سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((30))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((30)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٨ محرم ١٤٤٨ هـ - ٣ تموز ٢٠٢٦
39

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((30))

سورة البقرة - الدرس (28)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (2)


نتابع عرض السنن الربانية التي وقعت على اليهود فيما يأتي:


3_ ابتلاؤهم(1) واختبارهم بالنعم الكثيرة وإعلامهم بها لعلهم يتذكرون فيهتدون:
وقد جاء تعداد ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ(2) ... وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ... وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ... ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ... وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ... ﴾ [الآيات: 49_54]. وغيرها من النعم الكثيرة.
أي: اذكروا أيها اليهود الذين تعاصرون التنزيل ونبوة محمد ﷺ النعمَ التي أنعم الله بها على آبائكم، وكانت سبباً لبقائكم، وهي نعم عليكم بالتبع أيضاً، لأن الإنعام على أمة إنعام يشمل كل أفرادها.


*ما الحكمة من تعدد النعم السابقة وغيرها على اليهود وتذكيرهم بها؟
إن القرآن الكريم ذكَّرهم بما أنعمه الله تعالى عليهم واحدة فواحدة؛ ليكون أبلغ في هذا التذكير وأعظم في الحجة؛ ولأن التذكير بكثرة النعم يوجب الحياء عن إظهار المخالفة، ويبين عِظَم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن(3).
فتذكيركم أيها اليهود(4) بهذه النعم للحمل على شكر الله تعالى وعبادته في جميع عصوركم، وفي ذلك اختبار لكم من ربكم لمدى قيامكم بما أمركم به(5)، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)﴾.
وكان من سنة الله تعالى فيهم ابتلاؤهم بقتل أنفسهم _يقتل البريء منهم المجرمَ_ توبةً من عبادة العجل، ومنع الصيد يوم السبت، وذبح بقرةٍ، وتحريم الشحوم وغيرها من الابتلاءات كما جاء في سورة البقرة وغيرها.


*ما النعم التي ذكَّرهم القرآن الكريم بها؟
_ هي عشرة: النجاة من فرعون، عبورهم البحر الأحمر سالمين، قبول توبتهم وعفو الله عنهم، إنزال التوراة عليهم، التخلص الجماعي من المجرمين منهم، سترهم بالسحاب الأبيض الرقيق من حرّ الشمس أثناء وجودهم في وادي التّيه بين الشام ومصر مدة أربعين سنة، إنزال أفضل أنواع الطعام والشراب (المنّ والسلوى)، أمرهم بدخول الأرض المقدسة، والعاشرة: نعمة السُّقيا بعد العطش وشدّة الحرّ أيامَ التّيه(6).


4_ توبيخهم على قبيح ما طلبوه بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بقبول التوبة:
فبعد أن ذكّرهم بنعمه سبحانه وتعالى؛ بيَّن لوناً من ألوان طغيانهم وجحودهم وتبديلهم لأوامره، قال ﷻ: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)﴾. وخاطب الله تعالى نبيه ﷺ مسلياً له ومذكراً بعادتهم وعقيدتهم القديمة في سورة أخرى فقال: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153]
ظاهر السياق أن القائلين هذه المقالة قوم موسى عليه السلام، وقيل: هم السبعون الذين اختارهم موسى ليعتذروا إلى الله سبحانه من عبادة العجل،
فسمعوا الله ﷻ يكلم موسى وهو يأمره وينهاه، فلما انكشف عن موسى الغمام وأقبل إِليهم قالوا له: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً} أي: عياناً رؤية البصر لا يستره عنا شيءٌ.
فبدلاً ما يقابلون الذي أنعمه عليهم بالشكر والعبادة؛ قاموا بطلب رؤية الله تعالى عياناً كما قال ابن عباس، وانقلبوا على أعقابهم واستولت عليهم المادِّيَّةُ الفكرية بعدما تركوا الإيمان، وهنا أخذهم اللّه تعالى بعذابه، قال تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}، وهي نارٌ جاءت من السَّماء فأحرقتهم جميعاً وهم يرونها وينظرون إليها. وقيل: الصاعقة التي هي سبب الموت: صيحة من السماء فأهلكتهم(7). كما قال تعالى في قوم ثمود: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: 44].


*ما الحكمة من تعذيبهم بالصاعقة دون غيرها؟
_ قيل: إنَّما أخذتهم الصَّاعقة؛ لأنَّهم امتنعوا من الإِيمان بموسى عليه السلام بعد ظهور معجزاته لعنادهم وطلبهم المستحيل، وجزاءً عما بدا منهم من العجرفة وعدم الاكتراث بالمعجزات، وهذه عقوبة دنيوية، لم تكن مثل صاعقة عاد وثمود(8).


