كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد خوض معركة كتم سر اتجاهه الذي يسعى إليه حتى عن أقرب النّاس إليه ليُفاجئ الأعداء بهجومه، وهو هدف يحاول كبار القادة أن يتمثلوه حتى الآن، فكان النّبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد أن يَغْزُو غزوةً وُرَّى بغيرها". أي أظهر غير ما يُريد.
فليس كل ما يُعرف يقال، يقول الله تعالى: (وإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَو الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ). النساء : 83
تفشى عدم كتمان الأسرار العامة والخاصة، والحديث عنها عند القريب والبعيد ينتج عنه أذى للمجاهدين, وأهاليهم, وللذين يأوون وينصرون.
فكم من مهمة تعطّل تحقيقها وذهبت أدراج الرياح بسبب بسيط ألا وهو: انتشار خبرها بشكل مريع فظيع، وكم من إخوة مجاهدين تأذوا بسبب فشو سر.
لقد ابتكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الرسائل المكتومة المكتوبة للمحافظة على الكتمان الشديد،
ولحرمان أعداء المسلمين من الحصول على المعلومات التي تفيدهم عن تحركات المسلمين، بعث النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم سرية من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي للقيام بواجبات استطلاعية، وتوجهت تلك السرية نحو هدفها ومع قائدها رسالة (مكتومة) أمره الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يفتحها إلا بعد يومين من مسيره فإذا فتحها وفهم ما فيها مضى في تنفيذها غير مستكره أحدا من أفراد قوته على مرافقته. و كان مضمون تلك الرسالة: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نحلة
- مكان بين مكة والطائف - فترصد بها قريشا وتعلم من أخبارها"، وبعد يومين من مسيرة عبد الله بن جحش عن قاعدة المسلمين بالمدينة المنورة، فضَّ تلك الرسالة (المكتومة) وأطلع رجاله على كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يستكره أحدا منهم على مرافقته، فلم يتخلف رجل من رجاله، وسارعوا إلى تنفيذها سمعا وطاعة.
وهنا إشارة وددت ذكرها مع هذا الدرس النبوي من سيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم, هل يسير تنفيذ أعمالنا العسكرية خصوصا ومهامنا الجهادية عموما على وفق ما تم مع عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه!!!
أخي المجاهد:
الواجب عليك أن تحترس ما استطعت في كتمان سرك في حربك، فإن في ذلك بإذن الله إمضاء تدبيرك
واكفف لسانك عن فلتة كل منطق ينكشف به ما تضمر من أمرك أو تخفيه من سرك.
واعلم أنه قد يستدل بلحن المنطق على حصون السر ومكنون الضمير.
ولاتستهن في إظهار سرّك بصغير لصغره ولا بأعجميّ لعجمته، فربّ سرّ مصون قد أذاعوه واطلعوا عليه.
فالواجب ترسيخ وتقرير الكتمان في نفوس الاخوة المجاهدين - يحفظهم الله - وأن نتعاون جميعا في إخفاء أسرار جهادنا عن أعدائنا، وأن لا نتحرج في عدم الإجابة عن أسئلة متعلقة بأسرار سواء كانت أسرارا سمعناها أو ائتمنا عليها أو مهاما كلفنا بها، حتى ولو كان السائل من أقرب الناس إلينا؟
اخواني: أحيانا إذا سَألك أحدهم أسئلة تعلقت بأسرار، وتعاملت مع الذي سأل بعدم الإجابة وعملت بالآداب الشرعية، ربما شنع عليك، واتهمك بالتكلف وإخفاء ما هو معلوم - حسب زعمه – فاعلم: أن الأصل عدم الإجابة والبوح بشيء من ذلك ولو كان الأمر مذاعا معلوما، فهي أمانة ولا يهمك إن كان الأمر شائعا أو غير شائع! فلا تزر وازرة وزر أخرى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان, فالمجالس بالأمانة, كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع.
الله تعالى يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
غفر الله لنا تقصيرنا, ونصرنا على عدونا.