سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((35))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((35)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٤ صفر ١٤٤٨ هـ - ٧ آب ٢٠٢٦
41

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((35))

سورة البقرة - الدرس (33)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (7)

قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
فبعد كل ما رأى اليهود من سنن الله تعالى وآياته... كانفجار الماء ورفع الجبل، والمسخ قردة وخنازير، وإحياء القتيل وغيرها من القوارع والعظات والعبر في زمن موسى عليه السلام؛ لم يزدادوا إلا غلظة وعناداً(1).
وكان من عظيم فسقهم في أخلافهم: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد ﷺ، وكتمانهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس(2).


13_ فكانت سنته سبحانه وتعالى فيهم أن وَسَمهم بالقسوة والشدة.
_ قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قيل: أي: بعد أحياءِ القتيل، وهو أمر عظيم خارقٌ للعادة موجِبٌ للاعتبار، أو من بعد ظهور كل الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام (3). والقسوة هنا: انتزع الرحمة من القلب.
يقول محمد الأمين الشنقيطي: لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16](4).


*فمن المخاطَبون بهذه الآية؟
1_ القول الأول: اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصاً، أو من قبل المخاطبين من سلفهم.
2_ القول الآخر: اليهود المعاصرين للنبي محمد ﷺ، حيث أومأ الخطاب في هذه الآيات إلى أنه لا أمل في إيمانهم، لأنهم توارثوا طبائع آبائهم وأخلاقهم، وتأصَّلت فيهم روح التمرد والإعراض عن كلام الله، حتى اشتدت قلوبهم وصلبت.
قال جمال القاسمي: وهذا أولى؛ لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ}، خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى(5). أي: ولأن لفظ الآية يعم اليهود اللاحقين.

*ولعل أحدهم يسأل: لماذا شبه قسوة قلوبهم بالحجارة دون غيرها من الجمادات؟
قيل: إنما نعتهم الله وشبههم بالحجارة الصلبة ولم يُشبِّها بالحديد وإن كان أكثر صلابة من الحجارة؛ لأن الحديد يُلَيَّن بالنار، كما لان لسيدنا داوود عليه السلام، ولم يشبههم بالخشب لأن الخشب يحترق ويتفتت بالماء، وهكذا مثلهم بالحجارة لأنها أصلب وأقوى والصخر منها، ولا تليَّن الحجارة بمعالجةٍ أبدًا(6).


_ قوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ}
فهل تعي الجبال والحجارة وتتأثر بالمواعظ؟ كما يدل عليه ظاهر الآية.
يقول ابن القيم: "وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل في الجمادات شعوراً أو إدراكًا تُسبِّح ربَّها به، وتسقط الحجارةُ من خَشيته، وتسجد له الجبال والشجر، وتسبِّحه الحصَى والمياهُ والنبات، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]. ولو كان التسبيح هو مجرَّد دلالتها على صانعها لم يقل: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، فإنَّ كلَّ عاقل يفهم دلالتها على صانعها.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]، فهذه صلاةٌ وتسبيح حقيقة يعلمها الله، وإن جحدها الجاهلون المكذبون.
وقد أخبر تعالى عن الحجارة أنَّ بعضها يزولُ من مكانه، ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له ــ أي: يستمعان كلامه؛ وقد خاطبهما، فسمعا خطابه، وأحسنا جوابه وحُقَّ لهما ذلك_، فقال لهما: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]. ... فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك(7).


_ وذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية أيضاً على خلق التمييز في الجماد، فقال: إنه يخشى ويسبح بلسان القال، ولكن أخفى الله تعالى عنا فهم ذلك، أو بلسان الحال، وهو: الإذعان لربوبيته والطواعية لقدرته.
قالوا: وأما التسبيح الصادر من الجمادات _كالحصى_ على يدي رسول الله ﷺ معجزةً له؛ فإن ذلك بلسان القال لا الحال، وإلا لم يظهر التفاوت بينه وبين غيره عليه الصلاة والسلام(8). وينظر ما قاله الخازن عن حنين الجذع وغير ذلك في تفسيره(9).

*وهكذا أضحت قلوبهم أجدب وأقسى من الحجارة العاتية، ولا تنتفع ولا تلين رغم أن الله فجر الحجارة لموسى عليه السلام اثني عشر عيناً، ولكن ذلك لم يردعهم ويقنعهم، وهم كما قال الشاعر أحمد شوقي في الاحتلال الفرنسي لسورية بعد الجزائر:

سلي مَن راعَ غِيدَك بعدَ وهنٍ ** أبينَ فؤادِهِ والصّخرِ فرقُ؟
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا ** قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
(10).


***
يُتَّبع


هوامش:
(1) تفسير ابن كمال باشا: 1/222، التفسير الواضح لحجازي: 1/48.
(2) تفسير الطبري: 9/391، اليهود في القرآن والسنة، للدكتور: محمد أديب الصالح: ص26.
(3) مختصر الخازن: 1/41، ابن كمال باشا: 1/222، الأساس في التفسير، لسعيد حوى: 1/160.
(4) أضواء البيان: 1/39.
(5) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي: 1/330، والتفسير المنير: 1/201.
(6) ينظر: الوسيط للواحدي: 1/158.
(7) ينظر: كتاب الروح: 1/210_212.
(8) ينظر: عمدة الحفاظ للسمين الحلبي: 2/167، وتفسير القاسمي: 1/330. أو على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة. الأساس في التفسير: 1/160.
(9) ينظر: مختصر الخازن: 1/42.
(10) ديوانه (الشوقيات): ص62، وينظر: في ظلال القرآن: 1/80، وتفسير السعدي (تيسير الكريم): ص55.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...