذه القراءات وتوحيد نُسخه، تحسّباً وخشيةً، في الحاضر أو في المستقبل، من وقوعهم في التشوّش أو الخلافات حول سؤال: أيّةُ قراءةٍ تَفضُل أيّةَ قراءة؟ ولا سيّما حين تناهى لأسماع الخليفة عثمان بن عفّان، كما عرفنا، أخبارُ اختلاف المسلمين في الأمصار البعيدة حول هذه القراءات.
وكان أن كلّف عثمان كتّابَ الوحي الأربعة الكبار بنسخها من صحف أبي بكرٍ، وهي النسخة الأصل التي كتبت في عهد النبيّ ﷺ، وأُودعت لدى أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر، ووَضع لهم الخطّة العلميّة المنهجيّة لعمليّة النسخ.
كانت الخطّة تقضي بالاعتماد على لسان قريشٍ، بالدرجة الأولى، كما رأينا: "قالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في شيءٍ مِنَ القُرْآنِ – وكان زيدٌ وحدَه من أهل المدينة دون الآخرين – فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ، فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا".
لقد أراد عثمان بن عفّان أن يَنهدَ إلى مثل هذا الإجراء التاريخيّ بغرض تأكيد منهجيّة المسلمين في محافظتهم سماعيّاً على القراءات المتعدّدة لكتاب الله، ولكن مع الحفاظ على نسخةٍ بصريّةٍ أمٍّ مكتوبةٍ يرجع إليها المسلمون، وتُوزَّع على مختلف الأمصار، مع التخلّص من باقي النسخ التي خطّها مختلف الكتّاب، كلٌّ بالقراءة التي اختارها لنفسه.
كان قرار الخليفة عثمان بن عفّان في غاية الأهمّيّة والخطورة، ليس للمسلمين الذين عاشوا تلك المرحلة المبكّرة من تاريخ الإسلام، فحسب، بل لكلّ الحقب الزمنيّة التي تلتها حتّى يومنا هذا. وإذا كان حُذيفة، ثمّ عثمان، قد أصابهما الفزع من اختلافات المسلمين حول القراءات في تلك الحقبة المبكّرة، والتي لم يفصلها إلّا سنواتٌ قليلةٌ عن نزول الوحي "فأفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ في القِرَاءَةِ، فَقالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أدْرِكْ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنَّصَارَى"؛ فماذا كان يمكن أن يقع بين المسلمين في المستقبل من خلافاتٍ حول هذا الموضوع لو لم يكن بين أيديهم مصحف عثمان؟
ومن المؤكّد أنّ قرار عثمان بن عفّان في الخروج بنسخةٍ موحّدةٍ من القراءات لم يكن قراراً فرديّاً، وهو الخليفة وصاحب القرار، بل قراراً جماعيّاً شارك في اتّخاذه كبار الصحابة آنذاك، كما يؤكّد لنا الخليفة اللاحق عليّ بن أبي طالب في روايةٍ أخرى عن قصّة إعداد هذه النسخة "العثمانيّة"، وقد غدت منذ ذلك الوقت مرجع المسلمين النهائيّ للنصّ القرآنيّ. وتؤكّد لنا هذه الرواية، أيضاً، أنّ عمليّة إعداد تلك النسخة المرجعيّة الأمّ قد اقتصرت على كاتبين اثنين: زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص:
- عن سُويدِ بنِ غَفَلَةَ قال: سمِعْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ: "اتَّقُوا اللهَ أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُمْ والغُلُوَّ في عُثمانَ وقَولَكم: حَرَّاقُ المصاحِفِ! فواللهِ ما حرَّقَها إلَّا على مَلَأٍ – أي موافقةٍ وإجماعٍ – مِنَّا أصحابَ مُحمَّدٍ ﷺ جميعاً، فقالَ – أي عثمان –: ما تقولونَ في هذِهِ القراءةِ التي اختلَفَ النَّاسُ فيها: يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فيقولُ: قِراءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِكَ، وقِراءَتي أفضَلُ مِن قِراءَتِكَ؟ وهذا شبيهٌ بالكفرِ! فقُلْنا: ما الرأيُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: فإنِّي أَرَى أنْ أجمَعَ النَّاسَ على مُصحفٍ واحدٍ، فإنَّكُمْ إذا اختلَفْتُمُ اليومَ كانَ مَنْ بَعدَكم أشدَّ اختلافاً! فقُلْنا: نِعْمَ ما رأيتَ. فأرسَلَ إلى زَيْدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ العاصِ، فقالَ: لِيَكْتُبْ أحدُكما، ويُمْلِ الآخَرُ، فإذا اختلَفْتُمْ في شيءٍ، فارفعاهُ إليَّ. فما اختَلَفْنا في شيءٍ مِن كتابِ اللهِ إلَّا في حرفٍ واحدٍ في سورةِ البقرةِ: قال سعيدٌ: {التَّابُوتُ} [البقرة: 248]، وقالَ زَيدٌ: التَّابُوهُ. فرفعناهُ إلى عُثمانَ، فقالَ: اكتُبوهُ: {التَّابُوتُ}. قالَ عليٌّ: ولَوْ وَلِيتُ الذي وَلِيَ عُثمانُ لَصنَعْتُ مِثْلَ الذي صنَعَ". [رواه البغوي في (شرح السنّة) وصحّحه شعيب الأرناؤوط]
ويوضّح لنا حديثٌ آخر عن عثمان بن عفّان جانباً موازياً من تلك المنهجيّة التي تمّت بها عمليّة التوثيق، والتأكّد من عدم إثبات أيّة كلمةٍ في هذه النسخة النهائيّة للمصحف الأمّ قبل التحقّق من أنّها سُمعت هكذا تماماً عن رسول الله ﷺ:
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: "اختَلَفوا في القُرآنِ على عهدِ عُثمانَ – بنِ عفّانَ – حتّى اقتَتَلَ الغِلمانُ والمُعَلِّمونَ. فبلَغَ عُثمانَ، فقال: عندي تُكَذِّبونَ به، وتَختَلِفونَ فيه! فمَن نأَى عنِّي كان أشَدَّ تَكذيباً وأكثرَ لَحناً – أي خطأً –. [وقال] لأصحابِ محمَّدٍ ﷺ: اجتَمِعوا فاكتُبوا للناسِ. قال: فكَتَبوا. قال: فحدَّثَني أنَّهم إذا تَدارَؤوا – أي اختلفوا – في آيةٍ، قالوا: هذه أقرَأَها رسولُ اللهِ ﷺ فُلاناً، فيُرسِلُ إليه وهو على رأسِ ثَلاثٍ – أي حتّى إن كان على بُعد ثلاثِ ليالٍ – منَ المدينةِ، فيُقالُ: كيف أقرَأكَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا وكذا؟ فيقولُ: كذا وكذا، فيَكتُبونَها، وقد تَرَكوا لها مَكاناً – أي تركوا لها فراغاً ريثما يتأكّدون من صحّتها –". [رواه الطحاوي، وصحّحه الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار]
القراءات القرآنيّة بين التشكيك والإعجاز:
مثلما جاء التوثيق السماعيّ ضابطاً، ومراقباً، ومهيمناً، على التوثيق البصريّ، فإنّ هذا الأخير ظلّ وما يزال مرجعاً، ومؤكِّداً، وضامناً، للتوثيق السماعيّ أيضاً.
والواقع أنّ منهج التوثيق السماعيّ جاء محصّلةً طبيعيّةً لعاملين هامّين اختصّ بهما القرآن الكريم دون أيّ كتابٍ عرفته البشريّة:
أ- عاملٍ سماويٍّ، بنزول القرآن على أكثر من شكلٍ واحدٍ في بناء بعض ألفاظه، أو لفهم بعضها الآخر أو فهم عباراتها، وهو ما أُطلق عليه مصطلح (القراءات). وساعد على هذه القراءة التعدّديّة، وبشكلٍ غايةٍ في الإيجابيّة، خلوُّ الكتابة العربيّة آنذاك من النقاط والحركات، والتي تمّ فيما بعدُ استنباطُها وإضافتها للحروف، وبعد أن استقرّت القراءات المختلفة على ألسنة الرواة.
ب- وعاملٍ أرضيٍّ، بتعدّد لهجات العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، ومن ثمّ، إمكان تعدّد طرائق نطقهم لبعض ألفاظه وحروفه؟
ولأنّ البشريّة لم تعهد أن يكون للكتاب الواحد طرائق متعدّدةٌ في القراءة، ومن ثمّ في فهم هذا المقروء، كان طبيعيّاً، أيضاً، أن يجد المستشرقون في هذه الظاهرة القرآنيّة فرصةً سانحةً لإثارة الشكوك حول صحّة القرآن والنصّ القرآنيّ الذي بين أيدينا.
