
سيذكر التاريخ
مجاهد مأمون ديرانية
من حق إخواننا ثوار القصير الأبطال أن يُخفوا عنا أخبارهم وتحركاتهم فلا يذيعوها على الملأ، ولكن من حق ملايين المحبّين والمتابعين والمشفقين الذين صرّموا الليالي المتتاليات بالقلق والدعاء، من حق هؤلاء جميعاً كذلك أن يسمعوا ما يطمئنهم من أخبار.
ذات يوم ستُروى ملحمة القصير بالتفصيل. في ذلك اليوم سيطّلع الناس على فصل جديد من كتاب الثورة السورية المجيد، ولسوف يقرؤون فيه تفاصيل الصبر والصمود، ويقرؤون قصص التضحية والإيثار، ويقرؤون عن ألف مجاهد صمدوا الأيامَ الطوال بأقل السلاح وأضعفه في وجه عشرة آلاف من الغزاة المجرمين المدعومين بالدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ.
وأهم من ذلك كله: سيقرؤون القصة العظيمة العجيبة، قصة البطولة والرجولة والفداء، قصة انسحاب مئات قليلة من المقاتلين مع أربعين ألفاً من المدنيين وهم يحملون آلافاً من الجرحى والمصابين. الحمد لله، وليطمئنّ المحبون المشفقون: لقد انسحب المجاهدون مع المدنيين والجرحى والمصابين بأمان، انسحبوا بعدما أثخنوا في العدو وبعدما جرّعوا الغزاة ويلات لن ينسوا مرارتها في العدد العديد من السنين.
نعم، لقد فقدنا جزءاً كبيراً من القصير، وربما فقدناها كلها، ولكن المعركة لم تنتهِ، إنما انتهى فصل واحد من فصولها والآتياتُ كثير. إن الحرب كَرّ وفَرّ والأرض تُتَداوَل بين الناس، وها هم المجاهدون يعيدون اليوم تنظيم صفوفهم، وإنهم غداً الكُرّار إن شاء الله، ولسوف يسترجعون ما فقدوه من مدينتهم بإذن الله، وسيذهب الغزاة إلى مقبرة الأرض ومزبلة التاريخ ثم إلى نار الجحيم.
ولكن ليعلم الناس: لم يشترك حزب الشيطان ونظام الاحتلال فقط في الحرب على القصير، بل إن العالم كله تآمر عليها وأراد لها السقوط. نعم، لقد حرص الأميركيون والأوربيون والروس والإيرانيون على سقوط القصير في هذا الوقت بالذات، لكي يذهب النظام إلى جنيف قوياً وتذهب المعارضة ضعيفة جاهزة للركوع والخضوع.
فإذا كان غزو القصير مؤامرة صنعتها أيدي الأعداء فإنها لن تتم ولن تستكمل فصولَها إلا بأيدي قوم منا ينطقون باسمنا ويزعمون تمثيلنا، فإنّا نقولها اليوم بالصوت العالي ليسمعها مَن لم يسمعها من قبل: لا يمثلنا وليس منا مَن يجلس مع الجلاد للحوار. لا يمثلنا وليس منا من يطيع أوامر المستعمرين ويستجيب لإملاءات المتآمرين. لا يمثلنا وليس منا من يشارك في مؤتمر الخيانة والعار والاستسلام.