سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((41))
سورة البقرة - الدرس (39)
بنوا إسرائيل بعد موسى.. وسنة الابتلاء (3)
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا، قَالُوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا!، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ؛ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)}.
بعد الحديث عن السنن الكونية في اليهود وسنن البلاء، نتحدث عن قصة ابتلاء بني إسرائيل على يد طالوت كما جاء في سورة البقرة.
فقد نزلت هذه الآيات في مكة عندما كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمنون مقارعة الكفار ليردوهم عن أذاهم، فذكر سبحانه لهم شأن بني إسرائيل حين سألوا القتال ثم توانوا عن ذلك، فجاءت الآيات:
أ_ تحذيراً للمسلمين من مثل حالهم. ب_ إعلاماً بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية. ت_ إشعاراً لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء، وأن تطلب العافية والدفاع لمنعها من إقامة دينها(1). قال ﷺ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَن الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ))(2).
_ وفي قوله تعالى على لسانهم: {وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا}؟ نجد أن الأمر واضحٌ في إرادتهم قتال أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم. ولكن هذه الحماسة لم تدم، فجاء السياق القرآني ليكشف عن سمة خاصة من سمات بني إسرائيل في نقض العهد، والنكث بالوعد، والتفلت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرق الكلمة، والتولي عن الحق البين، فقال سبحانه:
{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنَفَة، فإِذا حضرت الحرب جبنت وانقادت إلى طبعها.
لذلك جاء ختام الآية بقوله سبحانه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)} للوعيد والاستنكار عليهم ووصمهم بالظلم، فكانت هذه الفئة الكثيرة عاصية ظالمة لنفسها، ظالمة لنبيها، وظالمة للحق الذي خذلته وتخلت عنه للمبطلين(3).
_ثم قال سبحانه: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، قَالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا؟ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)}
فأخبرهم نبيّهم أنَّ الله تعالى قد أمَّر عليهم طالوت ملكاً، فأجابوه بلجاجةٍ تنمُّ عن سمة من سمات بني إسرائيل المعهودة، فبعد أن كان مطلبهم أن يكون لهم ملك يقاتلون تحت لوائه فِي سَبِيلِ اللَّهِ... ارتدوا على أدبارهم، ولووا أعناقهم، وجادلوا في اختيار الله لهم، وأخذوا يستنكرون أن يكون طالوت ملكاً عليهم!؟ لأنه لم يكن من نسل الملوك فيهم، ولم يؤت مالاً كثيراً ليتغاضوا عن أحقيته بالوراثة. فكشف لهم نبيهم عن أحقيته وعن حكمة الله تعالى في اختياره(4). فقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} فالعلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وقوة البدن: ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد. {والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} من عباده، من غير إِرثٍ أو مال، {والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} واسع الفضل، عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه(5).
_ ولكن لمّا تمادَّوا وطالبوا بآيةٍ تدل على اصطفائه؛ قال لهم نبيهم:
{إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)}
وهذه الآية تبين أيضاً ما كان عليه بنو إسرائيل، من مواقف متشددة، وغلوٍ ومطالب مادية مع أنبيائهم، فكان جواب نبيهم لهم: أن هناك دليل مادي على ذلك، وهو: *عودة التابوت إليكم (وكان له شأن ديني عندهم)، *وفيه طمأنينة لقلوبكم وارتياح لضمائركم، *وفيه أيضاً: بقيةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون _من قطع الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون، وشيء من التوراة، وأشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون عليهما السلام_ وفي كل هذا: "دليلٌ على ملك طالوت ودليل على عناية الله تعالى بكم".
_وعندما التفّ الناس حول قيادته؛ أراد أن يختبرهم ليعلم صدقهم في القتال(6)، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو: اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [249]
ففي هذه الآية يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل، إنه مقدِمٌ على معركة ومعه جيش من أمة مغلوبة، فلا بد إذن من قوة كامنة تقف أمام القوة الظاهرة الغالبة، وهذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان والمشاق، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء(7).
_ قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} أي خرج بجنوده لجهاد العدو في وقت حرٍّ شديد، وكان جيشه يومئذٍ ثمانين ألفًا، ولم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صِغَرٍ أو كبر أو مرض، فقال ممتحنًا طاعتهم:
{إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} أي: مُختبركم ليتميز الصادق الذي له نية في الجهاد من المعذِّر الكاذب. {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} فلا يصحبني اليوم، أو ليس هو من أتباعي، {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} أي: فلا بأس عليه.