وهكذا سلّطوا أضواءهم وعدساتهم على هذه الظاهرة، وخصّصوا الميزانيّات والمنح الدراسيّة السخيّة لدارسيهم وباحثيهم للخوض في موضوعها، ولمحاولة الخروج بأبحاثٍ من شأنها أن تبعث الريب والشكّ في النفوس الضعيفة، سواءٌ من المسلمين أو غيرهم، متجاهلين الالتزام بمنهجيّتهم وموضوعيّتهم الغربيّة المعروفة عند تناولهم للبحوث الأخرى، ومتناسين حقيقة أنّهم يتعاملون هذه المرّة مع كتابٍ من السماء، وليس مع كتابٍ أرضيّ انبثقت عنه، وخُصّصت له، مناهجُ بحثهم التقليديّة.
لقد كان من الطبيعيّ أن يكون لمثل هذا الكتاب الاستثنائيّ خصوصيّاته في مناهج البحث، والتي يختلف بها عن أيّ كتابٍ آخر، حتّى الكتب السماويّة التي سبقته، تلك الخصوصيّات التي تتطلّب دراستُها منهجاً علميّاً مختلفاً، وإطاراً فكريّاً مغايراً لما عرفوه في بحوثهم الأخرى. هذا لو توفّرت لديهم السبل المنهجيّة، والنوايا العلميّة الصادقة في فهم طبيعة هذه الظاهرة الفريدة، فتناولوا مادّتها السماويّة الإعجازيّة، والمختلفة عن أيّة مادّة نصّيةٍ أخرى، بمنهجٍ مختلف، وبنزاهةٍ وموضوعيّةٍ وتجرّد.
والواقع أنّ من الحكمة والأهمّية، صوناً لنفوس المسلمين من الاضطراب والحيرة، وربّما من الشكوك التي لم ينجُ منها حتّى بعض كبار الصحابة، كما سبق وعرفنا، أن نحافظ على الهدف البعيد والهامّ الذي أراده عثمان بن عفّان من وضع نسخته التي بين أيدينا ذات القراءة الموحّدة، وذلك بأن نتجنّب اليوم نشر مصاحف تتضمّن تلك القراءات المتعدّدة، لتكون في متناول العامّة من المسلمين.
نعم، ربّما كان من المفيد، من الناحية العلميّة والتوثيقيّة، وجود مثل هذه المصاحف، ولكن شرط أن تقتصر على عددٍ محدودٍ من النسخ، يُفضّل ألّا يتجاوز المائة، وعلى أن ينحصر توزيعها في جهاتٍ محدودة، كمراكز البحوث، والهيئات الدينيّة المسؤولة، والمختصّين من العلماء في كلّ مكان، هذا إذا كنّا حريصين حقّاً على حماية المسلمين ممّا كان عثمان بن عفّان حريصاً على حمايتهم منه.(8)
الإعجاز في القراءات:
كانت القراءة التعدّدية للنصّ القرآنيّ بمثابة خروجٍ فريدٍ وصادمٍ، وإعجازيّ، لتقاليد الكتابة التي عرفتها البشريّة؛ فاجأ به القرآن العالم لأوّل مرّةٍ، ولآخر مرّة:
1- فأيٌّ منّا يمكن أن يتصوّر الآن، ونحن في القرن الواحد والعشرين، وفي عصر التكنولوجيا والكومبيوتر والذكاء الاصطناعيّ، وجودَ كتابٍ وضعه مؤلّفه بلغةٍ واحدةٍ محدّدة، عربيّةٍ، أو إنكليزيةٍ، أو صينيّةٍ، أو أيّة لغةٍ أخرى، ولكن جاء له رديفٌ "ظلٌّ"، بل أكثر من رديف، يكتشفه القارئ "وراء السطور"، وبالمعنى الحَرفيّ للعبارة هذه المرّة، في شكل قراءاتٍ احتماليّةٍ تحتلّ مواقعها الحصينة، والموثّقة، خلف كثيرٍ من ألفاظه وعباراته، بحيث يمكن قراءة هذا الكتاب بأكثر من طريقةٍ واحدة؟
2- والأغرب من هذا؛ أن تحمل هذه النصوص "الظلّ"، أو بعضُها، مرونةً عجيبةً تستطيع معها أن تجمع، وبشكلٍ فريدٍ وغير مسبوق، بين أمرين هامّين لا يمكن أن يجتمعا في كتاب بشر، بحيث يكون بين يديك كتبٌ عدّةٌ، ولكن في كتابٍ واحد:
أ- أن تُقرأ الكلمة الواحدة، رغم اتّفاق حروفها، بطرقٍ متعدّدةٍ يتيحها اختلافُ لهجات قرّائها، واختلاف حركاتها، وربّما اختلاف حروفها باختلاف النقاط على هذه الحروف، أو ربّما اختلاف الوقف أو الوصل عندها، بحيث يمنحك كلٌّ من هذين الخيارين معنىً يختلف باختلاف طريقة قراءتها،
ب- أن تكون معاني هذه الكلمات والعبارات "الظلّ" جميعاً، على تعدّدها، مؤتلفةً غير متناقضة، بل يُغني بعضها بعضاً، وتكتسب الآيةُ بها مرونةً وخياراتٍ بديلةً وغنيّةً تفتقدها لغاتُ البشر، وتتأقلم مع التغيّرات المستمرّة للزمان والمكان والإنسان، ومن غير الخروج، مع ذلك، عن المعنى العامّ للآية، أو السياق العامّ للسورة، أو السياق العامّ للقرآن بمجمله.
