الحمد لله الذي كتب النصر في السماء يَنصرُ من يشاء، ويمنُّ على الضعفاء، وَيجْعَلُهُم أَئِمَّةً وَارِثِين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام الأتقياء، المشهور بالعطاء والسخاء، وعلى آله وصحبه ذوي التضحية والفداء .
حياكم الله وبياكم، وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم، أحييكم بتحية معطرة بدماء الشهداء، والأطفال الأبرياء، والثَّكالى والأرامل من النساء، وأنقل لكم التحية من أهلنا في سوريا بقلوبهم الطيبة وبوجوههم المشرقة، عيونهم مُلئت بدموع الصبر، وعلى شفاههم بسمة الأمل، وأيديهم منهمكة في الجِدِّ والعمل .
ماكان لعاقل أن يتخيل الحال الذي وصلنا إليه، ولربما الكلمات تعجز عن وصف مصائبنا وجراحنا، وبالمقابل أيضا فإن تضحيةَ شعبنا وبذلَه وعطاءَه وصمودَه حيَّرت العالم كلَّه!!، أتدرون لماذا؟ لأننا أصحابُ قضية عادلة، أصحابُ حق ودعاةُ كرامة وهداية، ودائماً كلمة الحق صارخة...مدوِّية...مجلجلة، وحقَّ لنا أن تعلوَ أصواتنا لِتُسمعَ العالم كلّه قضيةَ شعبٍ قاوم الطغيان وسعى لبناء الإنسان، وشيَّد في سبيل ذلك أعظم بنيان .
قُرابة ثلاثةِ أعوام وفي كلِّ يومٍ يزداد السَّفك والحقد والانتقام، يَخالُون أن إرهابهم سيوهن عزائِمنا وأنَّ بطشهم سيحول دون مطالبنا، كلَّا والله...فإنَّا بذلك منتصرون، وعلى العهد باقون، ولن تحول قوى الأرض دون كرامتنا؛ لأن قوة السماء تُمِدُّنا وتكلؤنا، وإذا كان الله معنا فمن علينا، وبشرِّ الصابرين .
لقد كانت أول كلماتنا في هذه الثورة : (هِيَ لله) و (مالنا غيرك يا الله)، وسيبقى هذا الشعار مرفوعاً في الصدور وعلى السطور، ولانريد لطرف خارجي أن يمنَّ علينا بنصرٍ بُني على تضحية شعب وكان زاده الثبات ولحمته العطاء، ولانريد أيضا من الضعفاء منَّا أن يتعلقوا أو يتطلعوا إلى سوى باب الله، لأن النصر من عند الله، "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، فإيَّاه نستعين ومددَه نسأل، ولا يفرح المؤمنون إلا بنصر الله وتطمئنُّ قلوبهم به، ألا إن نصر الله قريب .
إن الثمن الذي دُفع مقابل هذه القضية باهظ جدا، وعليه فإننا كسوريين نطمح إلى سوريا المستقبل، دولةَ العدل والقانون، دولةً قِوامها المؤسسات، دولةً تعطي كلَّ ذي حقٍ حقه، دولة الرقي والحضارة والريادة، كلُّ ذلك وِفق منهج الله الثابت، الذي لا يزيغ عنه إلا هالك . لانريد تبعيةً لأحد، فسوريا قوية بأبنائها العظام، ولقد رأينا في العقود التي مضت ما يكفي من المكر والخديعة باسم التودد والإخاء .
لقد آن لهذا الشعب أن يَرفُلَ بثوبِ الحرية الحقيقية، وأن يَنعمَ بكرامته الرَّبانية، وأن يتنفس رياح الطمأنينة والأمان، وأن يضع الظلم والاستبداد تحت قدمه من أي شخص كان، فلقد رأى من الظلم والهوان مالو صبَّ على الأيام لصِرن لياليَ . وهو ماضحَّى إلا من أجل ذلك؛ من أجل أن يكون عبداً لله ولا أحدَ سواه .
نتطلع إلى سوريا الجديدة وهي مبنية بسواعد أبنائها، وهي تنتظر الجميع وتقولُ لهم: اعملوا فسأرى عملَكم، وتناشدهم الله والرحمَ أن يكفوا عن النزاع والخصام وكثرة الكلام، فخيرُكم من كفَّ فكَّه وفكَّ كفَّهُ.
إنَّ أكثر مرض نعانيه اليوم؛ هو مرض الأنا وبروز الذات، وكلٌ يدعي حرصا على ليلى، وليلى مضنَّاة بذاك، سوريا تدعو الجميع -باستثناء أهل الباطل وأشياعهم فأولئك تدعوا عليهم- لأن يذيبوا فرديتهم وتعنتهم وأن يمدوا فيما بينهم جسور التعاون والتكامل وأن يكونوا يداً واحدةً معطاءةً خيِّرة، ولا بأس أيها الإخوة من أن يتهمَّ كلٌ منا نفسه ويسائلها ويراجعها ويحاسبها، لأننا موقوفون غدا ومسؤولون عما قدمناه، والجزاءُ من جنس العمل إنْ خَيراً فخير وإنْ شَرَّاً فشرّ .
لا ننكر الأخطاء بل نقومها بالنصح والعمل، ولا نغض الطرف عن التجاوزات بل نحاسب كل من يتهاون بالدماء والتضحيات ويبني لنفسه أمجاداً وفخاراً على أكتاف المخلصين والجادين، أيها الإخوة لم يعد في سوريا مكان للمتسلطين أو لمن يظنون أن المنصب مصدر رفعة أو عز، لا...أبداً، وعلى الجميع أن يعلموا أن سيِّدَ القوم خادِمُهم وأنه يسعى بذمتهم أدناهم، ولا فرق بين أبناء سوريا فهم نسيج واحد وسبيقون النموذج الرائد، كلنا أبناء سوريا؛ وإنَّ أكرمَ أبنائها هم بُناتها الذين يجدِّون ويحفدون في سبيل الله، وسبيله سعادة الإنسان وبناء الأوطان ورضا الرحمن، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
أنتهزها فرصة هنا لأوجه رسالة شكر إلى السوريين المغتربين وهم يشاركون أهلهم في الداخل اللوعة والألم، ويبذلون في سبيل ذلك الجهد والوقت والمال، وإن علينا جميعا أن نكثر من عقد مثل هذا اللقاء في مختلف الدول لأنه يسهم ولا شك في نصرة شعبنا مادياً ومعنوياً، ويحمل رسالة واضحة للداخل أنَّ أخوةً لكم هنا لم ولن يغفلوا عنكم . وأدعو أيضا من خلال هذا المنبر إلى تشكيل خلايا إعلامية نشطة باللغة الألمانية وبجميع اللغات لتعريف العالم الغربي حقيقة الصراع في سوريا، وأنها معركة بين الحق والباطل، بين شعب طمح لكرامته وحريته وإذا به أمام نظام غاشم فاجر يحمل كل معاني الظلم والطغيان، خاصة وقد شاع مؤخرا في الأوساط والإعلام أنها حرب أهلية وطائفية، وهذا محض افتراء أنفق النظام الكثير ليروج لهذه الأفكار، وأغرى البلهاء ليصدقوا هذا النفث ويبثوه . إنها مسؤولية كل فرد منا هنا أن يزُودَ عن ذلك بما استطاع وربما يكون ذلك أضعف الإيمان .
أشكر من نظم هذا اللقاء ودعا إليه، وكذلك أشكر كل الشعوب التي وقفت معنا وساندتنا وأخص أخوتنا الأتراك والألمان . وأسأل الله أن يفرج عنا ويرحمنا ويتولانا .