{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} أي: إلا قليلاً من أهل الإيمان الصادقين. فكانت نتيجة الاختبار: عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة، وفي هذا دليل أكبر على عدم صبرهم على القتال في سبيل الله تعالى، وكان في رجوع الأكثرين عن باقي العسكر ما تزداد به القِلة الثابتون توكلاً على الله تعالى، وتضرعاً واستكانة وتبرؤاً من حولهم وقوتهم (8).
فكان من الخير للمؤمنين أن تنفصل عنهم الكثرة المنافقة، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة، والجيوش ليست بالعدد الضخم، ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق(9).
وقد ورد أن عدد الذين ثبتوا معه: "ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً"، كما روى البخاري عن الْبَرَاءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَتَحَدَّثُ: "أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَمِائَةٍ"(10).
_ قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي: لما جاوزوه ورأوا كثرة العدو وشدته خافوا منه؛ لأنه كان جبارًا من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد. وقيل: إن هذا القول صدر من الكثير الذين انخذلوا وشربوا من النهر، فعند ذلك:
{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} أي: الموقنون بالشهادة واللقاء، والظن هنا بمعنى اليقين، وقيل: يجوز أن يكون بمعنى التوهم والشك في القتل، أي: قال الذين يتوهمون أنهم يُقتلون فيلقون الله شهداء، _ فوقع الشك في القتل _، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، وأن النصر ليس عن كثرةِ عَدد ولا عُدد، وإنما هو بتوفِيق الله، ولهذا قالوا:
{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: ينصرهم ويبارك في جهادهم بإرادته ومشيئته، يعز من يشاء ويذل من يشاء، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره(11).
_ ثم قال سبحانه: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)}.
أي: لما ظهر طالوت لأعدائه جالوت وجنوده .. لجؤوا إلى الله تعالى يدعونه دعاء المضطر الخائف، الذي لا يجد ملاذاً غير الله تعالى في وقت الشدة وعسر المحنة، {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، فقالوا:
{رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ}.
فدعاؤهم هذا تعبير يصوِّر فيضاً من الله تعالى يفرغه عليهم فيغمرهم، ويتنزل عليهم سكينةً وطمأنينةً، "وَثَبِّتْ أَقْدامَنا" فهي في يده سبحانه، يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد، و"َانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ" فقد وضح الموقف: إيمان تجاه كفر، وحق إزاء باطل(12).
فأذن الله سبحانه بنصر الفئة القليلة المؤمنة، كما جرت سنته في عباده، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقتل داوود الفتى القوي جالوتَ الجبار، وانهزم جنوده وأتباعه شر هزيمة.
وهكذا فقد دلت الآيات على أنه لا يحمي حمى الإسلام والمسلمين إلا الجهاد، وأن الجهاد والقتال يحتاجان إلى إمرة وطاعة، وإيمان وافتقار إلى الله تعالى، وأن الهجوم هو الطريق للنصر، وأن الإمارة تُختار على أساس الخصائص المناسبة للوضع القائم، لا على أساس آخر(13) مما جاء إلينا من النظريات الغربية المناقضة للشريعة الإسلامية.
***
يتبع
هوامش:
(1) ينظر: تفسير القرطبي: 3/245، نظم الدرر: 3/405_406.
(2) صحيح البخاري: رقم: (2982) عن عبد الله بن أبي أوفى.
(3) ينظر: تفسير القرطبي: 3/245، في ظلال القرآن: 1/266_267.
(4) المرجعان السابقان: 1/267.
(5) ينظر: صفوة التفاسير: 1/142.
(6) التفسير المنير: 2/427_428.
(7) في ظلال القرآن: 1/268.
(8) ينظر: تفسير السعدي: ص108، التفسير المنير: 2/428.
(9) ينظر: في ظلال القرآن: 1/268.
(10) البخاري: رقم: (3741).
(11) ينظر تفسير ما سبق في: "الوجيز" للواحدي: ص180، تفسير القرطبي: 3/251_255، تفسير النسفي: 1/205_206، تفسير ابن كثير: 2/235، تفسير السعدي: ص108.
(12) ينظر: في ظلال القرآن: 1/269.
(13) ينظر: الأساس في التفسير: 1/579.
بقلم: د.خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


