10- معجزة النسخ
قد تقولون: وهل في النسخ من إعجاز؟
وأين موضع الإعجاز في إحلال آيةٍ محلّ آية، أو سورةٍ محلّ أخرى؟
ذلك ما نهدف إلى تبيانه وإثباته في حديثنا عن "معجزة النسخ" في القرآن الكريم.
المنهج الواقعيّ-التفاعليّ في القرآن:
أخذت ظاهرة النسخ في القرآن الكريم حيّزاً كبيراً من الجدل عند علماء المسلمين بين مؤكِّدٍ ومنكِر. وسلّط عليها المستشرقون أضواءهم بشكلٍ خاصّ، بين مشكّكٍ بالقرآن، ومستهزئٍ، ومستهجن، متناسين الحقيقة الموضوعيّة لمناهج بحثهم؛ وهي أنّ اهتمام المسلمين بها، وحرصهم الشديد على نقل تفاصيلها إلينا بحرفيّتها، دليلٌ كافٍ على عمق اقتناعهم بها، وبدورها الهامّ لاستمراريّة تفاعل الإسلام مع الحياة على امتداد الزمن.
وفي خضمّ هذا الجدل؛ سنلتزم بما عاهدنا عليه أنفسنا منذ البداية، وهو مراقبتنا للمنطق اللغويّ والفطريّ حين ننظر في النصّ القرآنيّ، بحيث نصل في النهاية إلى نتيجةٍ عقليّةٍ وموضوعيّةٍ مستمدّةٍ من روح هذا المنهج الفطريّ، والموضوعيّ، للقرآن، بعيداً عن المشاحنات والاجتهادات الشخصيّة، وغير ملتفتين إلى الأهواء المذهبيّة، والثقافيّة، والفكريّة، التي لا حدود لتقلّبها وتنوّعها.
وليس من أولويّاتنا أن نقف مع هذا الرأي دون ذاك بخصوص ظاهرة النسخ خاصّةً، وحسبنا أن نستعرض الحقائق القرآنيّة والنبويّة في هذا الباب، استعراضاً موضوعيّاً يُظهره في صورته الحقيقيّة، لنَخرج من كلّ ذلك بإجابةٍ علميّةٍ مقنعةٍ يَرضى بها العقل السليم، والفطرة السليمة.
إنّ أهمّ ما يميّز الفكر الإسلاميّ، قرآناً وسنّةً، هو الواقعيّة التفاعليّة في التعامل مع الحياة ومستجدّاتها. فهذه الحياة لا تتوقّف عن التحوّل والتبدّل مع تغيّر الزمان والمكان والإنسان. وكان النسخ في القرآن أحد أهمّ أدوات الواقعيّة الإسلاميّة وتفاعلها المستمرّ مع تلك المتغيّرات. وهذا ما يوجزه لنا الحديث النبويّ الذي يقدّم لنا بكلماتٍ ذلك المنهج الإلهيّ لضمان استمراريّة التجدّد والتفاعل بين الدين والحياة:
- عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رَأسِ كلِّ مائةِ سَنَةٍ مَنْ يُجدِّدُ لَها دِينَها". [رواه أبو داود، وصحّحه الألباني]
كان النسخ في القرآن الكريم، وكذلك في الحديث النبويّ، بعيون عامّة المسلمين الذين عاشوا حقبة الوحي والنبوّة، بمثابة تأكيدٍ ممنهجٍ من السماء على ضرورة تفاعل النصّ الدينيّ المستمرّ مع الحياة. وبدهيٌّ، بالمقابل، أن تكون هذه الظاهرة التفاعليّة نفسها في عيون المشكّكين، ومنذ اللحظات الأولى لنزول الآيات الناسخة على النبي ﷺ، ظاهرةَ تردّدٍ وعدم يقينٍ في نهائيّة الأحكام السماويّة والنبويّة، ومصداقيّة هذه الأحكام، ومصداقيّة القرآن نفسه.
فكيف يتراجع الله، أو كيف يتراجع نبيّه، في زعمهم، عن حكمٍ سبق أن أقرّاه من قبل، وتمّ تطبيقه على المسلمين؟!
ولم يفوّت المشركون والمنافقون هذه الفرصة للنيل من الإسلام ومن مصداقيّته، فاتّهموا النبيّ ﷺ بالكذب والافتراء عند نزول كلّ آيةٍ تَنسخ ما قبلها:
- وإذا بَدَّلنا آيةً مَكانَ آيةٍ واللهُ أعلَمُ بِما يُنَزّلُ قالوا إنّما أنتَ مُفتَرٍ [النحل: 101]
يقول الشوكاني اليمنيّ في تفسيره متحدّثاً عن النسخ، ومؤكّداً وجوده في بقيّة الشرائع، وفي سيرة معظم الأنبياء:
"وقد اتّفق أهل الإسلام على ثبوته، سلفاً وخلَفاً، ولم يخالف في ذلك أحدٌ إلّا من لا يُعتدّ بخلافه ولا يؤبه لقوله. وقد اشتهر عن اليهود إنكاره.. وهم محجوجون بما في التوراة أنّ الله قال لنوحٍ عليه السلام عند خروجه من السفينة: إنّي قد جعلت كلّ دابّةٍ مأكلاً لك ولذريّتك، وأطلقتُ لكم ذلك كنبات العشب، ما خلا الدمَ فلا تأكلوه. ثمّ قد حرّم على موسى وعلى بني إسرائيل [بعد ذلك] كثيراً من الحيوان!
