صفحات من الأدب السياسي

صفحات من الأدب السياسي

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٦ شعبان ١٤٣٨ هـ - ٢ أيار ٢٠١٧
1272

إنَّ في ميدان الحياة السياسية آراء وأفكاراً، وعواطف ومشاعر للأفراد والجماعات لابدَّ للأدب الحي من أن يُعبِّر عنها، وللأديب المتصل بحياة أمته أن يصورها؛ فللاتجاهات الاشتراكيَّة والرأسمالية، وللثورات الشعبية كالنظم الفردية الاستبداديَّة مؤرخوها وأدباؤها من كُتَّاب وشعراء وقصصيين.

وقد يخيَّل للناظر نظرة سطحيَّة في الأدب العربي أنَّه فقير من هذه الناحية، وأنَّه إن صور الحياة السياسية صوَّرها من جانب دون جانب. 

فتاريخ الشعر السياسي في أدبنا، كما يخيَّل لهذا الفاحص السطحي، مجموعة من قصائد المديح، مديح الملوك والأمراء والقوَّاد، تصور العاطفة الصادقة حيناً، والتزلف والنفاق في أغلب الأحيان، فيتساءل أين تصوير الشعبِ على حقيقته في مشاهده وصوره وعواطفه ونزواته وتياراته وأفكاره؟ 

والواقع أنَّ هذه القصائد أشبه بخطب الحفلات والمهرجانات ونشرات الدعاية والإذاعة في عهود الطغيان والاستبداد؛ فهل يصحُّ أن نقول عنها إنَّها تاريخ لحقبة من الزمن؟

إذا كان كثير من مؤرِّخي الأدب العربي قديماً وحديثاً أعطونا عنه هذه الصورة حتى كأنهم كتبوه في قصور الملوك والأمراء وفي كنفهم وتحت رعايتهم، فليس ذلك ذنب الأدب العربي؛ ففي الأدب العربي صفحات مشرقة من تصوير الحياة الشعبية والحياة السياسية، ومن تصوير الثورة على الظلم، شعَّ نورها في بعض العهود الصافية، ثم غشيتها سحابة من ظلام، وتطاول عليها الأمد ولكن نورها لم ينطفئ. 

إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى أدبنا نظرةً جديدة قد تقلب تاريخه رأساً على عقب؛ فإذا بشعراء كانوا يتربَّعون على عروش الشعر ينخفضون، وآخرين من المغمورين يتقدمون إلى الصف الأول. وإذا بالشاعر نفسه تتغير نظرتنا في شعره فتحيي بعض آثاره التي اندثرت، وينطوي بعض شعره الذي كانت له المنزلة الأولى. 

ومن أمثلة ذلك في الشعر القصائد الكثيرة التي قيلت في المآسي الاجتماعيَّة العامَّة؛ كالتي قيلت في نكبة الأندلس، وكقصيدة ابن الرومي في مأساة البصرة. 

ولابن المعتز أرجوزة طويلة وصف فيها اضطراب الحال في عصره، وما كان يصيب الناس من مصادرة للأموال أو زجٍّ في السجون، وما كان من ضروب الاضطهاد لمختلف طبقات الشعب، وما كان يحدث من مُفاجآت ينتقل فيها ذوو النفوذ والسلطان إلى أعماق السجون، وأهل السجون إلى أعلى مقامات الدولة. 

صوَّر كل ذلك تصويراً حياً مليئاً بالحوادث والمشاهد والصور؛ ولكن هذه القصيدة لم تشتهر اشتهار سائر شعره الذي يصوِّر فيه رفاهية الأمراء والخلفاء، ونظرتهم إلى الطبيعة من خلال تلك الحياة المترفة المصطنعة. وفي شعر ابن الرومي صور ومشاهد كثيرة من الحياة الاجتماعيَّة في عصره. 

وأما النثر السياسي والاجتماعي ففي أدبنا منه الشيء الكثير؛ أذكر منه على سبيل المثال القصص الشعبية المبثوثة في كتب الجاحظ، وخطب الخوارج، ورسائل بعض الخلفاء.

وبودي الآن أن أعرض لجانب من الحياة السياسية في أدبنا هو منها في الصميم، وهو الثورة على الظلم؛ لأستعرض من آثار الأدب العربي ما يصوِّر هذا الجانب على أنَّه فكرة ومبدأ، وعلى أنَّه إحساس وعاطفة. 

