سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((46))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((46)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٠ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
29

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((46))

سورة البقرة - الدرس (44)
من أصول العقيدة في سورة البقرة


بسم الله الرحمن الرحيم
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
نتناول في هذا الدرس الحديث عن أمرين "الإيمان والغيب":


أولاً: الإيمان.
إن سورة البقرة المدنية قد تعرضت لقضية الإيمان بحوالي ثلاثين آية قرآنية؛ للتركيز على أهميته في كل جانب عقدي أو تشريعي، وكان هذا الأساس بمعناه واضحاً في آيات أخرى من السورة نفسها.
فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ...﴾ أي: إنهم يستمرون ويواصلون الثبات على هذا الإيمان، لأنه هو الفارق بين المؤمن والكافر، وهو الحقيقة العظمى التي يسلّم المؤمن فيها أمره إلى الله تعالى، ولا يخشى سواه.
وبذلك يشعر بالطمأنينة والسعادة، بعكس المنكر لهذا الإيمان الذي يعيش في ضَنَكٍ وشقاء كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]، ولذلك خص الله جل جلاله الذين آمنوا بالغيب بذلك تشريفاً لهم(1).


*فما تعريف الإيمان؟
_ الإيمان لغةً هو: التصديق المحض، لقوله تعالى إخباراً عن إخوة يوسف عندما قالوا لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: 17]، أي: مصدّق لنا.
_ أما في الشرع فهو: "الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان"، أي: هو الكلمة الجامعة للأركان الستة التي تشمل الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من جزاء وحساب، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، مع تصديقه وتوثيقه بالعمل والسلوك(2)، فهذا هو الإيمان الحق.
وقد اختصر الإمام ابن حجر العسقلاني _شارح صحيح البخاري_ البيان عن الإيمان بأنه لغةً هو: التصديق، وشرعاً: تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به عن ربه، وقال: هذا هو القدر المتفق عليه(3).


*ما أهمية الإيمان للإنسان؟
وأما عن أهمية هذا الإيمان، فإنه لا يخفى على أحد عظيم قدره ودوره في حياة المسلم، فهو العروة الوثقى وأهم الأصول العقدية والعملية.
وهو لب القرآن العزيز، حيث ذكر اسمَه تعالى فيه (2697) مرة، وهو بالنسبة لبقية الأصول والفروع كأصل الشجرة.
وهو قاعدة الدين، لأنه كلما كان حظ المؤمن منه عظيماً؛ كان في الإسلام كبيراً(4).
ومن هنا ندرك أن الحياة بلا إيمان _كما يقول الماديون_ مضطربةً تائهة،
يسير الناس فيها إلى الضياع بل الفناء، قال إقبال:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان … ولا دنيا لمن لم يحيِ دينا
ومن رضي الحياة بغير دين … فقد جعل الفناء له قرينا
(5).


هذا وسنفصل الكلام عن الإيمان لاحقاً.