وثبت في التوراة [أيضاً] أنّ آدم كان يزوّج الأخ من الأخت، وقد حَرّم الله ذلك [بعدها] على موسى وعلى غيره! وثبت فيها [أيضاً] أنّ إبراهيم عليه السلام أُمر بذبح ابنه، ثمّ قال له الله [بعدها]: لا تذبحْه! وبأنّ موسى [كذلك] أمَرَ بني إسرائيل أن يقتلوا مَن عَبَدَ منهم العجل، ثمّ أمَرهم [بعدها] برفع السيف عنهم! ونحوُ هذا كثيرٌ في التوراة الذي بين أيديهم".(1)
ولو نظرنا بعين العقل والمنطق اللغويّ إلى الآية القرآنيّة التي تجعل من النسخ جزءاً من التشريع الإسلاميّ؛ لوجدنا أنّنا سنخالف منطقنا اللغويّ والفطريّ لو حاولنا أن نَحرفها عن معنى النسخ الذي أراده الله تعالى بها، وفصّله فيها بوضوحٍ لا يقبل التأويل:
- مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106]
إنّه، وبتعبيرٍ لغويٍّ قاطعٍ لا لبس فيه، "نسخُ الآية" أو "إنساؤها"، و "الإتيان ببديلٍ مثلِها أو خيرٍ منها". فهل كان هناك طريقةٌ أخرى أكثر جلاءً وتفصيلاً لتأكيد أمر النسخ؟! هذه الآية درسٌ إلهيٌّ نموذجيٌّ في الواقعيّة، وفي تلقائيّة استجابة الوحي، وتفاعله المستمرّ مع مجريات الحياة.
لقد كان الله قادراً على أن ينزّل القرآن كاملاً منذ اللحظة الأولى، كما يذكّرنا مؤكِّداً في ختام الآية نفسها "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، ولكنّ واقعيّة الإسلام، وروحه التفاعليّة مع الحياة، يتمثّلان في منهجيّةٍ فكريّةٍ خاصّةٍ من أجل غرس هذه الواقعيّة التفاعليّة في حياة المسلمين. وتتمثّل هذه المنهجيّة في ثلاثة مسالك على الأقلّ:
أ- تنزُّل الآيات والسوَر في مناسباتها التي نزلت من أجلها، وليس هكذا بدون أيّة مناسبة، بحيث يشعر المسلمون دائماً، وهم بإزاء كلّ آية، بأنّهم يتعاملون مع السماء مباشرةً، ومع آيةٍ حيّةٍ تخاطبهم وتخاطب واقعهم، فتكون علاقتهم بهذه الآيات، وعلاقات الأجيال المسلمة من بعدهم، مرتبطةً بهذا الشعور التفاعليّ الدائم بين السماء والأرض.
ب- التدرّج في فرض الأحكام، من الأسهل إلى الأصعب. وقد يتمّ ذلك التدرّج على مراحل متقاربةٍ أو متباعدة، وفي سورٍ وآياتٍ متفرّقة. وربّما أُلحقت الآية الناسخة بالآية المنسوخة في السورة نفسها، ومن غير أيّ فاصلٍ بينهما، كما حدث في الآية 184 من سورة البقرة عند تشريعه تعالى للصيام في شهر رمضان، ولكن مع عدم جعله في البداية أمراً ملزِماً للجميع، حتّى لأولئك الذين "يُطِيقُونَهُ" ويَقدرون عليه، على أن يُطعموا مسكيناً عن كلّ يومٍ يفطرون فيه. ثمّ تتنزّل الآية 185 بعد ذلك لتجعل الصوم ملزِماً لجميع القادرين بدون استثناء "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ":
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٤﴾ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٨٥﴾ [البقرة: 183-185]
وعلى العكس من ذلك، قد يتدرّج النسخ من الأصعب إلى الأسهل، كما حصل في حكم الجماع ليلة الصيام، كما يجتمع الناسخ والمنسوخ في آيةٍ واحدة، وهذا أدعى للغرابة في عقلنا البشريّ، ولكنّه أدعى، أيضاً، للدلالة على تميّز خطاب السماء دائماً عن خطاب الأرض. فنحن نفهم تحريم الجماع، أو "الرَّفَث"، في ليالي رمضان ممّا ورد في الجزء الثاني من الآية 187 من سورة البقرة، فهي تعدّه بمثابة "خيانة" للنفس مع الله: "كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ"، لأنّهم يخالفون بممارسته أوامر النبيّ ﷺ، فهي أوامر الله أيضاً. ولكنّنا نفهم من الجزء الأوّل من الآية نفسها رفع هذا التحريم عن المسلمين:
- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿187﴾
ويوضّح لنا حديثٌ نبويٌّ ملابساتِ هذا التغيير أو النسخ في أحكام العلاقة الزوجيّة في رمضان، ممّا يلقي لنا مزيداً من الضوء على الظروف أو الدواعي التي نزل فيها الجزءان من الآية، الناسخ والمنسوخ:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "كان المسلِمونَ في شَهرِ رمضانَ إذا صلَّوا العِشاءَ حَرُمَ عليهِمُ النِّساءُ والطَّعامُ إلى مِثلِها مِن القابِلَةِ – أي حتّى الليلة التالية. ثُمَّ إنَّ أناساً مِن المسلِمينَ أصابوا مِنَ النِّساءِ والطَّعامِ في شَهرِ رمضانَ بعدَ العِشاءِ، منهُم عمرُ بنُ الخطَّابِ، فشكَوا ذلكَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزلَ اللهُ تعالَى: "عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ" [البقرة: 187]. [رواه أبوداود، وأخرجه أحمد شاكر في عمدة التفسير في تفسير ابن كثير]
ويروي لنا حديثٌ آخر قصّة التباس الأمر على بعض المسلمين في تبيّن مواعيد التوقّف عن الأكل والشرب في الفجر من أيّام رمضان كما يحدّدها جزءٌ آخر من آية سورة البقرة نفسها [187] "{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ}". فقد فهم بعضهم كلماتها بالمعنى المادّيّ أو الحسّيّ، وليس المجازيّ، قبل أن تنزل بعدها العبارةُ التوضيحيّة اللاحقة "مِنَ الفَجر":
- عن سهلٍ بن سعدٍ الساعديِّ قال: "لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ} [البقرة:187]؛ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ خَيْطاً أَبْيَضَ وَخَيْطاً أَسْوَدَ، فَيَأْكُلُ حتَّى يَسْتَبِينَهُمَا – أي يستطيع التمييز بينهما –، حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مِنَ الفَجْرِ} فَبَيَّنَ ذلك". [متّفق عليه، واللفظ لمسلم]