3- وفضلاً عن كلّ ذلك؛ هناك جانبٌ إعجازيٌّ آخر لا يملك المرء معه إلّا أن يتساءل، ورغم مراجعة جبريل مع النبي ﷺ لما تنزّل من القرآن الكريم في كلّ رمضان من كلّ عام، ومرّةً بعد مرّةٍ: كيف استطاع النبيّ ﷺ أن يحفظ كلّ هذه المئات، وربّما أكثر، من الوجوه المتعدّدة للقراءات التي لا تخلو منها صفحةٌ واحدةٌ من القرآن؟ وكيف استطاع نقلها بعد ذلك إلى الصحابة بوجوهها المختلفة هذه من غير ضياع أيّة قراءةٍ منها، على كثرتها، ورغم تعدّد الصحابة الذين حملوها ووثّقوها بعد ذلك؟
ويمكن أن نأخذ فكرةً عن كثافة تلك القراءات "الظلّ" من خلال هذا المقطع القرآنيّ القصير الذي اخترناه عشوائيّاً من سورة الشورى:
- وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴿٣٢﴾ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴿٣٤﴾ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴿٣٥﴾ فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦﴾ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧﴾ [الشورى: 32-37]
سأقف معكم هنا عند القراءات المختلفة التي اختصّت بها بعض ألفاظ هذه الآيات الستّ، والتي تعدّ جزءاً من "النُّسخ السماعيّة الاحتماليّة الظلّ" للكتاب الواحد الذي هو القرآن الكريم، والتي لا يمكن فصلها عن النسخة الأساس، وهي النسخة العثمانيّة البصريّة المكتوبة، والموثّقة بكلا المنهجين السماعيّ والبصريّ في وقتٍ واحد:
- فقد قرئت (الجَوارِ) في الآية الأولى، وهي السفن الجارية، هكذا بالتخفيف من غير ياء، وقرئت أيضاً بإثبات الياء (الجواري)،
- وقرئت (الرّيحَ) في الآية الثانية، هكذا مفردةً من غير ألِف، وقرئت أيضاً جمعاً بألِفٍ (الرياحَ) [وهذه الأخيرة من القراءات العشر]،
- وقرئت (يَعفُ) في الآية الثالثة، هكذا بالجزم، معطوفةً على (يُوبِقْهنّ)، وقرئت أيضاً بالواو (يعفو) مرفوعةً على الاستئناف،
- وقرئت (ويَعلمَ) في الآية الرابعة، هكذا بالفتح، على أنّ الواو فيها بمعنى (حتّى) أو بمعنى (فاء السببيّة)، وقرئت بالضمّ (يَعلمُ) على الاستئناف، وقرئت أيضاً بالجزم عطفاً على (يَعفُ) [وهذه الأخيرة من القراءات العشر أيضاً]،
- وقرئت (كبائرَ الإثم) في الآية الأخيرة، هكذا بالجمع، وقُرئت أيضاً (كبيرَ) بالإفراد [وهي من القراءات العشر أيضاً].
الجوانب الانفتاحيّة الثلاثة للنصّ القرآني:
لقد مرّ بنا حتّى الآن أكثر من جانبٍ انفتاحيّ للنصّ القرآنيّ. ويمكن تلخيص تلك الجوانب بهذه الظواهر اللغويّة الثلاث التي انفرد بها القرآن دون غيره من الكتب السماويّة أو الأرضيّة:
1- ظاهرة النسخ. وقد عرفنا أنّ من شأن الآيات التي نُسخ حكمُها وأُثبت نصّها، مثل آية {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، ورغم نسخها بآيةٍ أخرى تحرّم شرب الخمرة بصورةٍ مطلقة، أن تكون منفتحةً على الزمن، وأن تخاطب أحوالاً مستقبليّةً محتملةً، حين نجد بيننا اليوم من يصلّي ويشرب الخمرة، فينطبق عليه حكم الآية.