5_ التوبة والإنعام عليهم مرة أخرى وإنزال العذاب بالظالمين منهم لعلهم يكونون من الشاكرين. وذلك في أمرين:


أ_ البعث بعد الموت:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)﴾ أي: ثم أحييناكم بعد الصاعقة لتتوبوا عن بغيكم وتؤمنوا بي وتشكروني.
وكان ذلك بدعاء موسى عليه السلام ومناشدته ربه بعدما أفاق، ففي بعض الآثار أنهم لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول: "يا رب: إن بني إسرائيل يقولون قتلت خيارنا". فأحياهم الله تعالى جميعاً، رجلاً بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحييون(9).


ب_ التظليل بالغمام وإنزال الرزق الحسن. قال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وكانت هذه سنة الله فيهم، ولكنهم عادوا إلى طبعهم وأهوائهم فظلموا أنفسهم وجحدوا نعم الله عليهم، فعاد الله عليهم بسنة العذاب المستَحق، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾.

6_ إرشادهم إلى طريق النجاة، والإنعام عليهم مرة أخرى بالمغفرة والرزق الحسن، لعلهم يكونون من المحسنين.
فهؤلاء القوم مع كفرهم وعصيانهم؛ ظلوا يُعاملون باللطف والإِحسان الرباني، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ _ أي: حُطَّ عنا ذنوبنا_ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)﴾
فبعد مرور أعوام عديدة على بني إسرائيل ونشوء أجيال جديدة منهم؛ أنعم الله عليهم بدخول الأرض المقدسة خاشعين _وهي أرض فلسطين وبيت المقدس على أصح أقوال المفسرين_ مع المغفرة والتوبة، وأباح لهم التمتع بخيراتها بعد التيه والضياع والجوع، وهي نعمٌ تستحق الشكر والعبادة عليها لو كانوا يفقهون.
ولكن بالرغم من ذلك... هل عرفوا لهذه النعمة حقها!، وهل وفوا بعهدهم مع الله!، وهل آمنوا بكتابه واتبعوا رسوله وانضموا إلى موكب الإيمان! ... كلا، بل قاموا بتحريف كلام الله تعالى وعصيانه كما قال سبحانه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [59]!(10).


_ فماذا كانت سنة الله فيهم؟
كانت كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)﴾ أي: أصابهم بعذاب من الظلُّمة والطاعون(11) حتى هلك منهم فِي ساعة واحدة سبعون ألفاً؛ جزاءً لفسقهم بتبديل ما أُمروا به.


*لماذا تنوعت السنن الربانية في طريقة معاقبة اليهود؟
إن من حكم ذلك ما قاله المفسر المراغي:
ابتلى الله تعالى بنى إسرائيل بضروب من النقم عقب كل نوع من أنواع الفسوق والظلم، فأصيبوا بالطاعون كثيراً، وسُلّط عليهم أعداؤهم بسبب تكرار فسقهم وعصيانهم ومخالفتهم أوامر دينهم(12). وهكذا طباع اليهود إلى يومنا هذا.



هوامش:
(1) حيث الابتلاء يكون بالنعمة ويكون بالنقمة، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)﴾ [الأنبياء: 35]. أي: بالشدة والرخاء.
(2) أي: من فرعون الظالم وأتباعه ممن كان يملكهم من القبط والعماليق بمصر.
(3) ينظر: تفسير النيسابوري: 1/281، والتفسير المنير: 1/151.
(4) ويشمل هذا الخطاب والعبرة كل أهل الكتاب والمسلمين أيضاً، لكي لا يقعوا بما وقع به غيرهم فيستحقوا سنة الله في إنزال العقاب، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(5) ينظر: مختصر الخازن: 1/30، وزبدة التفسير من فتح القدير، لمحمد سليمان الأشقر: ص10، والتفسير الميسر: 1/8.
(6) ينظر: التفسير المنير: 1/160_162، 1/166_168.
(7) ينظر: تفسير الواحدي (الوجيز): ص106، ومختصر الخازن: 1/32، وفتح القدير للشوكاني: 1/102. وصفوة التفاسير: 1/51.
(8) ينظر: الوجيز للواحدي: ص106، والتحرير والتنوير لابن عاشور: 1/507.
(9) تفسير الآلوسي: 1/263.
(10) ينظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر: ص14، والسهل المفيد في تفسير القرآن الكريم، لعبد الحي الفرماوي: ص20.
(11) قال المراغي: لم يعين الكتاب هذا الرجز، وإن كان كثير من المفسرين قالوا إنه الطاعون، وقال في موضع آخر: الرجز: هو العذاب الذي تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم. تفسير المراغي: 1/124، 9/91.
(12) ينظر: الوجيز للواحدي: ص108، وتفسير الجلالين: ص13، وتفسير المراغي: 1/125.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...