ت- تعامُل هذه الآيات والسوَر مع تلك المناسبات وفقاً لتطوّر طبيعتها وأحداثها. ويكون ذلك إمّا بإلحاقها بالمزيد من الآيات التوضيحيّة، وهو الأغلب، كما تطالعنا به الأحاديث النبويّة العديدة، وإمّا بنسخ بعضها معنىً لا لفظاً، وإمّا بنسخ أخرى معنىً ولفظاً معاً، وذلك من أجل المزيد من ترسيخ مبدأ التفاعليّة، ومن أجل المزيد من التأكيد على منهجيّة الإسلام في التعامل مع الواقع، والاستجابة إلى متغيّراته. وهذا في الحقيقة جزءٌ من منهجيّة القرآن العامّة في تنزّل الأحكام متدرّجةً "على مُكثٍ"، كما توضّحه الآية:
- وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء: 106
حتّى عندما أكّد تعالى لنبيّه ضمانه "لإقراء" النبيّ ﷺ للنصوص المنزلة عليه بحيث لا ينساها، أكّد له، في الوقت نفسه، أنّ من هذه الآيات ما سوف "يُنسى" ممّا شاء الله له أن يُنسى:
- سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴿٧﴾ [الأعلى: 6-7]
ونسوق هنا بعض الأحاديث النبويّة التي تُبرز لنا هذا التفاعل المستمرّ والحيّ بين وحي السماء ومجريات الحياة على الأرض، وهي قليلٌ من كثير:
- عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: "لَمَّا نَزَلتْ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، أرسَلَتْ فارِسُ إلى قُرَيشٍ أنْ خاصِموا مُحمّداً وقولوا له: فما تَذبَحُ أنتَ بيَدِكَ بسِكِّينٍ فهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللهُ عزَّ وجلَّ بشِمشِيرٍ مِن ذَهَبٍ – وهو السيف بالفارسيّة، يقصدون المَيْتةَ – فهو حَرامٌ؟! فنَزَلتْ هذه الآيةُ – أي تكملتُها –: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}. قالَ: وإنَّ الشَّياطينَ مِن فارِسَ، وأولياؤُهم قُرَيشٌ". [رواه ابن كثير في عمدة التفسير، وصحّحه أحمد شاكر]
- عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال: "صنعَ لنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ طعاماً، فدَعانا وسَقانا مِنَ الخمرِ – وهذا قبل تحريمِها –، فأخذَتِ الخمرُ منَّا. وحضَرتِ الصَّلاةُ، فقدَّموني – أي لِيَؤمَّهم –، فقرأتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. ونحنُ نعبدُ ما تعبدونَ)! فأنزلَ اللَّهُ – أي عقِبَ ذلك – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "كَانَتْ عُكَاظُ، ومَجَنَّةُ، وذُو المَجَازِ، أسْوَاقاً في الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كانَ الإسْلَامُ؛ فَكَأنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ – أي تَخَوّفوا مِن إثم التجارةِ في هذه الأسواقِ أثناء الحجّ فامتنعوا عنها –، فَنَزَلَتْ: {ليسَ علَيْكُم جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ} في مَوَاسِمِ الحَجِّ [البقرة: 198]". [رواه البخاري]
- عن أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عَمرٍو قال: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ؛ كُنَّا نُحَامِلُ – أي يَحملون للناسِ أمتعتَهم بالأجرِ ليَكسبوا مالاً فيتصدّقوا به –. فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشيءٍ كَثِيرٍ، فَقالوا: مُرَائِي! وجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بصَاعٍ – أي من تمرٍ أو قمحٍ أو شعير، وهو قريبٌ من 3 كغ –، فَقالوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن صَاعِ هذا! فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ والذينَ لا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ} الآية. [التوبة: 79]". [رواه البخاري]
- عن أمِّ عطيّةَ نُسَيبةَ بنتِ كعبٍ: "أنَّها أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالت: ما أرى كلَّ شيءٍ إلَّا للرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذكَرنَ بشيءٍ! فنزلتْ هذهِ الآية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..} [الأحزاب: 35]". [رواه التّرمِذيّ، وصحّحه الألباني]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "كان ناسٌ – مِن الأنصار في المدينة – لهم أَنْسِبَاءُ وقَرَابَةٌ من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ – مِن يهودِ المدينة –، وكانوا يَتَّقُونَ أن يَتَصَدَّقُوا عليهِم – لأنّهم لم يكونوا مسلمين رغم قرابتِهم لهم –، ويُرِيدُونَهُم على الإسلام، فنَزَلَتْ – تشجيعاً لهم للتصدّق عليهم –: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]". [صحّحه الألباني في تمام المنّة في التعليق على فقه السنّة]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: ألَا تَزُورُنَا أكْثَرَ ممَّا تَزُورُنَا؟ قالَ: فَنَزَلَتْ: {وَما نَتَنَزَّلُ إلَّا بأَمْرِ رَبِّكَ له ما بيْنَ أيْدِينَا وما خَلْفَنَا} [مريم: 64] الآيَةَ". [رواه البخاري]