وإليكم مثلاً من هذا الأدب الثائر ما قاله أحد أفراد الرعيَّة لخليفة عُرِف بالسطوة والجبروت: 

بينما المنصور يطوف ليلاً إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى الرجل ركعتين وأقبل مع الرسول فسلَّم عليه. فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع؛ فوالله لقد حشوتَ مسامعي ما أرمضني. قال يا أمير المؤمنين إن أمَّنتي على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلا احتجزت منك واقتصرت على نفسي ففيها لي شاغل. قال أنت آمن على نفسك فقل، فقال: 

إنَّ الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت. قال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي! قال: وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك! 

إنَّ الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حُجَّاباً من الجصِّ والآجر، وأبواباً من الحديد وحَجَبة معهم السلاح، ثم سجنتَ نفسك فيها عنهم، وبعثت عُمَّالك في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بألا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان – نفر سميتهم- ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير – ولا أحد إلا وله في هذا المال حق - فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت ألا يحجبوا عنك تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله تعالى فما بالنا لا نخونه، وقد سجن لنا نفسه؛ فأتمروا بألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا عابوه عندك ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره. 

فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم، فكان أول من صانعهم عُمَّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم؛ فامتلأت بلادُ الله بالطمع بغياً وفساداً، وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء مُتظلِّم حيل بينه وبين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وَجَدَك قد نهيتَ عن ذلك، وأوقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مَظْلمته إليك، فإنَّ المتظلم منه له بهم حرمة فأجابهم خوفاً منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه، فإذا أجهد وأحرج وظهرت صرخ بين يديك فضُرب ضرباً مبرحاً ليكون نكالاً لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر؛ فما بقاء الإسلام على هذا! 

وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين قدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه فبكى يوماً بكاء شديداً، فحثَّه جلساؤه على الصبر، فقال: أما إني لست أبكي البلية النازلة، في ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولم أسمع صوته، ثم قال: أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب. نادُوا في الناس ألا يَلبس ثوباً أحمر إلا مُتظلِّم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره وينظر هل يرى مظلوماً. 

فهذا يا أمير المؤمنين مُشركٌ بالله غلبت رأفته برعيَّتِه شحَّ نفسه، وأنت مؤمن بالله تعالى ثم من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم ولا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك؟

فإن كنت إنما تجمع المال لولدك قد أراك الله عبراً في الطفل يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزالُ الله يَلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولستَ بالذي تُعطي بل الله سبحانه يُعطي من يشاء ما يَشاء، وإن قلتَ إنَّما أجمع المال لتشديد السلطان فقد أراكَ الله عِبَراً في بني أميَّة ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضَّة وأعدُّوا من الرجال والسلاح والكراع حتى أراد الله بكم ما أراد. 

وإن قلت إنما أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تُدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال المنصور: لا. 

قال: فكيف تصنع بالمَلِك الذي خوَّلك مُلك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك وعملته جوارحك ونظر إليه بصرك واجترحته يداك ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب؟ 

فبكى المنصور، وقال: يا ليتني لم أخلق! ويحك فكيف أحتال لنفسي؟ 

قال: يا أمير المؤمنين إنَّ للناس أعلاماً يَفْزَعون إليهم في دينهم ويَرْضَون بهم فاجعلهم بطانتك يُرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك. 

قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك وسهِّل حُجَّابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات مما حلَّ وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة، وجاء المؤذنون فسلَّموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد. 

ليس هذا الأثر فريداً في تاريخ أدبنا، فقد جمع ابن قتيبة وهو من أبناء القرن الثالث للهجرة عدداً من هذه الآثار في فصل خاص من كتابه (عيون الأخبار)، ليس هذا الأثر إلا حلقة من سلسلة، ونتيجة لتربية شعبيَّة عامَّة جعلت الأمة تدين لعقائد لا لأشخاص، وجعلت غايتها إقامة العدل وإعلاء الحق لا تعظيم الرؤساء وإعلاء شأنهم. 

إنَّها مدرسة تخرج بها أفراد الأمة حتى صاروا يصدرون عن عقيدة لا عن منفعة، وعن عزة بالحق لا عن خضوع لنفر من الناس؛ فقد كان يرى المسلمون الأولون في خلفائهم وأمرائهم خداماً للحق وأجراء للأمَّة، إن استقاموا على ذلك أعينوا، وإن انحرفوا نُصحوا، فإن طغوا أصبح الناس في حِلٍّ من طاعتهم. 