2- ظاهرة اللغة المرنة أو المنفتحة التي يمكن أن تخاطب الأجيال المتوالية فيفهمها كلّ جيلٍ بحسب ثقافة عصره. وينطبق هذا، فيما ينطبق، على كثيرٍ من الآيات العلميّة التي سبق أن مثّلنا بها، وفهمها كلّ جيلٍ على قدر ثقافته وسقف علومه.
3- وظاهرة القراءات العشر التي تنداح فيها المعاني الإضافيّة، أو المعاني "الظلّ"، حول المعنى الأساس.
هذه الظواهر الانفتاحيّة، المعجزة، في النصّ القرآنيّ كانت جزءاً من السرّ في الحفاظ على واقعيّة الإسلام، وانفتاحه على المستقبل، وتجدّده مع الزمن، وإقبال الناس على اعتناقه مع تعاقب الأجيال، ومع تطوّر الثقافات والعلوم حتّى يومنا هذا.
* * *
من الطبيعيّ، أخيراً، أن يكون هناك أكثر من سؤالٍ يراود مخيّلتنا ونحن بإزاء هذا الجانب الإعجازيّ الفريد للنصّ القرآنيّ، والتي يمكن لهذه المخيّلة أن تبحث عن إجاباتٍ عنها، من مثل هذه الأسئلة:
1- أي نوعٍ غير عاديٍّ من الثقة يمتلكه نصٌّ سماويٌّ وهو ينزل لأتباعه مشحوناً بمثل هذه الخيارات الاحتماليّة المتعدّدة في ألفاظه أو عباراته، والمنفتحة على أكثر من معنىً، وفي سابقةٍ لم تعرفها كتب البشر من قبل، ولن تعرفها من بعد؟
2- ما الحكمة الإلهيّة، على المدى القصير والبعيد، في إسباغ هذه العناية المضاعفة، وبتلك الوجوه المتعدّدة، لتغذية هذا الجانب الانفتاحي الاستثنائيّ في لغة القرآن الكريم؟
3- تُرى، كيف كان للمسلمين، على تفاوت مستوياتهم العلميّة والثقافيّة، أن يتعاملوا مع هذه القراءات المتعدّدة للنصّ السماويّ لو لم يوحّدها عثمان بن عفّان في المصحف العثمانيّ، أو حدث أن أصرّ من سبقنا من علماء المسلمين على إثباتها في المصحف؟
4- أمِن المناسب حقّاً أن توضع بين أيدي المسلمين، اليوم أو في المستقبل، نسخةٌ للمصحف تضمّ هذه القراءات؟ وكيف ستكون انعكاسات ذلك على العامّة من مخاطر التشتّت في الاختيار، والحيرة في الفهم، والغموض في التوثيق والمرجعيّة، وربّما الاضطراب والتشوّش في الإيمان؟
هوامش:
(1) المعجزة. ج1. ص: 301-302.
(2) الإتقان في علوم القرآن. ج1. ص: 160.
(3) من مقدّمة (مصحف دولة الكويت للقراءات العشر). الهيئة العامّة للعناية بطباعة ونشر القرآن الكريم والسنّة النبويّة وعلومهما. الكويت: 2022. ص: ج – ز.
(4) من مقدّمة كتاب (تقريب النشر في القراءات العشر) لابن الجزري. تحقيق إبراهيم عطوة عوض. ط 3. دار الحديث. القاهرة: 1996. ص: 51-52.
(5) وهو خطأ من المؤلّف، أو من المحقّق، فالمثال القرآنيّ المعطَى (هنّ أطهرُ لكم) لا ينطبق على الحالة المذكورة.
(6) نفسه. ص: 54.
(7) الإتقان في علوم القرآن. ج1. ص:303.
(8) وعلى العكس من هذا، ربّما كان من المفيد وضع مثل هذا المصحف متعدّد القراءات باللغات الأخرى غير العربيّة، إذا كان من شأنه أن يوفّر للآخرين فرصة الاطّلاع على هذا الجانب الإعجازي، والفريد، في كتاب المسلمين، شرط أن يبيّن لهم تفرّدَ القرآن وإعجازه في هذا التعدّد. ولعلّ المهندس فاضل سليمان كان الرائد في هذا الباب عندما أصدر ترجمته الإنكليزية لمعاني القرآن، متضمّنةً القراءات العشر. انظر:
Bridges’ Translation of the Ten Qira’at of the Noble Qur’an. Fadel Soliman. Author House. UK. 2020.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