- عن عِمْرانَ بنِ الحُصَينِ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ أخاً لَكُمْ قدْ ماتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عليه". يَعْنِي النَّجاشي. – وفي روايةٍ لقَتادةَ بنِ دِعامةَ صحّحها الألباني: "قالوا: نُصُلِّي على رجلٍ ليس بمسلمٍ؟ فنزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ باللّه.. الآية} [آل عمران: 199] –". [رواه مسلم]
- عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: "لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ – عَمَّ النبيّ وكافِلَه – الْوَفَاةُ؛ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ – عَمرو بنُ هشامِ بنِ المُغيرةِ المخزوميّ (50 ق.هــ-2 هــ) – وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْ عَمِّ، قُلْ لا إِلَهَ إلّا اللَّه، أُحَاجَّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّه – أي أستطيع أن أشْفَعَ لك بها عند الله –! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك. فَنَزَلَتْ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]". [رواه البخاري]
وكان في تحريم الخمرة على مراحل، كما ألمحنا، نموذجٌ واضحٌ على آليّة النسخ في المنهج الإسلاميّ في التعامل الحيّ، والمتتابع، والمتناسب مع مجريات الحياة، وعلى أهمّية تطوّر الأحكام وفقاً لهذه المجريات:
- عن أبي مَيسَرةَ عَمرِو بنِ شُرَحْبيلَ قال: "لَمَّا نَزَلَ تَحريمُ الخَمرِ – أي بَوادرُ تحريمِها – قال عُمَرُ – ابنُ الخطّاب –: اللَّهمَّ بَيِّنْ لنا في الخَمرِ بَياناً شِفاءً! فنَزَلتِ الآيةُ التي في البَقَرةِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] الآيةُ. قال: فدُعيَ عُمَرُ، فقُرِئتْ عليه، قال: اللَّهمَّ بَيِّنْ لنا في الخَمرِ بَياناً شِفاءً! فنَزَلتِ الآيةُ التي في النِّساءِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، فكان مُنادي رَسولِ اللَّهِ ﷺ إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ نادى: ألَا لا يَقرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكرانُ. فدُعيَ عُمَرُ فقُرِئتْ عليه، فقال: اللَّهمَّ بَيِّنْ لنا في الخَمرِ بَياناً شِفاءً! فنَزَلتْ هذه الآيةُ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} – وكامل الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة: 91] –، قال عُمَرُ: انتَهَيْنا". [رواه أبو داود، وصحّحه شعيب الأرناؤوط]
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: "سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بالمَدِينَة قالَ: يا أَيُّهَا النَّاس، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بالخَمْر – أي يُلمّح في القرآن إلى أذاها –، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْراً، فمَن كانَ عِنْدَهُ منها شَيءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ به. قالَ: فَما لَبِثْنَا إلَّا يَسِيراً حتَّى قالَ النَّبيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الخَمْرَ، فمَن أَدْرَكَتْهُ هذِه الآيَةُ وَعِنْدَهُ منها شَيءٌ فلا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ. قالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بما كانَ عِنْدَهُم منها في طَرِيقِ المَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا – أي أراقوها فيه –". [رواه مسلم]
وتوضّح السيّدة عائشة أمّ المؤمنين واقعيّة القرآن الكريم التفاعليّة في نزول أحكام الحلال والحرام؛ حين تَعرض علينا فهمَها الشخصيّ لتأخّر نزول هذه الأحكام إلى فترةٍ تَمكّنَ فيها الإيمان من نفوس المسلمين، تمكّناً يسهل عليهم معه، وقد نضج وترسّخ إيمانهم، الاستجابة إلى ما فُرض عليهم بعد ذلك من حلالٍ أو حرام:
- عن يوسُفَ بنِ ماهَكَ عن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالت:".. إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه – أي من القرآن – سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ –، وسوَرُ المفصَّل تبدأ مِن سورة "محمّد" أو سورة "ق" حتّى آخر القرآن –، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ – أي فيها آياتٌ تُرغّبُ الناسَ بالجنّة وتُرهِبُهم مِنَ النار حتّى يُسلِموا ويَدخلَ الإيمانُ إلى قلوبِهم –. حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ – أي اطمأنّوا ورسخَ الإيمانُ في نفوسِهم – نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ. ولو نَزَلَ أوَّلَ شيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَداً، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَى أبَداً". [رواه البخاري]
والواقع؛ أنّ النسخ خصيصةٌ من خصائص الرسائل السماويّة عامّةً، وإن تعدّدت أسبابه واختلفت ظروفه وأنواعه، كما شرح لنا الشوكاني، وكما تؤكّد لنا الآية القرآنيّة:
- وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجّ: 52]
وللسماء مسوّغاتها المنطقيّة في كلّ حالةٍ من حالات النسخ. وقد يسمح لنا تفكيرنا البشريّ بالإمساك ببعض هذه المسوّغات في حالاتٍ دون أخرى، كما سيتبيّن لنا فيما يلي من الآيات التي تعرّضت لها هذه الأحاديث النبويّة:
- عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قالَ: "نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: (حَافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ العَصْرِ)، فَقَرَأْنَاهَا ما شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ، فَنَزَلَتْ: {حَافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى} [البقرة:238]، فَقالَ رَجُلٌ كانَ جَالِساً عِنْدَ شَقِيقٍ له: هي إذَنْ صَلَاةُ العَصْرِ! فَقالَ البَرَاءُ: قدْ أَخْبَرْتُكَ كيفَ نَزَلَتْ، وَكيفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". [رواه مسلم]
- عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: "دَعَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ علَى الَّذِينَ قَتَلُوا أصْحَابَ بئْرِ مَعُونَةَ؛ ثَلَاثِينَ غَدَاةً – أي لثلاثين صباحاً –، علَى رِعْلٍ، وذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، عَصَتِ اللَّهَ ورَسولَهُ. قَالَ أنَسٌ: أُنْزِلَ في الَّذِينَ قُتِلُوا ببِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ – وهو –: (بَلِّغُوا قَوْمَنَا أنْ قدْ لَقِيْنَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا ورَضِينَا عنْه)". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: "أوَّلُ ما نُسِخَ منَ القرآنِ، فيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعلمُ، شَأنُ القِبلةِ. قال اللَّهُ تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، فاستقبلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ – أي قِبلتَه الأولى –، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ وترَكَ البَيتَ العتيقَ. ثمَّ صرفَهُ اللَّه إلى بيتِهِ ونَسَخَها فقالَ: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]". [رواه ابن كثير، وصحّحه أحمد شاكر]
- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: "بيْنَا أنَا أمْشِي مع النبيِّ ﷺ في خَرِبِ المَدِينَةِ – أي في غير الآهلِ مِن أطرافها –، وهو يَتَوَكَّأُ علَى عَسِيبٍ معهُ – أي عصاً مِن جَريدِ النخل –، فَمَرَّ بنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ! وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْأَلُوهُ، لا يَجِيءُ فيه – أي خشيةَ أن يُجيبَكم – بشيءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ منهمْ فَقَالَ: يا أبَا القَاسِم، ما الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلتُ – أي قالَ الراوي لنفسِه –: إنَّه يُوحَى إلَيْهِ، فَقُمْتُ – أي انتظرت –. فَلَمَّا انْجَلَى عنْه – أي انكشفتْ عنه عوارضُ الوحي – قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إلَّا قَلِيلًا). قَالَ الأعْمَشُ: هَكَذَا في قِرَاءَتِنَا – ثمّ نزلت (أُوتِيتُم) [الإسراء: 85] –". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]
- عن أبيّ بنِ كعبٍ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال له: إنَّ اللهَ أمَرني أن أقرَأَ عليكَ القُرْآنَ، فقرَأ عليه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البيّنة: 1]، وقرَأ فيها: (إنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الحَنِيفيَّةُ المُسلِمةُ لا اليهوديَّةُ ولا النَّصرانيَّةُ ولا المَجُوسيَّةُ، مَن يعمَلْ خيرًا فلَنْ يُكفَرَه)، وقرَأ عليه – فيها أيضاً –: (لو أنَّ لابنِ آدَمَ وادياً مِن مالٍ لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له ثانياً لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملَأُ جوفَ ابنِ آدَمَ إلَّا تراب، ويتوبُ اللهُ على مَن تاب) – وكان ذلك قبل أن تُنسَخ هذه الآيات –". [رواه التِّرمِذي، وحسّنه الألباني]
الناسخ والمنسوخ في الأحكام، والناسخ والمنسوخ في الحياة:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: "كُنَّا عندَ النبيِّ ﷺ فجاءَ شابٌّ فقال: يا رسولَ الله، أُقَبِّلُ وأنا صائمٌ؟ قال: لا. فَجَاءَ – بعده – شيخٌ، فقال: أُقَبِّلُ وأنا صائمٌ؟ قال: نعم. قال: فنظر بعضُنَا إلى بعضٍ – أي متعجّبين من اختلافِ الإجابتين –، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: قدْ عَلِمتُ لِمَ نَظَرَ بعضُكُمْ إلى بعضٍ، إنَّ الشيخَ يَمْلِكُ نفسَهُ – أي فَهو لا يتمادى بعد القُبلةِ إلى ما هو أكثر –". [رواه أحمد، وصحّحه أحمد شاكر]
حادثةٌ صغيرةٌ أبطالها لا يَعْدون شابّاً فتيّاً وشيخاً كبيراً، ولكنّ دلالتها عميقةٌ وبعيدة المدى في رسم منهجيّة الإسلام الواقعيّة، وتفاعلها المستمرّ مع صفحات الحياة المتقلّبة، واستجابتها لتلك التقلّبات، في الزمان، والمكان، والإنسان.
ففي جلسةٍ قصيرةٍ واحدةٍ "نُسخ" حكمٌ نبويٌّ بشأن قُبلة الصائم، فكانت القبلة في مطلع الجلسة حراماً، ولكن على الشابّ الفتيّ، ثمّ، وقبل أن تنتهي الجلسة، غدت القبلة حلالاً، ولكن للشيخ الكبير!
هذا الدرس النبويّ الحكيم يعلّمنا المبدأ الإسلاميّ الثابت؛ في أنّه سيظلّ في فقهنا ناسخٌ من الأحكام ومنسوخ؛ ما تغيّر الزمان والمكان والإنسان، وهو ما اصطُلح عليه فيما بعد بفقه مقاصد الشريعة.