إنَّ هذه النظرة تتجلَّى في حياة العرب في العهد الأول من ظهور الإسلام وليدة فطرة واستعداد، ونتيجة تربية وإعداد، أما الفطرة والاستعداد فقد هيَّأهم الله تعالى لها قبل الإسلام فكان في العرب شعور بالمساواة وإباء عن قبول الظلم؛ وذلك في حدود ضيِّقة من نظامهم القبلي، وأما التربية والإعداد فقد تمت خلال بضع وعشرين سنة تنزل فيها آيات الكتاب الكريم فتغذي النفوس بالمشاعر المثالية، والمقول بالأفكار التي تشعر الإنسان بكرامته وتبعثه على دفع الظلم.

إنَّ للأدب السياسي ولا سيما فكرة الثورة على الظلم صفحات مُشرقة رائعة في كتاب الله تعالى الخالد؛ فقد انبثت فكرة محاربة الظلم خلال سوره وفي ثنايا آياته، فكانت تسلك إلى الظهور سبيل تحطيم الآلهة المزيَّفة في أي صورة ظهرت، وفي فكرة تكريم بني آدم وعدم الخضوع لغير الله سبحانه، فكانت تتهاوى الأصنام وتتهافت العظمات والزعامات المتألهة الحائلة بين الإنسان والسمو إلى اللانهاية والخلود أمام عظمة الله تعالى وحده. 

وقد عرض القرآن الكريم صوراً من الحياة الاجتماعيَّة والسياسية، وكان في عرضه هذا رامياً إلى الاعتبار وتكوين الأهداف الخلقية في النفوس؛ حتى إنَّه خصَّص سورة (القصص) لفكرة واحدة هي تقويض عروش الظلم المتأله على البشر في ميدان السلطان السياسي والمالي.

ففي هذه السورة شخصيتان تمثل إحداها الحاكم المتأله أو الطاغية الذي يقيم من نفسه إلهاً للناس وهو فرعون، وتمثل الثانية المتمول الباغي الذي يتخذ كنوزه للفساد في الأرض أو البغي على الناس وهو قارون. 

وتدور السورة حول هاتين الفكرتين وهاتين الشخصيتين في أسلوب قصصي اختصَّ به القرآن، وتنتهي بتحطيمهما والوصول بهما إلى أسوأ مصير. وفي مقدمة السورة خلاصة القصَّة ونتيجتها: 

[نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ(4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)]. {القصص}. 

ثم تتوالى حوادث القصَّة مرحلة بعد مرحلة، ويبدو العمل البشري في مقاومة الظلم بظاهره القدر الإلهي حتى إذا ما كان الظلم في سكرة غروره وسخف استعلائه حتى يتحدى الخالق فيقول: [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] {القصص:38} 

ويستمر في خيال غلوائه: [وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ] {القصص:39} إذا به يفاجأ بسوء المصير: [فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] {القصص:40}.

أما الشخصيَّة الثانية التي تمثِّل طغيان الثروة وفساد الترف فإليك صورتها في هذه الآيات التي تصور غناه وبغيه، وتحكى قول الناصحين إلى جانب غروره وفساد تفكيره: 

[إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ] {القصص:76-78} 

وهذا قارون في موكبه الفخم وحديث الناس من حوله من مغترين وغير مغترين: [فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ] {القصص:79-80}.

وهذا قضاء الله في طاغية المال: [فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ] {القصص:81}. 

وأما أولئك الذين تمنَّوا مثل ثروته فكيف أصبحوا؟ [وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ] {القصص:82}.

وختمت القصتان بفكرة هي مغزاهما وفلسفتهما: 

[تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] {القصص:83} 

وتختم السورة بأروع خاتمة؛ بدعوة إلى الإعراض عن تأليه القيم الزائلة والأغراض المؤقتة الزائفة، ومن أكبرها السلطان والمال، والإيمان بإله واحد له وحدَه الخلود لا للمال الهالك، وله وحدَه الحكم لا للسلطان الزائل: [وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] {القصص:70} 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: (مجلة المسلمون، السنة الثالثة، شوال 1373 - العدد 8).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...