[الأمم العظيمة لا تُهزم من الخارج، حتى يتمَّ تفكيكها من الداخل]، تعدَّدت عبارات العلماء وصياغات المفكرين من الشرق والغرب بهذا الشأن، لكنَّ المضمونَ واحد.
كثيرًا ما نميل في تفسير سقوط الدول والحضارات إلى العوامل الخارجية: الغزو، الاحتلال، المؤامرات، أو تفوق الأعداء. لكن هذا التفسير – وإن كان ينضوي على شيءٍ من الحقيقة – يُغفل جانبًا هو الأعمق والأخطر: وهو الانهيار الداخلي للأمة.
فالأمم لا تُهزم في العادة من خارجها، ما لم تكن قد انهزمت من داخلها أولًا.
وسنن الله تعالى لا تحابي أحدًا، والبداية دائما من النفس، قال ربنا سبحانه: {إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، وقد تكلم أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" عند تفسير الآية الكريمة عن فساد الداخل، وأوضح أنه سبب رئيس في تسليط العدو الخارجي أو في زوال النعم، قال: "إنَّ سنن الله في الخلق قائمة على أنَّ الفساد من الناس أولًا، ثم يأتي العقاب من الخارج".
فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من النفس، والفكر، والسلوك، والنظام القيمي والاجتماعي، أما من ينتظر أن تتغير أحوالُه دون أن يُغيِّرَ ما في داخله، فقد أخطأ فهمَ سُنن الله في الكون.
وينبهنا ابنُ خلدون، في مقدمته الشهيرة، إلى أنَّ للدول أعمارًا وأطوارًا، تبدأ بالنشأة ثم الازدهار، ثم تعصف بها عوامل الوهن، وعلى رأسها الترف والفساد والاستبداد.
قال: "إذا استحكمت طبيعةُ الترف في الدولة، فإنها تقود إلى الانهيار من داخلها".
فهو يؤصِّل لهذه القاعدة التي تُقرر أنَّ الدول تنهار بسبب عوامل داخلية كالترف والفساد، والظلم والاستبداد، وحين تُصابُ الدولة بهذه الأسقام، لا تعود قادرةً على مقاومة الخطر الخارجي.
وهكذا، فالهزيمة تبدأ من الداخل، أما الأعداء فليسوا سوى أدوات في يد سنة الله التي لا تتبدل.
ومعلوم أنَّ الجراثيم لا تهاجم الجسمَ وتفتك به إلا عندما يضعف جهاز المناعة لديه ويفقد قدرته على المقاومة.
وهذا المعنى عينه نجده عند مالك بن نبي، حين قرَّر قاعدةً أصبحت مبدأً في الفكر الحضاري: "الاستعمار لا يتسلّط على شعبٍ إلا إذا كان هذا الشعبُ قابلًا للاستعمار". فهو يُحمِّل مسؤوليةَ سقوط الأمة على القابلية الذاتية للضعف والانقسام، لا على قوة المستعمر فحسب.
فحينما تنهار القيم في مجتمع ما، وتفقد الأمةُ وحدتها، وتُستباح فيه الكرامة، ويُغيب العدل، وتُستبدل الكفاءة بالولاء، فإنَّ الجسم الاجتماعي يُصاب بالهشاشة، ويصبح في وضع قابل للكسر عند أول صدمة.
وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة على ذلك؛ فغزو المغول للخلافة العباسية لم يكن إلا تتويجًا لقرون من التمزُّق والانحلال.
وسقوط الأندلس لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجةً لتشرذُم الدويلات وتنازع الأمراء على مصالحهم الضيِّقة.
حتى في الفكر الغربي، نجد قادةً كبارًا أقرُّوا بهذه القاعدة.
قال أبراهام لنكولن: "إذا دُمّرت أمريكا فسيكون ذلك من الداخل، لا من الخارج".
وقال تشرشل: "قوة أيِّ أمةٍ لا تُهزم من الخارج، إلا إذا انهارت من الداخل".
الخلاصة ..
إنَّ واجب النهوض لا يبدأ من خارج حدود الأمة، بل من داخلها: من الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع، فالدولة.
والأمة التي تُحصِّن نفسها من عوامل التفكك والانقسام والظلم، تبقى متماسكة، وتكون عصيةً على الانكسار، مهما تكاثرت عليها الأعداء، أما التي تُهمل الداخل بتضييعها للقيم الإيمانية والأخلاقية، فستجد نفسها ذات يوم آيلةً إلى الاندثار والاضمحلال، ولا ينفعها حينئذ ملامةٌ ولا ندامة.
بقلم: د. جمال الباشا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