طبعاً، لم تكن تلك الحادثة وحدها هي التي سَنّت للمسلمين هذا المنهج الواقعي في تجديد الأحكام. لقد كانت حياة النبيّ ﷺ كلّها مرتسماً واضحاً لهذا المنهج. فأحكام الإسلام لم تتنزّل على العرب هكذا مرّةً واحدة، وكان لا بدّ لهذه الأحكام، أحياناً وحسب طبيعتها، من أن تتدرّج في النزول، أو ينسخ بعضها بعضاً.
كان هذا يجري توازياً مع انتساخ بعض مظاهر الحياة أو تطوّرها شيئاً فشيئاً، زماناً، ومكاناً، وإنساناً، في حركة تفاعلٍ مستمرّةٍ مع الأحكام السماويّة المتلاحقة. فكان الحديث ينسخ الحديث، والآية تنسخ الآية:
- عن أبي العلاءِ يزيدَ بنِ الشِّخّيرِ التابعيِّ قال: "كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنْسَخُ حَديثُهُ بَعْضُهُ بَعْضاً، كما يَنْسَخُ القُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضاً". [رواه مسلم]
ويجسّد لنا حديثٌ نبويٌّ في أسطرٍ قليلةٍ ذلك الخطّ التفاعليّ المستمرّ في الإسلام؛ عندما يَعرض لنا جملةً من الأحكام التي كانت تتغيّر مع تغيّر حياة المسلمين. ويقع هذا التغيير خلال سنواتٍ قليلةٍ، حين كان الرسول ﷺ ما يزال يعيش بين ظهرانَيهم:
- عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "نهيتُكم – وفي رواية: كنت نهيتُكم – عن زيارةِ القبورِ، فزوروها، ونهيتُكم عن لحومِ الأضاحي فوق ثلاثٍ – أي عن أكلها بعد مرور ثلاث ليالٍ على ذبحها – فأمسِكوا ما بدا لكم – أي يمكنكم الآن أن تحتفظوا بما تريدون منها –، ونهيتُكم عن النَّبيذِ – أي حفظ الأشربة – إلاّ في سِقاء – وهي القُرَب الجلديّة –، فاشربوا في الأسقيةِ كلِّها، ولا تشربوا مُسكِراً". وفي روايةٍ للنَّسائي، عن بُريدةَ عن أبيه: وذَكرتُ لَكم ألّا تنتبِذوا في الظُّروفِ – أي ألّا تحتفظوا بالأشربة في هذه الأوعية –: الدُّبَّاءِ – نوعٌ من ثمار القرع يُستخدم بعد تجفيفه لحفظ الماء، – والمزفَّتِ – وهو الوعاء المطليّ بالزفت، – والنَّقيرِ – وعاءٌ من خشبٍ منقور، – والحنتَمِ – نوعٌ من الخزف الأخضر أو الأسود –، انتبِذوا فيما رأيتُم – أي يمكنكم الآن استخدام أيّ وعاءٍ ترونه مناسباً، – واجتنِبوا – أي في حفظكم أو في شرابكم – كلَّ مُسْكِرٍ". [رواه مسلم]
ومن الطبيعيّ ألّا يقتصر هذا المنهج التفاعليّ على السنّة النبويّة وحدها. لقد كان مثل هذا التحوّل من المعالم الهامّة التي ميّزت الخطّ القرآني وطريقةَ خطابه للمستجدّات. ويتمثّل هذا بشكلٍ جليٍّ في التحوّلات الأسلوبيّة التي تميّز بين لغتَي المرحلتين المكّية والمدنيّة.
أقول في كتابي (نبويّون أكثر من النبي؟):
"هل خاطب تعالى المسلمين في أوائل الدعوة باللغة نفسها التي خاطبهم بها في أواخرها؟ ألم تتغير لغة السور المدنيّة عن لغة السور المكّية؟ ألم تتجه في مكّة إلى العاطفة أوّلاً، فركّزت على الترغيب بالجنّة والترهيب من النار، وجاءت الآيات فيها، بل السور أيضاً، قصيرةً خطابيّةً سريعة الإيقاع، ويتوجّه الخطاب فيها إلى الإنسان عامّةً "يا أيّها الناس، يا أيّها الإنسان"؟
ثمّ حين انتقل المسلمون إلى المدينة، واستقرّت النفوس على العقيدة الجديدة، واحتاج الناس إلى تشريعاتٍ تفصّل لهم الأحكام، وتُبيّن لهم الحلال والحرام، هدأ الخطاب فيها، وهدأ إيقاع الآيات، واستطالت أنفاسها، واستطالت معها السوَر، واتّجه الحديث أكثر وأعمق إلى العقل والتدبّر والتحليل المنطقيّ، وامتدّ امتداداً يلبّي متطلّبات الشريعة، ويستجيب لضرورة شرح القوانين الجديدة التي بدأت تبني في المدينة مجتمعاً حضاريّاً مستقرّاً يمهّد للدولة الإسلاميّة العالميّة القادمة، وبدأ النداء القرآنيّ بالتركيز على (المؤمن) أكثر منه على (الإنسان) أو (الناس)، فغلب خطاب "يا أيها الذين آمنوا" على خطاب "يا أيّها الإنسان"..