ثانياً: الغيب.
*ما مفهوم الغيب وحقيقة الإيمان به عند أهل العلم؟ وما أهميته؟
أما عن ذكر الإيمان بالغيب الذي جاء أول وصفٍ للمتقين في أول سورة بعد الفاتحة، للعناية به فقد ورد في القرآن (60) بمشتقاته مرة، وإن تعريفه على ما يأتي:
أ_ في اللغة: الغيب: هو ما توارى واستتر عن العيون والحواس، فكل ما غاب عن الأبصار _وإن كان محصَّلاً في القلوب_ فهو غيب(6).
ب_ اِصطلاحاً: هو كل ما أخبر الله تعالى عنه والرسول ﷺ مما لا يقع تحت الحس مثل عالم الشهادة، ولا تدركه العقول كالغيبيات الإلهية والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والجنة والنار(7)، وما يتبع ذلك ويشبهه.
وعلى ذلك؛ فإن الإيمان بالغيب هو المدخل الأساسي للتصديق بكل ما وراء عالم الشهادة المادي المحسوس، ومن يعتقد أنه ليس وراء عالم المادة عالَم آخر، فقد راضَ نفسه على الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله تعالى وعالم الآخرة؛ وذلك كما كان حال الماديين المسمَّون بالدهريين الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24] (8).
ولذلك كان الإيمان بالغيب عند العرب الذين أسلموا _كالصحابة وغيرهم_ هو المراد هنا في آية: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وهو القول الراجح من التفسير(9)، وليس المقصود أهل الكتاب الذين نزلت فيهم الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]، وهؤلاء كذلك على هدى من ربهم، لأن الفريقين كانوا مؤمنين بالغيب.
وعن عبد الرحمن بن يزيد التابعي، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فذكرنا أصحاب رسول الله ﷺ وما سبقونا به فقال: «إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهُ غَيْرُهُ، مَا آمَنَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانٍ قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ» ثُمَّ قَرَأَ أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ (10). وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولذلك فإن الله تعالى قد أخبرنا بجزاءٍ خاص لكل من آمن بالغيب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
وقد أورد ابن كثير أحاديث عديدة عنه ﷺ تُفرح المؤمن لعمله الصالحات، مبيِّناً أجرهم الجزيل، منها: أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ: هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: ((نعم، قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني))، رواه أحمد(11).
وهكذا فالفضل في الإيمان بالغيب لمن يؤمن بما لا يراه ويصدّقه، وهذا ما يتميّز به المتقون(12).
ولكن يجب أن يُنتبه أن هذا التفاضل بالأجر على الصحابة رضي الله عنهم من هذه الحيثية فقط، وليس تفضيلاً مطلقاً(13)، فطوبى لمن اختص بهذه المنقبة من المؤمنين القانتين. وبرحى للذين لا يحكمون إلا العقل المحدود، ظانّين أن بإمكانه أن يعرف المطلق اللامحدود!، وهو الله سبحانه وتعالى، فلا يؤمنون به لأنهم لم يروه، ولم يتفكروا في آثاره في الكون كله.
فهل نناقشهم بالروح التي لا يمكن لأحد إنكارها، أو بالعقل الذي لم يروه، أو بالهواء الذي يتنفّسونه، أو بالكهرباء أو أو أو بالأشياء التي هدى الله تعالى إلى كشفها بعدما كانت مغيّبة، في عالم الطب من ملايين العمليات الراهنة، أو بالذرة وتكويناتها وأثرها، وكلها كانت مغيبة، أو بعالم الحيوان والنبات بل والجماد وما وراء الطبيعة... مما يطول البحث فيه، وقد أدّى إلى دخول مفكرين غربيين في الإسلام(14).
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].


فهل سيهتدي المخالفون إلى معرفة آثار الإيمان بالغيب من:
_ارتفاع أفق المؤمن من المدى الضيق إلى المدى الأوسع في الزمان والمكان.
_ وأنه بمراقبة الله تعالى ينتشر السلم الأهلي في البشرية، والسلم المجتمعي والدولي.
_ وأنه يعمل على ترسيخ العدل والأمانة، ويهذّب الأخلاق والمعاملات.
_ يدفع للإيجابية في العمل وهجر الكسل الذي يؤدي إلى تردّي الإنتاج.
_ يزرع الطمأنينة والسكينة في القلب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].

***



هوامش:
(1) ينظر: تفسير البغوي ١/ ٦٠_61، مختصر الخازن: ١/ ٣٢.
(2) تفسير الطبري بتهذيب د. صلاح الخالدي ١/ ١٠٤.
(3) ينظر: فتح الباري ١/ ٤٦.
(4) ينظر: العقيدة في الله، ص ٢٧، لعمر سليمان الأشقر.
(5) ديوان إقبال: في قصيدة شكوى: ص103.
(6) ينظر: مقاييس اللغة لابن فارس ٤/ ٤٣٥.
(7) ينظر: تفسير ابن كثير ١/ ١٦٤، وتفسير القرطبي ١/ ١٦٣.
(8) ينظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ١/23.
(9) ينظر: تفسير الطبري ١/104، بتهذيب الخالدي.
(10) ينظر: تفسير البيضاوي ١/ ١٧، والأساس في التفسير: ١/ 84 لسعيد حوى. والحديث رواه سعيد بن منصور في سننه: 2/544 (180)، قال المحقق: سنده رجاله ثقات، وصححه بعض العلماء، ت: سعد آل حميد.
(11) المسند: ٢٨/182، تخريج شعيب الأرنؤوط وآخرين، ط الرسالة.
(12) ينظر: تعريف عام بدين الإسلام، ص2، لعلي الطنطاوي.
(13) ينظر: الأساس في التفسير ١/ ١٦٩.
(14) ينظر: المصدر السابق ٨/ 4162. ومجلة جامعة أم القرى للشريعة والعربية: 6/من 30_47، وينظر _لزاماً_ كتاب: "الله يتجلى في عصر العلم" لمؤلفين أمريكيين، وكتاب: "العلم يدعو إلى الإيمان" كريسي مورسون الأمريكي، وكتاب: "الإيمان" للزنداني، و"الطب محراب للإيمان" د. خالص كنجو.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...