سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((32))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((32)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٣ صفر ١٤٤٨ هـ - ١٧ تموز ٢٠٢٦
41

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((32))

سورة البقرة - الدرس (30)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (4)


ومن السنن التي نزلت فيهم وفي غيرهم:


8_ فتح باب المغفرة والتوبة لمن تاب من اليهود وأمثالهم، والتحذير من إنزال العذاب على من عصى وصار مثلهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا(1) وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى(2) وَالصَّابِئِينَ(3) مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾
فهذه أول آية يرد فيها اسم اليهود "هادوا" في القرآن الكريم، بعدما كان خطابهم بـ "بني إسرائيل"، ومعنى {هَادُوا}: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون هِوَادًا وَهِيَادةً(3). وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولِهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]، أي: تبنا من عبادة العجل، وقيل نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام (4).
ومما قيل في الآية: في هذا التعبير إشارة إلى أنهم ليسوا اليهود الأصليين، وإنما هم الذين انتسبوا إلى اليهود، ولم يكونوا من سبط يهوذا (5). أي: تهودوا.
وقد جاءت هذه الآية في سياق تذكيرهم بآيات الله وسننه السابقة واللاحقة فيهم.
قال الحَرَّالي: "ولما أنهى سبحانه وتعالى نبأ أحوال بني إسرائيل _مما بين إعلاء تكرِمَتهم بالخطاب الأوَّل، إلى أدنى الغضب على من كفر منهم_ وكانوا هم أول أهل كتاب؛ أشعر تعالى بهذا الختم أنهم صاروا قدوة لجميع من بعدهم، وأن جميع من بعدهم يكونون لهم تبعًا فيما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة".
فكأنه قال: "اعلموا أن باب التوبة مفتوح وأن ربكم كريم لكل من تاب وعاد إليه". وأن جزاءه الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة(6). كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].
فدلت الآية على سنته سبحانه وتعالى فيهم وفي غيرهم: أنّ مَن آمن وعمل صالحًا من كلّ هذه الفرق في زمانه أو زمان رسوله الخاصّ فله أجره، أما بعد بعثته ﷺ فلا بدّ من الإيمان به والتصديق بدعوته، ولا يصح إيمان الفرق السابقة بعد بعثة الرسول الكريم، لأن شرعه ناسخ لما سبقه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] (7).


9_ تنديدهم بتكرار مخالفتهم لأمر الله تعالى ونقض المواثيق.
وذلك لما نقضوا الميثاق والعهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي عن الصيد يوم السبت وغير ذلك من المناهي، فأصبحوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)﴾.
وهكذا كان طبعهم وعملهم دائماً مقابل نعم الله عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211].
*فكانت سنة الله تعالى فيهم: التهديد ثم الرحمة واللطف بهم.
فبعد أن قال لهم سبحانه وتعالى: احفظوا واعملوا بما في التوراة ولو رأيتم أوامرها ثقيلة عليكم، لعلكم تتقون وتنجون من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى؛ هددهم بقوله: إن قبلتم بالأوامر وإلا رفعت فوقكم هذا الجبل _ الذي رفعه فوقهم كالظلة وهذا أثقل من الآصار عليهم_ ورضختكم وأغرقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار.
فلما رأوا أن لا مهرب لهم منها قبلوا وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل فوقهم وهم سجود، فصار سنةً في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا _فقبلوا إلى حين، ثم أعرضوا بعد ذلك عن الطاعة_ ولولا رحمة الله ولطفه بهم وإمهاله إياهم؛ لكانوا من الهالكين الخاسرين في الدنيا والآخرة(8). وهذا كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)﴾.


10- مسخهم قردةً وخنازير.
وذلك في الذين كانوا معتدين في السبت، فذكَّرهم سبحانه وتعالى بسنته السابقة في أسلافهم، حين خالفوا وتحايلوا على أمر الله تعالى، قال عزوجل : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ... (65)﴾. أي: لقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163].


*فماذا كانت سنة الله تعالى فيهم؟
لما ضيَّعوا أمراً واحداً من أوامره سبحانه واستخفوا به _وهو تحريم العمل في يوم السبت لِقَصْرِهِ على العبادة _ عذبهم بعذاب لم يعذب به أحداً من العالمين، فمسخهم قردةً وخنازير، وجَعَلهم عبرةً للعالَمين(9). كما خاطبهم تعالى بقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)﴾.
فكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل ووعي وتفكير، يتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها والخنازير في شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، مبعدين عن الخير أذلاء صاغرين. كما نرى أفعالهم ومؤامراتهم في زمننا هذا، حيث نرى مسخهم المعنوي أمامنا.
وهذا القول الأول في معنى المسخ، كما قال تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً} [الجمعة: 5]. والقول الأخر: أنهم مُسِخُوا قردةً حقيقة بعد كونهم بشراً.
فإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام، فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا نبوة محمد ﷺ، خوفاً من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم(10).


*فما الحكمة من سنة هذا العقاب الشديد فيهم؟
كانت الحكمة من نزول هذا الجزاء كما أخبر سبحانه وتعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)﴾. أي: جعلنا تلك المسخة عبرةً زاجرةً تنكِّلُ وتمنع من اعتبر بها، وذلك لما قَبْلها وما بعدها وما عاصرها من الأمم والقرون، _ حتى لا تتمادى في غَيِّها وعصيانها، وتذكيراً للأمم التي تأتي مستقبلاً من أمم بني إسرائيل _ لأن مَسْخَتهم ذُكِرَتْ في كتب الأوَّلين فاعتبَرُوا بها، واعتبر بها مَنْ بلغتهم من الآخرين، ولتكون {مَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو: لكل متقٍ سمعها(11). فما أحرانا أن نتَّبعَ مقاصدَ هذه الآية العظيمة.

***
يتبع



هوامش:
(1) مما قيل في تفسيرها: أي آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون. مدارك التنزيل (تفسر النسفي): 1/94. ولكن بعضهم قد يتوب ويؤمن بصفات الله تعالى واليوم الآخر، ولذلك ختمت الآية بذلك.
(2) لقولهم كما أخبر سبحانه وتعالى عنهم في قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52]، أو لاعتزالهم إلى قرية الناصرة التي كان المسيح ينزلها. مختصر الخازن: 1/36.
(3) {والصابئين} الصابئ مِن صبأ: إذا خرج من دين إلى دين، وهم قومٌ خرجوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة أو الكواكب، لأنها تقربهم إلى الله. ينظر: تفسير ابن كمال باشا: 1/204، أو: المنكرين للرسالة في الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية، متوسطين إلى رب الأرباب. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: 1/456. قال عمر بن الخطاب: "تؤكل ذبائحهم كأهل الكتاب"، وقال ابن عباس: "لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم". مختصر الخازن: 1/36.
(4) ينظر: تفسير الطبري: 2/32، تفسير الوسيط للواحدي: 2/206.
(5) روائع البيان، لمثنى هبيان: 1/293.
(6) ينظر: نظم الدرر: 553_554، تفسير ابن بدران: ص215.
(7) روائع البيان: 1/299.
(8) ينظر: تفسير البغوي: 1/125، ومختصر الخازن: 1/37، والتفسير المنير: 1/181.
(9) ينظر: تفسير النسفي: 1/95، نظم الدرر: 1/464.
(10) ينظر تفسير الماوردي: 1/135، التفسير المنير: 1/181.
(11) تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل): (1/ 96) ، المعين على تدبر الكتاب المبين، مجد مكي: ص10.



بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...