صراع الأجيال

صراع الأجيال

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٤ صفر ١٤٣٧ هـ - ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٥
1255

 

 

يحكي لنا التاريخ أن "صراع الأجيال" كان من أبرز أشكال الصراع اليومي في مختلف المجتمعات البشرية ، ويتظاهر هذا الصراع بمحاولات جيل الشباب للتغلب على جيل الشيوخ واحتلال مواقعهم الاجتماعية والسياسية ، وحجة الشباب في هذا الصراع أن الشيوخ يفكرون بلغة الماضي التي باتت متخلفة عن لغة العصر ، وقد تفاقمت حدة الصراع بين الجيلين في العصر الحاضر بسبب تطور وسائل الاتصال والتواصل والمعرفة الحديثة (كومبيوتر ، جوالات ، شبكات إنترنت ، فيسبوك ، تويتر ، قنوات فضائية ..) فقد نشأ الجيل الجديد من الشباب مع هذه الوسائل البديعة التي تتسم بالسرعة والدقة وغزارة المعلومات ، وأصبح يجيد التعامل معها بكفاءة عالية ، ودون حواجز ، على النقيض من الشيوخ الذين فاجأتهم هذه الوسائل المتطورة لأنها تختلف اختلافاً جذرياً عن الوسائل القديمة التي تربوا عليها وتعودوا على رتابتها وبطئها ، فهم يتعسرون باستخدام الوسائل الحديثة ولا يستطيعون مسايرة إيقاعها السريع ، وهذا ما يجعلهم يشعرون بحواجز شاهقة بينهم وبينها ، ويجعلهم يحسون بالغربة عن العصر الراهن لأن كل شيء حولهم قد تغير عما تعودوا عليه وألفوه ! وتزداد حدة هذا الصراع في نفوس الشيوخ كلما كانوا أكثر تمسكاً بتراث الماضي ( إنَّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمَّة وإنَّا على آثارهم مُقْتَدون ) سورة الزخرف 23 ، فتزداد مقاومتهم لكل جديد لأنه يسلبهم مكاسبهم الشخصية ومكانتهم الاجتماعية التي قضوا السنين الطويلة في تشكيلها . ونعتقد أن حل هذا الصراع بين الجيلين يكمن في إدراك كل منهما لهذه الحقائق ، والاتفاق على اللقاء في "نقطة وسط" يستفيد فيها الشباب من حكمة الشيوخ ، ويترك الشيوخ للشباب حرية الحركة والتصرف واتخاذ القرارات التي تناسب متغيرات العصر ، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم درساً مهماً في هذا السياق عندما سلَّم "أسامة بن زيد" رضي الله عنه قيادة الجيش المتوجه لقتال الروم في الشام ، وكان أسامة فتى صغير السن ، بينما كان بين الصحابة قادة عسكريون كبار ، فقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن المعركة مع الروم تختلف عن المعارك التي سبق أن خاضها قادته الكبار في البيئة العربية التي كان لها وسائل وتكتيكات في القتال تختلف عن وسائل وتكتيكات الروم ، كما أن الحرب مع الروم تشكل نقلة جديدة للإسلام ، فهي حرب دولية تحتاج إلى عقلية جديدة تدرك هذا البعد الاستراتيجي الجديد ، ولهذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم قائداً شاباً لتدشين المرحلة الجديدة التي ستنقل الإسلام من الإطار العربي المحدود إلى الإطار العالمي ، وقد أدرك "أسامة" بالمقابل أن لا غنى له عن رأي الشيوخ فاصطحب معه نفراً من كبار القادة ليكونوا إلى جانبه بالرأي والمشورة ، وفي هذا درس عظيم ينبغي لجيل "الربيع العربي" من الشباب أن يعوه جيداً ، فيحترموا حكمة الشيوخ ويستأنسوا برأيهم ، وعلى جيل الشيوخ بالمقابل أن يدركوا بأن العصر لم يعد عصرهم ، وأن عليهم تسليم الأمانة للشباب لأنهم أصبحوا أقدر على التعامل مع لغة العصر ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...