سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((8)) سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((8)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٠ رجب ١٤٤٧ هـ - ٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
62

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((8))

سورة البقرة - الدرس (6)


تكلمنا سابقاً عن أبرز موضوعات الأحكام الشرعية في هذه السورة، ونكمل هذا الموضوع فيما يأتي:

13. حرمة أكل أموال الناس بالباطل:
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)﴾ أي: ولا يأكل بعضكم أموال بعض بالظلم وشهادة الزور والغصب والنهب والسرقة والربا وكل الأكساب الخبيثة مع علمكم بذلك، وكذلك إعطاء القضاة والحكام الرشوة ليحكموا بالباطل ويتوصلوا بذلك إلى أموال غيرهم، من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى لآكليه، فإن القاضي إذا حكم لامرئٍ بشيءٍ ما _والمرءُ يعلم أنّه على باطلٍ_ فلا يحل له أخذه؛ لأنّ الحرام لا يصير حلالًا بالقضاء(1).
سبب نزول: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وكانا قد اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض، فأراد أحدهما أن يحلف على أرض أخيه بالكذب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا أَنَا ‌بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ ‌تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ ‌بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))(2).

14. من أحكام الحج:
الحجُّ هو: الركن الخامس من أركان الإسلام الأساسية التي بها يتحقق استسلام العبد وخضوعه لربه تعالى، ويمتاز أنه جامعٌ لِما تضمّنته الأركان الأخرى؛ فهو عبادةٌ بدنية كالصلاة والصيام، وعبادة مالية يشبه الزكاة لما يتطلبه من الإنفاق في سبيل الله تعالى، وهو أيضاً مجاهدة للنفس والبدن يشبه الجهاد في سبيل الله تعالى _ للنساء خاصة_ (3).
ومن أبرز حِكَمِه: أنّ فيه مساواة كاملة بين الحجاج، فلا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى، وهو تدريب سنوي في مؤتمر سنوي يأتي إليه الملايين من أمة الإسلام ويقومون بعبادتهم الدينية، ورياضتهم الروحية، فيلتقون في صعيد عرفات على رباط الإيمان، ويتشاورون في أمورهم، ويتعاطفون ويتعاونون دينيّاً واجتماعيّاً واقتصادياً وسياسياً، فيشهدون المنافع الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 27-28].(4)
تعريف الحج: لغة: القصد إلى معظم، واصطلاحًا: هو قصدُ البيتِ العتيق في زمانٍ مخصوص، لأداء أفعالٍ مخصوصة، كالطّوافِ والسّعيِ والوقوف مُحْرِمًا بنية الحج، وذلك بشروطٍ مخصوصة، في أشهر الحج وهي شوّال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة عند الجمهور وعند المالكية شهر ذي الحجة كله (5).
فرضية الحج: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وهي صيغة إلزام وإيجاب تدلّ على الفرضية، وذلك ثابت بالكتاب _كما مرّ في الآية آنفاً_ وفي السنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ: قدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَحُجُّوا))، فَقالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حتَّى قالَهَا ثَلَاثًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ((لو قُلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ))(6).
وأما الإجماع: فقد انعقد منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا على أن الحج فريضة محكمة على كل مستطيع في العمر مرةً واحدةً(7).



هوامش:
(1) ينظر: تفسير البغوي: 1/159، والإكليل في استنباط التنزيل: 43، وأيسر التفاسير للجزائري: 1/169.
(2) صحيح البخاري: كتاب الأحكام، باب: موعظة الإمام للخصوم، رقم: (6748) ، عن أم سلمة رضي الله عنها. وينظر أسباب النزول للواحدي: 1/28.
(3) الحج على المذاهب الأربعة، للدكتور نور الدين عتر: ص11.
(4) الإسلام الدين الفطري الأبدي، مبشر الطرازي الحسيني: 2/31-33.
(5) التعريفات للجرجاني: 82، والمغني لابن قدامة: 3/217، والإكليل في استنباط التنزيل: 32، والموسوعة الفقهية الكويتية: 30/314.
(6) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، بَاب فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ: (1337)، والنسائي: (2619).
(7) الحج للدكتور العتر: ص 12.


بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...