سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((43))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((43)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
13

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((43))

سورة البقرة - الدرس (41)
السنن الكونية في النصر (1)


قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [سورة البقرة: 249]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]


بعد أن رأينا قصة طالوت وتحقق سنة الله تعالى في انتصار الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة الكافرة؛ علينا أن نأخذ العبر من هذه السنة ونتدبرها.
فهذا النصر المبين لم يكن لتلك الفئة في هذه الواقعة فحسب، بل كان لجميع المؤمنين عبر العصور، وهذا ما جاء واضحاً في جميع القصص القرآنية عموماً، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة خصوصاً، من انتصار الحق ولو قلّ ناصروه، وهزيمة الباطل ولو كثر تابعوه.
_ هذا والاعتقاد دائماً أن الفئة المؤمنة مهما قلّ عددها وعدتها، تغلب الفئة الكافرة دائماً مهما كثر عددها وعدتها؛ اعتقادٌ خاطئ، لا يصح شرعاً، وهو يخالف حقائق الشرع والواقع، لقد أمر موسى عليه السلام قومه بالقتال، ودخول الأرض المقدسة، وانتهى بهم الأمر أن قالوا له: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، فهل ذهب موسى للقتال من غير الإعداد، وهل قال سنغلبهم مهما قل عددنا ومهما كثر عددهم؟! كلا، بل استعد وخاطب ربه وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]، وعدَّ ذلك عذراً يعتذر به لربه.


_فما القاعدة الشرعية في التوفيق والموازنة بين "العدد" مقابل "العتاد"؟
تقوم القاعدة الفقهية في باب أحكام الجهاد ومواجهة الأعداء على إعمال القواعد الكلية والمقاصد الشرعية، وفي مقدمتها قاعدة: "لا تكليف إلا بمقدور"(1)، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]. والقتال من غير الأخذ بالأسباب ومن غير إعداد العدة ودون وعيٍ وفهمٍ لمقاصد الشريعة ومآلاتها؛ يوقع في التهلكة، ولا يحقق الغاية والفائدة المرجوة للإسلام والمسلمين.
فعلينا الاجتهاد بالتوازن الدقيق بين "فرض الجهاد وموجبات الأخذ بالأسباب"، لأن الله تعالى تعبَّدنا بها، ومراعاة "حدود القدرة والاستطاعة" ، وهو ما تجلى في التوفيق الفقهي بين التأصيل القرآني لغلبة القلة المؤمنة في قوله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249]، والتيسير التشريعي المنضبط في قوله عز وجل: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].


وقد جاء التوفيق بين هذه النصوص إلى تقرير المبادئ الأصولية الآتية:
أ_ اعتبار العتاد والكفاءة دون الاقتصار والاعتماد على المفهوم العددي.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
يقول الشيخ السعدي: أي {وَأَعِدُّوا} لأعدائكم الكفار {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وبمختلف أنواع الأسلحة البرية والجوية والبحرية، واستخدام التقنية قدر المستطاع، مع استخدام سلاح الاقتصاد والإعلام اليوم، وكشف المؤامرات لأن الحرب خدعة كما في الحديث، قال السعدي: "فالحكم يدور مع علته"، فإذا كانت النكاية بالعدو تتطلب ما هو أكثر رعباً له تجب صناعته، لأن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ومن أعظم ما يعين على ذلك: دفع الأموال، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾(2).
ومن الإعداد: التخطيط والعزيمة والصبر واجتماع الكلمة واختيار الوقت والمكان المناسبَين، والنجاح في التحالفات وعزل الخصوم ونحو ذلك، فالعاطفة وحدها مع الانتساب للإسلام لا تكفي في النصر وتحقيق المقاصد والمصالح.
_ وعلى هذا قرر عدد كبير من الفقهاء أن مشروعية القتال تكون عند التفوق والتكافؤ في القدرة والقوة، لا بالعدد والكثرة، فإذا تفوق العدو عدداً مع ضعفه عتاداً أو انخفاض كفاءته القتالية؛ ثبت وجوب المقاومة ولو تجاوز الضعف، وعلى العكس من ذلك، إذا ملك العدو تفوقاً نوعياً أو سلاحاً فتاكاً يتجاوز نطاق عدد المسلمين وقدرتهم على المواجهة والمدافعة، أُلحِقَ ذلك حكمياً بزيادة العدد، ووجب التقدير الميداني بناءً على اختلال ميزان القوى.
وقيل: إن المسلمين القلة مطالبون بمقاومة الجماعة الأكثر منهم؛ لأن العبرة بالانضباط والصبر، والحزم والعزم، وصدق الإيمان، واتباع أوامر الله تعالى(3).


ب_ المسوغات الشرعية لإعادة التموضع (التحرف والتحيز) عند اشتداد القتال.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]، فإن غلب على ظن المقاتلين المسلمين أنهم سيُغلبون ويقتلون، فلا بأس أن يفروا من عدوهم منحازين إلى فئة يستنصرون بها من المسلمين، ولا عبرة بالعدد، حتى إن الواحد، إذا لم يكن معه سلاح، فلا بأس أن يفر من اثنين مسلحين، أو من واحد مسلح، أو بسبب عجز لمرض ونحوه(4).


