الجمعة، ٧ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ١٨ كانون الثاني ٢٠١٣
1490
د. محمد ياسر المسدي
مع دخول الثورة السورية المباركة شهرها الثاني والعشرين ، والتي قدَّم من خلالها الشعب السوري الحرُّ أغلى الأثمان وأرفعها ( عشرات الآلاف من الشهداء، أكثر من مليوني مُهجَّر، قتل ممنهج للأطفال والنساء والشيوخ ، هدم للمساجد ، قصف للمستشفيات والمخابز ) ، بل وصل الأمر إلى استعمال الأسلحة المحرمة دولياً عفواً ( المحرمة على غير المسلمين) كلُّ ذلك يحصل على مرأى ومسمع من العالم كله ، حتى أصبحت القضية السورية محلَّ اهتمام العالم كله ، ولكن السؤال ما هو هذا الاهتمام ؟ ، هلّ من أجل أن يثأروا لليتامى والثكالى والأرامل؟ أم ليدافعوا عن حرية التعبير وحرية اختيار الحاكم اللتين يطالب بهما الشعب السوري ؟ أم ليردعوا الظالم عن ظلمه فيحقنوا دماء هذا الشعب البريء الكريم ، أم ليطعموه من جوع ؟ ويَؤَمِّنوه من خوف ؟ أم ليضعوه في مخيمات لا تصلح حتى للحيوانات ؟! .
أسئلة كثيرة نضعها أمام المجتمع الدولي الذي يتباكى على الشعب السوري بدموع التماسيح ، وفي المقابل يُعطى مجرم العصر بشار وزبانيته الفرصة بعد الفرصة ابتداء بـ (الدابي) ، ومروراً بـ (كوفي عنان) وانتهاء بـ (الأخضر) عفواً ( الأحمر الذي امتزح اسمه بلون الدم السوري) حيث قُتِل خلال مبادراته المشؤومة ما يقارب من عشرة آلاف شخص، وشرد مئات الآلاف.
لقد علت أصوات السوريين في كل مكان باحثة عمن يوقف المجرم عن إجرامه ولو بالحظر الجوي على سوريا ، أو بإقامة منطقة عازلة ، أو على الأقل السماح بشراء سلاح نوعي ولو من جيوب الشعب ودمائه حتى يوقف قصف الطائرات والدبابات ، ولكنْ كلُّ هذا دون جدوى ، بل كلُّ هذه الاستغاثات لم تجد آذاناً صاغية ، ولا قلباً مفتوحاً ، حتى المساعدات الإغاثية والطبية إن وصلت إلى الشعب السوري فإنها تصل (بالقطارة)!!؟ حتى أصبح حالهم كما قال القائل كالمستجير من الرمضاء بالنار .
أسئلة كثيرة يطرحها المراقبون المحايدون ، ما بال المجتمع الدولي دائماً يصرِّح بتخوفه من وجود الإسلاميين في المعارضة ؟ ُثمَّ يُدِرج جبهة النصرة على لائحة الحركات الإرهابية ، ثمَّ يصرِّح بتخوفه على الأقليات غير المسلمة في سوريا ، ثم يُغيِّر معزوفته فيعلن أنه يتخوف من حرب طائفية في سوريا ، كلُّ هذه التصريحات والمجازر البشعة في حقِّ هذا الشعب العظيم مستمرة!!
ثم يتساءل المحايدون مرةأخرى : ما بال مجلس الأمن يبارك ويشجع ويؤيد العملية العسكرية على مالي ؟ وما بال المقاتلات الفرنسية تدك معاقل المسلمين ـ بسرعة منقطعة النظير ـ ثمَّ يصرح سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة بصراحة فيقول : إن جميع أعضاء مجلس الأمن عبَّروا عن دعمهم للعملية العسكرية في مالي ، وكذلك السفيرة الأمريكية سوزان رايس قالت : (إن التدخل الفرنسي استند إلى قاعدة صلبة ، ُمشِيدة بكون الفرنسيين عالجوا ولحسن الحظ التهديد الإسلامي بطريقة مهنية !!! .
كما أبدت روسيا والاتحاد الأوربي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تأييدهم للعملية العسكرية الفرنسية في مالي ، وأعربت بريطانيا وألمانيا عن استعدادهما لتقديم مساعدات تدعم تلك العملية.
أما الجزائر العربية (البلد المسلم الذي سُرقت ثورته من الإسلامين وأعطيت للعلمانيين) فقد سمحت باستخدام المقاتلات الفرنسية لأجواءها بهدف ضرب معاقل المسلمين الذين يسيطرون على شمال مالي .
كما أغلقت حدودها مع مالي !! حتى لا يجد النازحون من المدنيين ملجأ يلجأون إليه ، وقد بلغ عدد النازحين من مالي خلال ثلاثة أيام فقط عشرات الآلاف ، والمعارك ما زالت في بدايتها!!
والسؤال الأول والأخير:
لماذا هذا الاهتمام بدولة مالي ؟ لماذا في هذه الدولة بالذات ؟ ولماذا المسارعة للتدخل العسكري من فرنسا ؟ ثم مباركة المجتمع الدولي الظالم كله لهذا التدخل ، فلا فيتوا !! ولا اعتراض من أي دولة !!! ربما لأن مالي دولة مسلمة حيث نسبة المسلمين فيها تزيد عن 90% ولكن للأسف المستوى الصحي فيها متدني إلى أبعد الحدود فأكثر من 50% من حديثي الولادة يموتون فيها لسوء الخدمات الصحية ، ونسبة دخل الفرد فيها لايزيد عن 1.25دولار أمريكي .
