سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((44))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((44)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
21

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((44))

سورة البقرة - الدرس (42)
السنن الكونية في النصر (2)


قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: 249]
سبق أن ذكرنا قصة انتصار الفئة المؤمنة القليلة، حيث غلب طالوت مع فئته القليلة جيش جالوت رغم عددهم الكبير، قال الخازن: غلبوهم بإذن الله تعالى وقضائه وحكمه وتيسيره المعونة والنصر والمعية، لأن الله تعالى مع الصابرين(1). كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، أي: نصراً عسكرياً مادياً.


*وفي القصة دروس وعبر كثيرة، منها:
1_ أن الله تعالى شاء بقدره الكوني ذلك، لعلمه أن الفئة القليلة تنجح في الابتلاء الذي علمه طالوت وجنوده في الشرب من النهر أو عدمه.
2_ أن الجيش عندما أعد العدة واستسلم لسلطان الله؛ نصره الله تعالى.
3_ الافتقار إلى الله تعالى والتضرع في الدعاء مع الإخلاص العميق.
وهذه الأمور كلها تحققت في جماعة طالوت، مما جعل القدر الكوني يكون في صفهم.
_ ولا ريب أن الرسول ﷺ أدرك بوعيه العالي أن الآية تنزلت عليه في القرآن ليأخذ الدرس ويعلمه للمؤمنين، ومن ثم لما كانت غزوة بدر ظهر النصر للفئة القليلة على الكثرة المشركة بقدر الله تعالى والإمداد بالملائكة، لذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، وهكذا حلَّ القدر الكوني بالنصر الباهر مصداقاً لقوله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123].

ومما دلَّ على تحقق سنة النصر للفئة المؤمنة ما جاء عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ ﷺ: ((بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ))(2). وقوله ﷺ: ((وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، _أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ_، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ))(3). فهذا التقدير الكوني الذي أراده الله بإذنه.


*وذلك ما يقودنا إلى السؤال الآتي: كيف يكون النصر قَدَراً كونياً أم تشريعياً تكليفياً؟
نقول للتوضيح أولاً: إن القدر الكوني هو ما يقدره الله عزوجل ويقضي بوقوعه حتماً، أمَّا القدر الشرعي الديني فهو: ما يتعلق بما يأمر الله سبحانه به شرعاً، بغض النضر عن وقوعه، ففي باب الجهاد يكون وقوع القتال أو الهزيمة (قدراً كونياً)، أما وجوب الجهاد والأمر به فيكون قدراً شرعياً، ومثاله: خروج المجاهد الصادق موافق للقدر الشرعي، أما وقوع جهاده ونصره _بإذن الله تعالى_ فيكون موافقاً للقدر الكوني، وقد اجتمعا في هذا المجاهد، والكل من الله عز وجل، وعليه نقول: "إن النصر قدر كوني بقدر ما هو قدر تشريعي، فعندما تتخذ الأسباب التشريعية في السعي؛ تتفتح أبواب القدر الكوني في النصر".
ولقد شاء الله ربُّ العالمين أن يجري أمر هذا الدِّين، بل أمر هذا الكون على السُّنن الجارية، لا على السُّنن الخارقة، وذلك حتَّى لا يأتي جيلٌ من أجيال المسلمين فيتقاعس ويقول: "لقد نُصِر الأوَّلون بالخوارق، ولم تَعُد الخوارق تنزل بعد ختم الرِّسالة، وانقطاع النُّبوَّات". فكل شيء يجري في هذه الحياة حسب سُنن اللهِ تعالى؛ التي لا تتبدَّل ولا تتخلَّف، ولا تحابي أحداً من الخلق، ولا تستجيب لأهواء البشر(4).
"فسنة الله جل جلاله قاضية بانتصار الفئة القليلة المؤمنة في كل زمان غالباً عندما تجد نفسها مجبورة لمقاتلة ومواجهة الفئة الكثيرة الظالمة". وهذا في جهاد الدفع، لأنه حالة المضطر الذي يفرض عليه ذلك، كما في الدفاع ضد المحتل في فلسطين، وما يماثلها من البلاد التي تجري عليها الحالة نفسها، دفعاً للضرر وتخلصاً من الاستسلام.
أما في جهاد الطلب ففيه الاختيار، لأنه فرض كفاية، فتقدر موازين القوة بدقة، ويقرر فيه الخبراء الشرعيون والعسكريون والسياسيون وغيرهم بما يناسب البلاد والعباد.