مثل هذه الأمثلة كثيرٌ في تاريخ أحكام القرآن الكريم، وهي تأتي غالباً تحت ما يُعرف بباب (الناسخ والمنسوخ). والحقّ أنّ الآيات التي نَسَخت، أو نُسِخت، اكتسبت هذه الصفة لفترةٍ معيّنةٍ ومحدودةٍ جدّا بعد تنزّلها، ولكنّ بقاءها بعد ذلك في القرآن، وإثباتها فيه، لا يمكن أن يكون قد تمّ لغايةٍ محض تاريخيّةٍ، أو لمجرّد تذكير المسلمين بما حدث أيّام الرسول ﷺ أو كيف حدث.
في كلّ يومٍ؛ تطرأ على الناس ظروفٌ وأحداثٌ تطابق تلك التي نزلت فيها الآياتُ "المنسوخة"، ثمّ تطرأ ظروفٌ أخرى تستدعي إجابةً لها في الآيات "الناسخة". وإذن ففي كلّ يومٍ من تاريخ البشريّة ناسخٌ من الأحداث ومنسوخ، ومن ثمّ سيكون له بالمِثل ناسخٌ من الأحكام ومنسوخٌ أيضاً، وسنكون في حاجةٍ مستمرّةٍ، ومتعاقبةٍ، وإلى يوم القيامة، إلى كلا الناسخ والمنسوخ." (2)
ومن هذا الباب كان امتناع الرسول ﷺ عن الاستجابة لإلحاح بعض أصحابه في السؤال عن أمورٍ قد يكون في إجابته عنها ما يمكن أن يؤدّي إلى التضييق عليهم في المستقبل، حين تَحُول هذه الإجابات بينهم وبين الاجتهاد والتفكير لمواجهة ما يطرأ على حياتهم من تغيّراتٍ:
- عن أبي ثَعلَبةَ الخُشَني، عنِ النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ فرَضَ فَرائِضَ فلا تُضيِّعوها، وحَدَّ حُدوداً فلا تَعْتَدوها، وحرَّم أشياءَ فلا تَنتهِكوها، وسكَتَ عن أشياءَ رحمةً بِكُم غيرَ نِسْيانٍ، فلا تَسأَلوا عنها". [رواه البيهقي، وحسّنه شُعيب الأرناؤوط]
- عن أبي هريرةَ قال: "خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ فَقال: أَيُّهَا النَّاسُ قدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَحُجُّوا. فَقالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حتَّى قالَهَا ثَلَاثاً، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: لو قُلتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ. ثُمَّ قالَ: ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ بكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ علَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بشيءٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فَدَعُوه". [رواه مسلم]
- عن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْماً؛ مَن سَأَلَ عن شيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِن أَجْلِ مَسْأَلَتِه". [متّفق عليه]
معجزة النسخ:
ونسأل مرّةً أخرى: هل في النسخ معجزة؟ وكيف؟
نعم، قد يختلط كلّ ما قدّمنا به حتّى الآن من الحديث عن الواقعيّة التفاعليّة في ظاهرة النسخ؛ مع أوصافٍ ربّما لا تعدو أن تكون وصفاً لأيّ عملٍ بشريٍّ ذكيّ، مثل: التميّز، أو التفوّق، أو التفرّد، أو العبقريّة، أو الإبداع، ولكن ليس الإعجاز.
وبغضّ النظر عن المرتبة الحقيقيّة التي يمكن أن تحتلّها هذه الظاهرة القرآنيّة في أعيننا، مسلمين مؤمنين، أو مستشرقين مشكّكين، فإنّ الظاهرة تتجاوز، في مراحلها المتقدّمة، كلّ احتمالٍ للتردّد في تصنيفها كمعجزة.
ويتجلّى الإعجاز الحقيقيّ فيها، أيّاً كانت الأعين التي تنظر إليها، حين يأخذ النسخ شكل ظاهرةٍ جماعيّةٍ عند المسلمين، فينسون الآية أو السورة بأكملها! وتتكرّر هذه الظاهرة مع المسلمين أكثر من مرّة، ومع أكثر من سورة، كما في هذه الحادثة التي يرويها لنا أبو موسى الأشعريّ:
- عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ قال: "بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ إلى قُرَّاءِ أَهْلِ البَصْرَةِ – عندما وُلِّيَ أبو موسى عليها –، فَدَخَلَ عليه ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ قدْ قَرَأوا القُرْآنَ، فَقالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ البَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ – أي في هجرِكم له ولقراءتِه وتدبّره –، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كما قَسَتْ قُلُوبُ مَن كانَ قَبْلَكُمْ. وإنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ ببَرَاءَةَ – أي سورة التوبة –، فَأُنْسِيتُهَا، غيرَ أَنِّي قدْ حَفِظْتُ منها: (لوْ كانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِياً ثَالِثاً، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ). وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بإحْدَى المُسَبِّحَاتِ – وهي السوَر التي تبدأ بالتسبيح –، فَأُنْسِيتُهَا، غيرَ أَنِّي حَفِظْتُ منها: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولونَ ما لا تَفْعَلُونَ، فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَومَ القِيَامَةِ". [رواه مسلم]