ت_ ارتباط النصرِ بالإيمان والصبر والإعداد. وهذا من سنن الله تعالى في خلقه، لكي لا يقعوا في التهلكة، ومتى ما انعدمت القدرة وانتفت النكاية بالعدو؛ عندئذ يكون: "عدم الإقدام على القتال، والانحياز الشرعي، واستبقاء حياة المؤمن" مقصداً مرجَّحاً حتى إعادة بناء القدرة واستكمال أسباب النصر (5).
ولعل هذا ما جاء جلياً في حكمة نسخ آية قتال العدو ولو كان عشرة أضعاف إلى ضعفين، تخفيفاً عن هذه الأمة ورحمة بها، وتنبيهاً لها على أخذ الأسباب والمسببات.
فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ(6).
فإذا كان جيش الكفار يزيد أضعافاً مضاعفة على جيش المسلمين فإنه لا يجب عليهم ملاقاته، إلا إذا كان هناك خطر جسيم كهجوم المشركين فجأة على ديار المسلمين، فإنه يجب حينئذٍ القتال والدفاع عن أراضي المسلمين، وفي هذه الحالة لا يشترط التكافؤ ولا غيره، ولا يصح للإنسان الفرار، ولو كان أعداء الإسلام أضعاف أضعافه، على خلاف حالة الهجوم(7). وهذا هو جهاد الدفع، وهو فرض عين على كل مسلم.
قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 42].
فقد كان في غزوات الرسول الله r وأصحابه الكرام مثالاً حياً على انتصار الفئة المؤمنة على الكثرة الكافرة، فقد كان عدد الجيش الذي أرسل إلى مؤتة _من مشارف الشام_ للقصاص ممن قتلوا مبعوثه الحارث ابن عمير الأزدي ثلاثة آلاف، بينما كان الجيش الذي قاتلهم من الروم ومتنصرة العرب (200 ألفاً)، فقاتل المسلمون بشجاعة، حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ"(8)، وما زالوا يقاتلون حتى استشهد القادة الثلاث: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، ومن ثم انسحب جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، وكان نصراً مادياً ومعنوياً، كسر الله تعالى فيه جبروت الروم والكفار، وعاد المسلمون إلى ديارهم سالمين(9).
_ قال العلماء: "لا يقتحم الواحد على العشرة ولا القليل على الكثير لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة"(10). فلا بد للمؤمن من أن يتضح في نيته وهدفه، وأن يكون على الحق وعدوه على الباطل.
_ وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] يقول الشيخ سنان الدين الأماسي: ورد فيها ثلاثة عشر قولاً، منها اثنان في ترك الجهاد، وأن "مقارعة الأعداء" ليس إلقاء إلى التهلكة، وسباق الآية وسياقها لعله يفيد أن المقصود هو: "ترك النفقة في سبيل الله"، وقد وردت أحاديث صحيحة تفيد هذا الفهم، وكما هو معلوم فالمال كعدة في الجهاد، وقد ذكر في جميع القرآن مقدماً على غيره، ولم تقدم النفس عليها إلا في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [111].
وعلى ذلك تعددت التفاسير في "التهلكة" على أقوال كثيرة لا يمكن حصرها بشيء دون شيء، إلا بما قدمه السباق والسياق وأيدته الأحاديث.


_ وبناءً على هذه المسألة وغيرها ذكر العلماء أنه يتطلب في فهم النص القرآني:
1_ ضم النصوص إلى بعضها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وفهم حقائق الشرع ومقاصده، لئلا يحكم سريعاً دون بحث وتحقيق.
2_ دلالة قواعد أصول الفقه المعروفة على فهم النصوص، والوعي بها يدل على أن أنها قد جاءت لبيان أن القرآن "شريعة ونظام لحياة"، لا مجرد كلمات وآيات تقرأ على الأموات(11).
***
يتبع


هوامش:
(1) ولا تخيير إلا بين مقدور ومقدور. علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف: ص103.
(2) ينظر تفسير السعدي: ص324، ط مؤسسة الرسالة.
(3) التفسير المنير: 10/ 60،64.
(4) الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي: 8/5859.
(5) للتوسع في المسألة ينظر: أحكام القرآن للجصاص (الكلام في الفرار من الزحف): 4/226، 250_257، تفسير آيات الأحكام للسايس: ص432، روائع البيان للصابوني: 1/102.
(6) صحيح البخاري: (4633).
(7) ينظر: الأساس في التفسير: 1/449.
(8) صحيح البخاري: (4017).
(9) ينظر: عمدة القاري: 8/95، والرحيق المختوم: ص356.
(10) ينظر: تفسير الخازن: 2/325، تفسير المراغي: 10/30_32، روائع البيان: 1/598.
(11) ينظر: تبيين المحارم: 2/187 وما بعدها، وكتاب: "تصويبات في فهم بعض الآيات" ص: 51_52 د. صلاح عبد الفتاح الخالدي.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...