سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((37))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((37)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٩ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ٢١ آب ٢٠٢٦
42

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((37))

سورة البقرة - الدرس (35)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (9)


ومن سنن الله تعالى التي كانت فيهم:
18_ تنوع الأسلوب القرآني في معالجة مساوئهم وقبائحهم، وترويضهم ونقلهم إلى حال أفضل من حالهم في الماضي والحاضر.
حيث نرى في الآيات السابقة والتالية كيف عدّد الله تعالى النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، ثم ما يحدث إثر كل نعمة من مخالفة فعقوبة فتوبة(1).
فجرت سنة الله فيهم كما شاء سبحانه، وهي كثيرة جداً، فمنها الخارقة أو الجارية المعتادة، وقد عرض القرآن منها طريقة فهمهم لنيل جزاء ما ارتكبوه يوم القيامة، إذ إن اليهود يؤمنون بيومٍ آخر على طريقتهم المزورة في توراتهم المحرفة، لا كفهم المسلمين ليوم القيامة، ولا يزالون يكفروا بسيدنا محمد ﷺ وبرسالة الإسلام عامة.


_ فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)﴾.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)} [آل عمران].


*ما الحكمة من ورود هذه الآية بعد ما سبق؟
قيل إنه جاءت هذه الآية بعد الفقرة التي تبدأ بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...} لتعمق عند المسلمين فهم النفسية اليهودية التي تعقدت فلم تعد تستجيب لدعوة الإيمان، كما جاءت مقدمة للفقرات التي تناقش اليهود في لب قضية دعاواهم الإيمانية، مقيمة الحجة عليهم بأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض (2).


*ما سبب نزول الآية؟
روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه: قدم رسول الله ﷺ المدينة ويهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، إنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً(3).
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: لَمّا فُتِحتْ خَيبَرُ أُهدِيَتْ لِرَسولِ اللهِ ﷺ شاةٌ فيها سُمٌّ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: اجمَعوا لي مَن كان مِنَ اليَهودِ هنا. فقال لهم رَسولُ اللهِ ﷺ: مَن أبوكم؟ قالوا: فُلانٌ. قال: كَذَبتُم، بل أبوكم فُلانٌ. فقالوا: صَدَقتَ وبَرِرتَ. ثم قال لهم: هل أنتُم صادِقيَّ عن شَيءٍ إنْ سَألتُكم عنه؟ قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، وإنْ كَذَبناكَ عَرَفتَ كَذِبَنا كما عَرَفتَه في أبينا. فقال لهم رَسولُ اللهِ ﷺ: مَن أهلُ النارِ؟ فقالوا: نَكونُ فيها يَسيرًا ثم تَخلُفوننا فيها. فقال لهم رَسولُ اللهِ ﷺ: اخسَؤُوا، واللهِ لا نَخلُفُكم فيها أبَدًا. ثم قال لهم رَسولُ اللهِ ﷺ: هل أنتُم صادِقيَّ عن شَيءٍ إنْ سألتُكم عنه؟ قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ. فقال: هل جَعَلتُم في هذه الشاةِ سُمًّا؟ فقالوا: نَعَمْ. فقال: فما حَمَلَكم على ذلك؟ فقالوا: أرَدْنا إنْ كُنتَ كاذِبًا أنْ نَستَريحَ مِنكَ، وإنْ كُنتَ نَبيًّا لم يَضُرَّكَ(4).
وفي رواية: فأنزل الله عز وجل: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً …} الآية(5).


_ وما ذُكر في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف هو من تُرَّهَات اليهود وافتراءاتهم وغرورهم، حيث ادعوا أنهم لن تصيبهم النار يوم القيامة إلَّا مقدار الأيام التي عبد فيها أجدادهم العجل وهي أربعون يومًا، ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها مسلموا هذه الأمة. فكذبهم رسول الله ﷺ فيما زعموا(6).


*فما الحكمة من ورود هذه الآية بعد كل ما سبق من أقوال اليهود وأفعالهم؟
_ إن مجيء هذه الآية بعد ما قبلها؛ بمثابة البيان لأسباب هذه المواقف الخائنة، وهو الاعتقاد الفاسد أن مدة مكثهم في النار أياماً معدودة(7).
_ يقول الشيخ سعيد حوى أيضاً: علينا أن ندرك هنا بعمق كيف أن تصور الإنسان عن اليوم الآخر يؤثر تأثيراً كاملاً في مواقفه، فإذا كانت هذه المواقف اليهودية الفظيعة أثراً من آثار هذه العقيدة التي رأيناها، وإذا كانت هذه مواقف اليهود بسبب هذه العقيدة، فكيف تكون مواقف الذين لا يؤمنون باليوم الآخر أصلاً! فكيف تكون مواقف الذين يتصورون أن الله لا يعذبهم أبداً! (8).
_ قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} أي: قل لهم يا محمد: هل عندكم ميثاقٌ ووعدٌ منه بذلك، وهذا تقريعٌ لهم، {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)} أي: أنكم كاذبون، وتوبيخ العالم بالشيء أبلغ من توبيخ الجاهل.

*فكانت سنته تعالى فيهم وفي غيرهم عامة قوله:
19_ {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)}.
يتوعد الرب تبارك وتعالى بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود، وينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون في النار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا مدة قليلة ثم يخرجون.
لكن جاء الرد عليهم بقوله: {بَلَى}، أي: ليس الأمر كما تدَّعون، وهو إثبات بعد نفي، بل المسألة في الخطايا والحسنات.
فمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فخَبُثت نفسه وتلوثت فهذا لا يصاحب ولا يلازم خُبْثَ نفسه إلا النار، أي: تمسكم النار وتخلدون فيها، والمراد بالسيئة هنا الشر كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
فمن كان كذلك فإن النار تحدق به من كل جانب وتسد عليه مسالك النجاة، ومن كان فعلهم كذلك فإنهم مصاحبون للنار ملازمون لها مخلدون فيها، ومذهب أهل السنة أن الخلود في النار لا يكون إلا للكفار والمشركين.
وأمَّا من آمن وعمل صالحاً فَزَكَّى بالإيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارة روحه وزكاة نفسه إلا دار النعيم، أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة(9).


_ هذا ولا تزال الآيات الكريمة تعدّد جرائم اليهود، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55]، الذي جرى بالسنن الكونية، فهي جارية فيهم لا محال، تكشف عُوارهم وتحدد مصيرهم، منذ يومهم الأول وإلى يوم الدين، طال الوقت أم قصر. قال تعالى: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81]. وقال سبحانه:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]
وقد أوضحت الآيات لنا أنَّ هذا شأنهم وطبعهم الدائم سواء في الأفراد أم في الجماعات... فلا يكفينا حتى نردعهم ونردهم عن بغيهم الانتظار والتفكير القاصر؛ بل لا بد مع الصبر والمصابرة من العلم والعمل، والجد والمثابرة.
***
يتبع



هوامش:
(1) ينظر: التفسير المنير: 1/208.
(2) الأساس في التفسير: 1/173.
(3) أسباب النزول للواحدي: ص27، مختصر الخازن: 1/44.
(4) رواه البخاري: حديث رقم (5777).
(5) ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عن عكرمة: 1/470.
(6) تفسير القرآن العظيم لعبد الله التليدي: ص52، مختصر الخازن: 1/44.
(7) الأساس في التفسير: 1/169.
(8) المرجع السابق 1/169.
(9) ينظر: مختصر الخازن: 1/44، وصفوة التفاسير: 1/63، وأيسر التفاسير: 1/76.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...