وقد يأخذ هذا النسيان الجماعي شكلاً دراميّاً أكبر حين يحدث أن ينسى المسلمون كلّهم، وفي ليلةٍ واحدة، سورةً كاملةً كانوا قد حفظوها عن نبيّهم غيباً، فتُمحى فجأةً من صدورهم جميعاً، بل تختفي من كلّ شيءٍ كتبت فيه، وبصورةٍ إعجازيّةٍ لا لبس فيها، بحيث يفاجأ بها حتّى نبيّنا الكريم ﷺ:
- عن أبي أُمامةَ سهلِ بنِ حُنَيفٍ: "أنَّ رَهطاً مِنَ الأنصارِ مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أخبَروه أنَّه قام رَجُلٌ منهم في جَوفِ اللَّيلِ يُريدُ أنْ يَفتتِحَ سورةً قد كان وَعاها – أي حَفِظَها –، فلم يَقدِرْ منها على شَيءٍ – أي أُنسِيَها كلَّها – إلَّا: بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ! فأتَى بابَ النَّبيِّ ﷺ حين أصبَحَ، يَسألُ النَّبيَّ عن ذلك، ثمّ جاء آخَرُ، وآخَرُ، حتى اجتَمَعوا، فسَأَلَ بعضُهم بعضاً: ما جَمَعَهم؟ فأخبَرَ بعضُهم بعضاً بشأنِ تلك السورةِ! ثم أَذِنَ لهمُ النَّبيُّ ﷺ – أي بالدخول –، فأخبَروه خَبَرَهم، وسأَلوهُ عنِ السورةِ! فسَكَتَ ساعةً لا يَرجِعُ إليهم شيئاً، ثمّ قال: نُسِخَتِ البارحةَ –. وتُضيفُ روايةٌ أخرى للذهبيّ: فنُسِخت مِن صدورِهم، ومِن كلِّ شيءٍ كانت فيه –". [رواه الطحاوي، وصحّحه شعيب الأرناؤوط في تخريج مشكل الآثار]
وبالثقة النبويّة الإعجازيّة نفسها التي عَبَر بها كتابُ الله الكريم تلك القرون الأربعة عشر بموثوقيّةٍ ودقّةٍ متناهية، منذ نزوله على محمّدٍ ﷺ إلى الآن، ومن غير أن يصيبه أدنى زيادةٍ أو نقصانٍ أو تحريف، يقطع نبيّ الله للمسلمين بأنّ المعجزة الأكبر أمامهم آتيةٌ بعد حينٍ لا محالة، وذلك حين يُنسى القرآن كلّه، فيمحى من السطور ومن الصدور معاً، وسيُسرَى على كتاب الله وآياته في ليلةٍ، فلا يبقى له أي سجلٍّ، محفوظٍ أو مسموعٍ أو منظور، في أيّ مكانٍ من هذا العالم:
- عن حُذَيفةَ بنِ اليَمانِ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "يَدْرُسُ الإسلامُ – أي يَضيعُ ويَندثر – كما يَدْرُسُ وَشيُ الثَّوب، حتَّى لا يُدرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صَدَقةٌ. ولَيُسرَى على كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في ليلَةٍ، فلا يَبقى في الأرضِ منهُ آيةٌ – أي يُمحى من الذواكر والسجلّات بأنواعها –، وتبقَى طوائفُ مِنَ النَّاسِ، الشَّيخُ الكبير، والعجوزُ، يقولونَ: أدرَكْنا آباءَنا على هذِهِ الكلمةِ، لا إلَهَ إلَّا اللَّه، فنحنُ نقولُها". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
* * *
وأخيراً، سيكون من أساسيّات تعاملنا مع القرآن الكريم، وتدبّره حقّ التدبّر، أن تظلّ الأسئلة التالية حيّةً باستمرارٍ في صدورنا ونحن نتلو آياته الكريمة:
1- هل جاءت تلاوتنا لهذه الآيات تلاوةً تفاعليّة، نشعر معها بأنّ كلّ آيةٍ تخاطب شأناً من شؤون حياتنا نحن اليوم، وليست خاصّةً بأولئك الذين نزلت عليهم قبل أربعة عشر قرناً، فأصبحت في نظرنا مجرّد تاريخٍ مضى ونحن نتصفّحه؟
2- هل تفسّر هذه "الواقعيّةُ-التفاعليّةُ" للنصّين القرآنيّ والنبويّ في التعامل مع أحداث الحياة المتجدّدة باستمرار، وتَجاوُبُ هذه الواقعيّة مع تطوّر الزمان والمكان والإنسان، سرَّ استمرار الإسلام حيّاً وفاعلاً إلى الآن مع تقلّب العصور والأجيال، وتنامي قبول الناس له، وتزايدِ أعداد المعتنقين له شرقاً وغرباً؟
3- أما زلنا نستمدّ من روح تلك الظاهرة جزءاً كبيراً من منهجيّة فقهنا وأحكامنا الشرعيّة، بحيث تغطّي كلّ المتغيّرات ومظاهر التجديد في حياتنا؟
4- كيف ستكون ردّة فعل أحدنا لو حدث له ما حدث لأولئك الذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ في وقتٍ واحد، وقد نسوا جميعاً السورة نفسها دون باقي السوَر؟
5- كيف ستكون ردّة فعل أحدنا لو حدث أن عاش ذلك اليوم، حين يُنسخ القرآن الكريم كلّه من ذواكرنا، ومصاحفنا، وتسجيلاتنا؟ ماذا لو شاء الله أن نشهد تلك المحنة الصعبة، حين "يُسرَى على كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في ليلَةٍ، فلا يَبقى في الأرضِ منهُ آيةٌ"؟ كيف ستكون صلواتنا، وعباداتنا، وحياتنا، وحياة كلّ المسلمين، من غير تلاوةٍ، ولا تدبّرٍ، ولا أحكامٍ، ولا قرآن؟
هوامش:
(1) فتح القدير. ج1. دار الفكر. ب.ت. ص: 126.
(2) نبويّون ـكثر من النبيّ؟ إعادة قراءة النصّ الدينيّ. دار السلام. القاهرة: 2017.
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


