يقَوْلُ اللهُ تَعَالَى: {.. مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ..}[آل عمران:152].
إنَّ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا وَحْدَهَا وَلَا يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ عَمَلَهَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَطْلُبَ الْمَرْءُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَخَيْرَ الْآخِرَةِ وَيَقُولُ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً..
فَالْإِنْسَانُ يَطْلُبُ وَيُرِيدُ بِحَسَبِ سَعَةِ مَعْرِفَتِهِ، وَعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَدَرَجَةِ إِيمَانِهِ، وَلَهُ مَا يُرِيدُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِحَسَبِ سُنَنِ اللهِ وَتَدْبِيرِهِ لِنِظَامِ هَذِهِ الْحَيَاةِ.
وَفِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ تَفْصِيلٌ وَتَقْيِيدٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [17: 18 - 21]، وعَطَاءُ الله تَعَالَى وَتَفْضِيلَهُ لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ لَا يَكُونُ جُزَافًا، بَلِ الْإِرَادَةُ تُجْرَى عَلَى السُّنَنِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا الْحِكْمَةُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [13: 8] وَلِإِرَادَةِ الْإِنْسَانِ دَخْلٌ فِي تِلْكَ السُّنَنِ وَالْمَقَادِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ وَمَنْ أَرَادَ فَاعْرِفْ قِيمَةَ إِرَادَتِكَ وَاعْرِفْ قَبْلَ ذَلِكَ قِيمَةَ نَفْسِكَ، فَلَا تَجْعَلْهَا كَنُفُوسِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَعِيشُ زَمَنًا مَحْدُودًا، ثُمَّ تَفْنَى كَأَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا.
إِنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ لِلْبَقَاءِ وَلَكَ فِي الْوُجُودِ طَوْرَانِ: طَوْرٌ عَاجِلٌ قَصِيرٌ وَهُوَ طَوْرُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَطَوْرٌ آجِلٌ أَبَدِيٌّ وَهُوَ طَوْرُ الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ، وَسَعَادَتُكَ فِي كُلٍّ مِنَ الطَّوْرَيْنِ تَابِعَةٌ لِإِرَادَتِكَ وَمَا تَوَجُّهُكَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي حَيَاتِكَ، فَأَعْمَالُ النَّاسِ مُتَشَابِهَةٌ، وَمَشَقَّتُهُمْ فِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْإِرَادَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُفَضَّلُ بِهَا إِنْسَانٌ عَلَى إِنْسَانٍ..
يُحَارِبُ قَوْمٌ حُبًّا فِي الرِّبْحِ وَالْكَسْبَ، أَوْ ضَرَاوَةً بِالْقَتْلِ وَالْفَتْكِ، فَإِذَا غَلَبُوا أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَأَهْلَكُوا الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَيُحَارِبُ آخَرُونَ دِفَاعًا عَنِ الْحَقِّ، وَإِقَامَةً لِقَوَانِينِ الْعَدْلِ، فَإِذَا غَلَبُوا عَمَّرُوا الْأَرْضَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ.. فَهَلْ يَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ، إِذَا اسْتَوَى فِي الْبِدَايَةِ الْعَمَلَانِ! وَهُمَا فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ مُتَبَايِنَانِ؟
يَكْسِبُ الرَّجُلُ طَلَبًا لِللَّذَّاتِ، وَحُبًّا فِي الشَّهَوَاتِ، فَيَغْلُو فِي الطَّمَعِ، وَيُوغِلُ فِي الْحِيَلِ، وَيَأْكُلُ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، حَتَّى يَجْمَعَ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ، فَإِذَا هُوَ يَمْنَعُ الْمَاعُونَ، وَيَدَعُ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَإِذَا سُئِلَ الْبَذْلَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كان أَشَدَّ بُخْلًا، وَأَكَزَّ يَدًا وَأَقْبَضُ كَفًّا.. وَيَكْسِبُ الرَّجُلُ طَلَبًا لِلتَّجَمُّلِ فِي مَعِيشَتِهِ، وَحُبًّا لِلْكَرَامَةِ فِي قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ، فَيُجْمِلُ فِي الطَّلَبِ، وَيَتَحَرَّى الْحَلَالَ مِنَ الرِّبْحِ، وَيَلْتَزِمُ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَيَتَوَقَّى الْغِشَّ وَالْخِيَانَةَ، ثُمَّ هُوَ يُنْفِقُ مِنْ سَعَتِهِ، فَيُوَاسِي الْبَائِسَ الْفَقِير، وَيُعِينُ الْعَاجِزَ وَالضَّعِيفَ، وَتَكُونُ لَهُ الْيَدُ فِي بِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَعَابِدِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْمَلَاجِئِ.. فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلَانِ، وَهُمَا فِي الثَّرْوَةِ سِيَّانَ ؟ وَفِي ظَاهِرَةِ الْعَمَلِ مُتَشَابِهَانِ.؟ أَم يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحُسْنِ الْإِرَادَةِ، ونبل الغاية ؟
الْإِرَادَةُ تُصَغِّرُ الْكَبِيرَ وَتُكَبِّرُ الصَّغِيرَ. وَتَرْفَعُ الْوَضِيعَ، وَتَضَعُ الرَّفِيعَ، وَبِهَا تَتَّسِعُ دَائِرَةُ وُجُودِ الشَّخْصِ حَتَّى تُحِيطَ بِكُرَةِ الْأَرْضِ، بَلْ تَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، بِمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ مَنَازِلِ الْكَرَامَةِ فِي عَالَمِ الْمَعْقُولِ وَالْأَرْوَاحِ، وَإِذَا كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ دَارَ الْبَقَاءِ فَإِنَّ وَجُودَهُ يَكُونُ كَبِيرًا بِحَسَبِ كِبَرِ إِرَادَتِهِ، وَوَاسِعًا بِسَعَةِ مَقْصِدِهِ ; وَبِذَلِكَ تَعْلُو نَفْسُهُ عَلَى نُفُوسِ مَنْ أَخْلَدُوا إِلَى الشَّهَوَاتِ، وَكَأَنَّ حَظَّهُمْ مِنْ عِلْمِهِمْ كَحَظِّ الْحَشَرَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ: أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَسِفَادٌ، وَبَغْيٌ مِنَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.
قِسْ عَلَى هَذَا وُجُودَ مَنْ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الْقُرْبَ مِنَ اللهِ وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ وَالتَّحَقُّقَ بِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، الْقُرْبَ مِنَ الْوَاسِعِ الْعَلِيمِ، الْخَلَّاقَ الْحَكِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسَعَةِ الْقَلْبِ، وَبَسْطَةِ الْعِلْمِ، وَإِقَامَةِ النِّظَامِ وَالْحِكْمَةِ، وَنَصْبِ مِيزَانِ الْعَدْلِ، وَبَسْطِ بِسَاطِ الرَّحْمَةِ، أَلَّا تَرَاهُ يَكُونُ أَشْرَفَ وُجُودٍ بَشَرِيٍّ وَأَعْلَاهُ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ وَسُنَنِ اللهِ ؟
إِنَّ رَبَّ الْعِزَّةِ جلّت حكمته قَدْ جَعَلَ عَطَاءَهُ لِلنَّاسِ مُعَلَّقًا عَلَى إِرَادَتِهِمْ وصدقهم، واجتهادهم في العمل، وَلَا يُقَدِّرُ هَذَا حَقَّ قَدْرِهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، إذ أكثر الناس يحلمون بالأماني دون عمل..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


