سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((38))
سورة البقرة - الدرس (36)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (10)
*قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)}
جرت سنة الله تعالى في هذه الشرائع الواردة في الآية أن تكون من أصول الدين التي لا يدخلها نسخ والتي أمر الله تعالى بها في كل رسالة؛ لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان؛ لأنها من عماد الدين.
_ قوله عزوجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الميثاق: العهد الشديد المؤكد، وكثرة أخذ المواثيق عليهم، دليلٌ على غلظتهم وقسوتهم؛ لأنه كلما أُمروا بشيء استعصوا فلم يقبلوه إلا بالأيمان المغلَّظة والعهود الموثقة.
﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله. وذكر القرطبي أن الميثاق اُخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم بقوله: {لا تعبدون إلا الله}.
قيل: وقد نهوا عن عبادتهم غير الله مع أنهم كانوا يعبدون الله؛ خوفاً من أن يشركوا به سواه من مَلَكٍ أو بشر أو صنم بدعاء أو غيره من أنواع العبادات. وقرأ أبي وابن مسعود: {لا تعبدوا} على النهي(1).
﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ أي: أحسنوا إليهما، بأن تعطفوا عليهما وترعوهما حق الرعاية، ولا تسيؤوا إليهما البتة، وتنزلوا عند أمرهما فيما لا يخالف شرع الله، وقد جاء في التوراة: أن من يسبّ والديه يقتل(2).
هذا وقد وقرن سبحانه حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشأَ الثاني _وهو التربية_ من جهة الوالدين، ولهذا أمر بالشكر لهما مع شكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]. وقد جاء الأمر لهذه الأمة ببر الوالدين في غير آية.
_ قوله جل جلاله: ﴿وَذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ أي: وأن يحسنوا أيضاً إلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، _واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم_ والمساكين الذين عجزوا عن الكسب، وأسكنتهم الحاجة وأذلتهم.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهذا يشمل المسلمين والنصارى واليهود وكل خلق الله سبحانه وتعالى، فحسن الخلق واجب مع جميع الناس خصوصاً عند النصيحة أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(3)، قال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج: 24]، وقال ﷺ: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ))(4). وكل ما صدق عليه أنه قول حسن شرعاً؛ كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر.
_ ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وذلك لِمَا تَقَدَّمَ أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص".
*ماذا فعل بنو إسرائيل مقابل هذه المواثيق؟
رغم كل هذه العهود والمواثيق لم يزدادوا إلا عناداً واستكباراً كعادتهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، وأعرضتم عن العمل بموجبه إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه.
_وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾ استثناء؛ لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلًا منهم عصمهم الله وثبَّتهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه(5).
_وهذه الآية تنقض زعمهم أن إيمانهم بما أُنزل عليهم يكفيهم ويغنيهم وينجيهم(6).
*ثم قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ... (85)}
قال السُّدي: إنهم أمروا بأربعة أشياء: أن لا يقتل بعضهم بعضاً، وأن لا يُخْرج بعضهم بعضاً، وأن لا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن يفادوا الأسارى، فخالفوا في الثلاثة وامتثلوا في المفاداة، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض(7).
إذ كان اليهودي يستبيح قتل المخالف _كما هو اليوم_، وقد يقتل أخاه اليهوديَ من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، وكل ذلك حرام عليهم في شريعتهم، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة(8).
*وقفة: إن هذه الآية تخاطب بني إسرائيل الذين مضوا في الزمن الغابر، ومع ذلك جاءت بصيغة المخاطب الحاضر، فما الفائدة من ذلك؟
قيل: إنَّ المخاطبة جاءت للخَلَف في عصر النبي ﷺ لِتُبيِّنَ للمؤمنين أنَّ الخالفين من بني إسرائيل هم بمنزلة السالفين؛ فأفعالهم واحدة وتصرفاتهم موروثة(9). وكذلك ليعلم النبي والمؤمنون أن إيمان اليهود بعيد جداً، لأن قبائح أسلافهم تمنعهم من الهدى والرشاد.
قوله عزوجل: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي: ثم أقررتم بهذا الميثاق أيها الحاضرون المخاطبون واعترفتم به ولم تنكروه بألسنتكم، بل شهدتم به وأعلنتموه، فالحجة عليكم قائمة(10).
_ {وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} أي: فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم!. {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}!
فالغرض توبيخهم؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان، حيث إن الكفر ببعض آيات الله كفرٌ بالكتاب كله. وفي الآية أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان(11).
*مسألة: "الإيمان كلٌّ لا يتجزأ": فالمسلم ليس كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، بل يجب عليه أن يؤمن بجميع ما أوحى اللّه به، وبجميع الأنبياء، وبجميع الكتب السّماوية، لا يفرّق بين أحدٍ منهم، قال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... } [البقرة: 285] (12).
*لكن بعد كل هذا النقض كانت سنة الله تعالى فيهم:
19_ استحقاقهم الخزي والعار في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.
قال تعالى: {... فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}.
وقد دلت المشاهدة على أن كل أمة تَفْسُقُ عن أمر ربها وتَطْرَحُ أوامر دينها وراءها ظهريّاً من دون توبة: يتفرق شملها، وينزل بها عذاب الهون جزاء فساد أخلاقها وكثرة شرورها(13).
20_ عدم تخفيف العذاب عنهم وخذلانهم يوم القيامة.
قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)}. أي: استحبوا الكفر على الإيمان، كما قال سبحانه: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17](14).
فاستحقوا الخلود في جهنم، لأن الجمع بين لذَّات الدنيا ونعيم الآخرة غير ممكن، فمن اشتغل بتحصيل شهوات الدنيا فاتته لذات الآخرة، وهؤلاء لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا يُهَوَّن.
_ {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} في الآخرةِ، إذ لن يَدْفَعَ عنهم العذابَ أحدٌ، لا بقوَّةٍ، ولا بشفاعةٍ ولا بغير ذلك(15).
وهكذا تكون عاقبة الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق الربانية لدى هؤلاء اليهود.
***
يُتَّبَع
هوامش:
(1) تفسير المراغي: 1/156.
(2) المرجع السابق.
(3) تفسير المقدم: 8/2.
(4) ذكره البخاري في التعليقات: باب: طيب الكلام، (34) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) ينظر: تفسير القرطبي: 2/12_13، تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان): ص57، زبدة التفاسير: ص16، صفوة التفاسير: 1/65_67.
(6) الأساس في التفسير: 1/172.
(7) تفسير السمعاني: 1/103_105، التفسير البسيط للواحدي: 3/116.
(8) تفسير ابن كثير: 1/477.
(9) ينظر: تفسير البيضاوي: 1/91، وروائع البيان: 1/338، والتفسير المنير: 1/215.
(10) تفسير المراغي: 1/155، 161.
(11) ينظر: تفسير السعدي: ص٥٨، صفوة التفاسير: 1/66.
(12) ينظر: التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي: 1/133.
(13) تفسير المراغي: 1/163.
(14) تفسير القرطبي: 1/210.
(15) ينظر: تفسير الطبري: 2/218_ 219، تفسير الخازن: 1/ 59.
بقلم: د.خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