*ومن أمثلة ذلك:
أ_ ما وقع في معركة اليرموك، وكان المسلمون أربعين ألفاً، معهم ألف صحابي، فيهم نحو من مائة ممّن شهد بدراً، وكانت الروم في مائتي ألف، منهم ثمانون ألف مقيّد، وأربعون مسلسل، وأربعون ألف مشدود بالعمائم، كلّ ذلك لئلاّ ينهزموا، وأبى الله تعالى إلاّ نصرة دينه، وإظهار كلمة الإيمان على كلمة عبدة الصلبان(5).
ب_ في معركة نهاوند انتصر المسلمون على الفرس، وكانت الفرس أكثر من مائة ألف، وقتل من المسلمين كثير، وقال علي بن أبي طالب في مشورة عمر له رضي الله عنهما: "هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهره، وجنده الذي أعزهم، وأيدهم بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعد من الله تعالى، والله منجز وعده وناصر جنده"(6). وهذا ما يصدق على المؤمنين إذا أخذوا بسنة الله عزوجل في الجهاد.


ويقول ابن القيم:
"فَإِن حُكمه سُبْحَانَهُ يتَنَاوَل حكمه الديني الشَّرْعِيّ وَحكمه الكوني القدري، فهما بمشيئته، والنوعان نافذان فِي العَبْد، ماضيان فِيهِ، لَكِن الحكم الكوني لَا يُمكنهُ مُخَالفَته، وَأما الديني الشَّرْعِيّ فقد يُخَالِفهُ"(7)، ولا ينفذه سبحانه في العبد إذا شاء، وإن شاء نفذه وأمضاه في عبده.
فالله تعالى يقضي ويمضي بينما غيره يقضي ولا يستطيع التنفيذ، فهو سبحانه ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]. والحقائق الكونية من خلقه تعالى، وأما الحقائق الشرعية فمن أمره جل جلاله، ولا تعارض بينهما عند فهم النصوص.
وعلى ذلك يكون القول بأن "أي فئة قليلة تغلب الفئة الكثيرة " لا تناسب على الدوام؛ إلا عند انقطاع السبل ووقوع الهجوم المباغت وغير ذلك من الأعذار المعلومة، فعند ذلك ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، والله يؤيد بنصره من يشاء وهو السميع البصير.
على أن يراعى الاجتهاد في تقديم المنازعة على الموادعة أو العكس، بحسب المصلحة المعتبرة شرعاً، والنظر في حزم الرأي وتقدير العواقب(8).
***
يتبع


هوامش:
(1) مختصر الخازن: 1/228.
(2) مسند أحمد: (21222)، قال المحققون: إسناده حسن. ط مؤسسة الرسالة: 35/146.
(3) البخاري: (3416) عن خباب بن الأرت.
(4) واقعنا المعاصر، لمحمَّد قطب: ص 414، التَّمكين للأمَّة الإسلاميَّة، محمد السيد محمد يوسف: ص 208.
(5) ينظر: تاريخ الطبري: 3/394، المنتظم لابن الجوزي: 4/118.
(6) تاريخ الطبري: 4/124.
(7) الفوائد: ص24، وينظر القدر الكوني والتشريعي في: "شفاء العليل"، لابن القيم: 2/133، وكتاب: "لعلهم يتفكرون" لعبد الله القرشي: ص85_87، وموسوعة شرح أسماء الله الحسنى، لنوال عبد العزيز العيد: ج1/ ص:181، 183، 201، 203.
(8) ينظر كتاب: "الرياسة وترتيب السياسة" لأبي عبد الله محمد القَلعي (ت سنة 630هـ): ص224، و236.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...