سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((34))
سورة البقرة - الدرس (32)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (6)
بعد أن جاء الأمر لبني إسرائيل بذبح البقرة؛ جاءت الآيات ببيان علِّة الذبح وإظهار قدرته تعالى على إحياء الموتى لعلهم يعقلون.
*لماذا أمروا بذبح بقرة دون غيرها؟
قال الإمام الماوردي: وإنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته(1).
وقال محمد أبو زهرة: وقد كانت عبادة العجل عند المصريين القدماء، فأراد الله أن يخلص بني إسرائيل منه (2).
*فكانت سنة الله تعالى فيهم:
12_ فضحهم وبيان حالهم من استباحة القتل وعبادة العجل وإنكار البعث والنشور.
حيث سيقت قصة البقرة لبيان إمكان إحياء الموتى يوم القيامة في وسط قوم ينكرون اليوم الآخر، فخاطب الله تعالى الجماعة لوجود القتل فيهم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ(72)﴾
أي: واذكروا يوم قتلتم نفساً وتخاصمتم وتدافعتم تلك الجريمة، فاتَّهم بعضكم بعضاً بقتلها، والله يعلم الحقيقة وهو كاشفها ومظهرها مع كتمانكم لها(3).
_ قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)﴾. أي: رجاء منكم لأن تعقلوا وتدركوا الأمور على وجهها؛ فتمتنعوا عن معاصيه(4).
فأراد الله سبحانه أن يبصرهم بمعجزة إحياء الموتى في المعاد، كذلك لعلهم يحكمون عقولهم بأنه تعالى يحيي العظام وهي رميم، والإعادة عليه سبحانه بعد الخلق هينة مطلقاً، لأنه يقول للشيء كن فيكون(5).
_ وقد يثار سؤال هنا: بما أن الله تعالى قادر على إحياء القتيل، فلماذا قال: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}؟ والجواب:
حتى تكون الحجة عليهم مؤكدة، ولدفع احتمال أن يتوهم متوهمٌ أن موسى عليه السلام إنما أحيا بحيلة أو بضرب من السحر، فأمر بضربه بجزء من البقرة لتنقضي الشبهة ويُعلم أن ذلك من عند الله تعالى(6).
*لماذا تقدمت قصة البقرة على قصة الإحياء؟ وهل هما قصتان مختلفتان؟
_ على ثلاثة أقوال:
1_ أنهما قصة واحدة:
كما قال جمهور المفسرين، وذلك على تفسير الضمير في قوله تعالى: {اضْرِبُوهُ بِبَعضهَا} أي ببعض البقرة، فيكون المقصود: أن الأمر بالذبح لكي يُضرب القتيل ببعضها فيحيا، فدل ذلك على أنهما قصتان متحدتان في قصة واحدة، وأن الضمير عائد إلى البقرة. وإن هذا يقتضي أن يقدم خبر الإحياء والضرب ببعضها على الأمر بالذبح! (7).
2_ قصتان مختلفتان:
وقال الزمخشري: "هاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة، وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع"(8).
وقال ابن عجيبة: " ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد"(9).
3_ القول الثالث:
إنهما قصتان مختلفتان والضمير عائد على القتيل.
وإلى هذا الرأي ذهب الشيخ عبد الوهاب النجار(10)، حيث عدَّهما قصتين منفصلتين، لا اتصال بينهما بأي نوع من الاتصال البياني؛ ولم يجعل الضمير في قوله تعالى: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} عائداً على البقرة، وإنما جعله عائداً إلى جثة المقتول، بمعنى: "فاضربوا القاتل الذي قام الاتهام على أنه القاتل ببعض جثة المقتول؛ فإن ذلك يحمله على الاعتراف، وإذا قام الاعتراف فقد قام الدليل الموجب للقصاص، وبذلك القصاص يحيي الله تعالى من مات بالقصاص له".
وعقب عليه أبو زهرة بقوله:
ونحن نميل إلى رأي الأستاذ النجار؛ لأنه لو كانت الحياة من الضرب ببعضها لأدى ذلك إلى إشباع ما في نفوسهم من أوهام تقديس البقر كما كان يتوهم المصريون، بينما الرأي الأخير لَا يؤدي إلى شيء من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم(11).
*لماذا طلب منهم ذبح بقرة وليس حيواناً آخر؟
قال الخازن: في ذلك بعض الفوائد، منها: _ التقرب بالقربان بها على ما جرت به عادتهم. _ أن هذا القربان كان الأعظم عندهم. _ تحصيل المشقة لتحصيل هذه الصفة. _ الإفادة المالية لصاحبها(12).
*ماذا يستفاد من القصة؟
1_ حرمة الاعتراض على الشارع ووجوب التسليم لأمره ونهيه ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهي وعلتهما.
2_ بيان ما كان عليه قوم بنو إسرائيل من العجرفة والمراوغة والغلظة وسوء الأخلاق، ليتجنب مثلها المسلمون.
3_ الندب إلى الأخذ بالمتيسر وكراهة التشدد في الأمور(13).
ولذلك قال ﷺ: ((دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ))(14).
يتبع
***
هوامش:
(1) تفسير الماوردي: (النكت والعيون): 1/137.
(2) ينظر: زهرة التفاسير: 1/268.
(3) ينظر: مختصر الخازن: 1/40، صفوة التفاسير: 1/68.
(4) زهرة التفاسير: 1/270، التفسير الميسر: 1/11.
(5) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/303. ط دار طيبة.
(6) مختصر الخازن: 1/68.
(7) ينظر: زهرة التفاسير: 1/270، التفسير الميسر: 1/11، وقيل: هذا من باب التقديم والتأخير في التلاوة، فقوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام: وإِذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها، فسألتم موسى فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}. ونظيرها قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً} أراد: أنزل الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً، فأخر المقدم وقدم المؤخر. زاد المسير لابن الجوزي: 1/78.
(8) الكشاف: 1/154، مختصر الخازن: 1/40.
(9) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: 1/119.
(10) في كتابه: "قصص الأنبياء"، ص 259_262، وهو باحث، يسلك في عداد المؤرخين، من فقهاء مصر، (1278 - 1360 هـ = 1862 - 1941 م)، من كتبه: "زهرة التاريخ"، " تاريخ الإسلام "، " تاريخ الخلفاء الراشدين " و " مذكرات عن الهند "، الأعلام للزركلي: 4/182.
(11) ينظر: زهرة التفاسير: 1/270_273.
(12) ينظر: مختصر الخازن: 1/40.
(13) أيسر التفاسير: 1/70.
(14) رواه البخاري: رقم: (7284) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
بقلم: د.خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