كما أن حقوق الإنسان فيها مهدورة حسب تقرير الأمم المتحدة عام 2010 حيث وضعت مالي في آخر القائمة الصادرة عنها ، رغم أن البلد غني بالنفط والثروات المعدنية لو أُحسن الاستفادة منها .
لقد استعمر الفرنسيون مالي في نهاية القرن التاسع عشر ، ثم أطلقوا عليها اسم ( السودان الفرنسية) في 1904م ، ثم جعلوها جزءاً من الاتحاد الفرنسي في 1920م ، حتى حصلت على استقلالها عام 1960م ، ولكن للأسف كان استقلالاً ظاهراً ، فلم تخرج فرنسا من مالي حتى خلفت وراءها أذناباً لها يحكمون بأمرها ، لاهمَّ لهم إلا إرضاء سادتهم ، فرغم الثروات الكبيرة الموجودة في هذا البلد إلا أن الشعب يعيش فيه تحت خط الفقر، لم يفكر الفرنسيون ولا خلفاؤهم على مالي أن ينهضوا بالبلد أو يرفعوا من المستوى المعيشي لأبنائه خلال عشرات السنين ، وماذاك إلا ليحافظوا على مصالحهم !! ولكن ما إن شعرت فرنسا بوجود ثوار إسلاميين في مالي حتى جنَّ جنونهم وسارعوا إلى تجييش حملة عسكرية كبيرة بمباركة دولية من كلِّ الماكرين والحاقدين والمنافقين .
لماذا هذه السرعة باترى ؟ يقولون - بزعمهم - إنهم يريدون أن يحموا البلد من الإسلاميين المتشددين ، نعم ربما لانوافق هؤلاء الاسلاميين على كثير من أفكارهم وآرائهم ، ولكن نتساءلأليس هذا تدخلاً سافراً في شؤون دولة لها استقلاليتها ، ويخالف كلَّ المواثيق والأعراف الدولية .
نعم إنه الكيل بمكاييل متعددة ، فلادين وأخلاق ولاثوابت في السياسة لدى الطغاة والظالمين فهم بهذه الحملة يريدون أن يحموا مصالحهم ، ويحموا عملاءهم المتسلطين على رقاب الشعب ويقضوا على كلِّ من ينادي بدولة إسلامية ، لايهمهم أن يشرد الشعب ، وأن تسفك الدماء ، وتدمر البلاد سواء على أيديهم أم أيدي غيرهم ، المهم أن لايصل الإسلاميون إلى الحكم .
لذلك لنا الآن أن نتساءل لماذا المماطلة في نصرة الشعب السوري ؟ ؟!!
لقد صرحوا مراراً وتكراراً إنهم يخافون من أن يصل الإسلاميون إلى السلطة ، وكذلك يخافون على ربيبتهم إسرائيل التي كان بشار الأسد حامياً رئيساً لها ولأمنها، وكذلك يريدون بذلك أن يخوفوا بقية الشعوب المظلومة من أن تثور على الظالمين وتدك عروشهم العنكبوتية .
لقد آن الأوان لأولئك الناس الذين يكيلون بمكاييل متعددة أن يدركوا بأن عهد الذل والخنوع قد ولى عن الشعوب المسلمة ، فإما أن يتعاملوا مع المسملين من أصحاب الفكر المعتدل - إن صحَّ التعبير - ويعتبرونهم واقعاً لا مناص منه ، وإلا فإن السياسة الخرقاء التي يتعاملون بها مع الشعوب المسلمة لن ُتولِّد لهم إلا أناساً متشددين تجاههم ، يَقضُّون مضاجعهم ، وينسفون آمالهم ، لأنَّ كثرة الضغط تولد انفجاراً لا يمكن استيعابه بعد ذلك.
وليعلموا أيضاً بأن المستقبل لن يرحمهم أبداً فالأيام دول ، كما تدين تدان ، وإن الشعوب المسلمة لم تنس حروبهم الصليبية على بلادها ، وها هم اليوم يعيدون الكرة بأساليب حديثة ، ونحن نعلم بأنهم لن يرضوا عن المسلمين مهما عدلوا وأنصفوا وصدق قول الله تعالى فيهم : [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ] {البقرة:120}.
فالحرب التي تولوا كِبرْها مهما وضعوا لها من أقنعة فهي ضد الإسلام والمسلمين ، فإذا كانت حروبهم في الماضي صليبية فاليوم صليبية فارسية من خلفها أصابع يهودية وعقائد باطنية ، فإذا كانوا لا يرضون عنا - معشر المسلمين - فلا أقلَّ من أن يساعدوا على ردع الظالم عن ظلمه ، ولقد أدرك هذا المفهوم أهل الجاهلية الأولى فشكلوا حلف الفضول لنصرة المظلوم ، أما هم اليوم مع المظلوم ظاهراَ ونفافاً ومع الظالم فعلاً وحقيقة .
أما رسالتنا إلى الشعوب المستضعفة فهي [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران:200} . واعلموا أنكم – بعون الله وتوفيقه - وحدكم الذين ستنتزعون حريتكم وكرامتكم وسيادتكم مهما بغى الباغون وعتى الظالمون ، وأن الليل مهما طال لابدَّ له من آخر، وسيشرق معه فجر جديد بإذن الله تعالى .