إن ظروف نشأة الفكر العَلماني، والاتجاه نحو النفور من الدين ، وإبعاده عن تنظيم شؤون الحياة، والتي نشأت في أوروبا لا تنطبق على الإسلام والمجتمعات الإسلامية، وذلك لأنه - بحمد الله - ليس في الإسلام تحريف في مصدر عقيدته ، وليس فيه كهنوت، ولا واسطة بين الخالق وخلقه، وأنه لا عصمة لأحد إلا للرسل - عليهم الصلاة والسلام، ولا يحارب العلم والعلماء ، بل هو دين العلم ، والرقي والحضارة، وتعاليم الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.
ولو حاولنا التبحر قليلا في أسباب نشأة هذا الفكر لوجدنا أن أهمها:
1- نفور المفكرين من الكنيسة ورجالها، وإبعادهم الدين عن حياتهم هو: التحرف الذي وقع في العهد القديم (التوراه) والعهد الجديد (الانجليل)، حتى لا تكاد أثرا لكلام الله فيه، فكان أكثر ما فيهما من زيادات رجال الكنيسة وأحبار اليهود، فأدى إلى التحريف في أصول الدين، فكانت النظرة التي قدمتها الكنيسة عن الله والأنبياء لا يقبلها عاقل، فربٌّ والعياذ بالله يأكل ويلطم نفسه ويندم ويتعب، وعاجز يصارع يعقوب فيُغلب، وأنبياء أطهار تشوه صورتهم بالزنا في محارمهم والتعري وشرب الخمور والشذوذ.
2- تسلط رجال الكنيسة وفرض آرائهم البشرية لقضايا علمية وكونية، ولصقها بالدين، وفرضها باسم الإله، وقتل العلماء المخالفين لهذه الآراء،
3- جعل رجال الكنيسة من أنفسهم وسطاء بينهم وبين الله، فلا تقبل التوبة إلا عن طريقهم والجلوس على كرسي الاعتراف) والحصول على صكوك الغفران.
فقامت الحرب على الكنيسة ورجالها، وأخذت مراحل متعددة، فمرت بثلاث مراحل:
1- الأولى: تميزت بنقد اللاهوت المسيحي على يد بعض مفكري الغرب بدءا من سبينوزا وانتهاء بنيتشه مرورا بفولتير وديدرو وروسو وكانط وهيغل ماركس وفويرباخ
2- الثانية: اهتمت بتفكيك الأنظمة الفلسفية الكبرى التي شيدت في المرحلة الأولى وكان مدشن هذه الحركة التفكيكية الكبرى وميشال فوكو وجيل ديلوز وجاك دريدا، وفوكو
3-الثالثة: جرى تكنيس المفكرين السابقين من قبل هابرماس و جان مارك فيري وجماعته الذين دعوا للعودة إلى فلسفة الأنوار.
وكما رأينا كلما جاء جيل من المفكرين يلغي فلسفة الآخر ونظرته للدين.
وللأسف هناك من مثقفي هذه الأمة ومفكريها من يدعونا للقيام بالإصلاح الديني ، والنقد لتعاليم القرآن كما فعل مفكرو الغرب، ونسي هؤلاء المساكين ثلاثة أمور:
1- أن الإسلام هو الدين الخاتم الذي قال الله عنه : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) ، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ).
2- وتناسوا أن أساس الإسلام القرآن الكريم تولى الله بحفظه بنفسه عندما قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وشيد أركان هذا الكتاب المنزل (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ? تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).
3- غاب عنهم أن الله هيأ من العلماء الثقات، والحفاظ النابهين لوضع قواعد رائعة، وضوابط دقيقة للحفاظ على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، ما عرفت البشرية أروع ولا أدق منها توثيقا وأمانة.
فديننا الإسلامي بمصدريه الكتاب والسنة أسمى من أن يصبح ألعوبة، أن يكون مسرحا للتغيير والتبديل لمن شاء تحت مسميات الفكر والتجديد وحرية الفكر.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


