سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((29))
سورة البقرة - الدرس (27)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (1)
نتحدث الآن عن السنن الربانية في شأن اليهود، من خطابهم وبيان حالهم، ثم حكمهم في الدنيا والآخرة.
فإن هذا أكبر موضوع تكلمت عنه السورة، حيث جاء الحديث عنهم من الآية (40) حتى الآية (123)، عدا ما جاء متفرقاً في باقي السورة والسور الأخرى، كآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة ويونس وإبراهيم والإسراء ومريم وطه والقصص والحشر.
_ وأول آية في ذلك: قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)﴾،
{إِسْرائِيلَ} هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام كما اتفق عليه المفسرون.
وجاء ذكره هكذا في الحديث الذي رواه ابْنُ عَبَّاسٍ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ. قَالَ: " سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، _وفيه قول النبي ﷺ_: "فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، وَطَالَ سَقَمُهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ... قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: " اللهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ ..." الحديث(1).
وبنوه: أولاده، وهم اليهود من أبناء الآباء الأقدمين، وكان يعقوب يدعى "إسرائيل"، بمعنى عبد الله وصفوته من خلقه، وقيل: الأمير المجاهد، و"إسرا" هو العبد، و"إيل" هو اسم الله بالعبرانية، كما قيل: "جبريل" بمعنى عبد الله.
وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقوله: "يا بني إسرائيل" أحبارَ اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب، كما نسب ذرية آدم إلى آدم(2).
*لماذا جاء هذا العدد الكثير من الآيات عن اليهود في أول وأطول سور القرآن الكريم؟
يقول الإمام الطبري: وإنما خصَّهم بالخطابِ في هذه الآيةِ والتي بعدَها مِن الآي... لأن ما احْتَجَّ به مِن الحُجَجِ في الآياتِ التي فيها أنباءُ أسْلافِهم وأخبارُ أوائلِهم، وقَصَصُ الأمورِ التي هم بعلمِها مَخْصوصون دونَ غيرِهم مِن سائرِ الأممِ؛ ليس عندَ غيرِهم مِن العلمِ بصحتِه وحقيقتِه مثلُ الذي لهم مِن العلمِ به، إلا لمن اقتَبَس علمَ ذلك منهم. فعرَّفهم باطِّلاعِ محمدٍ ﷺ على علمِها، وهو لم يَصِلْ إلى علمِ ذلك إلا بوحىٍ مِنه تعالى، لأنهم مِن عِلْمِ صحةِ ذلك بمَحلٍّ ليس به مِن الأممِ غيرُهم، فلذلك خصَّهم الله تعالى بالخطاب في قولِه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}(3).
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي: بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها النبوة فبدأ باليهود؛ لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين في القرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم(4).
*كيف جرت سنة الله تعالى في مخاطبة اليهود ومعاملتهم؟.
مما دلت عليه الآيات أنه سبحانه ذكَّرهم أولاً بالعهد المؤكَّدِ معهم على التصديق بنبوة محمد ﷺ، ثم ذكَّرهم بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وتنوع أسلوب القرآن في خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وطوراً بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة الحجة عليهم(5).
وقد لخص الحافظ النيسابوري ذلك في قوله: لما أقام سبحانه وتعالى دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر، أردفها بالإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود؛ إلانةً لشكيمتهم واستمالةً لقلوبهم، وتنبيهاً على نبوة محمد ﷺ من حيث كونه إخباراً بالغيب، مُدرِجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق(6).
1_ تذكيرهم بنعمة الله تعالى وأخذ العهد عليهم بالتوحيد والإيمان.
_ قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)﴾، أي: يا أبناء النعمة التي كان عليها آباؤكم، ويا أبناء العبد الصالح... اُذكروا واشكروا المنعم بها عليكم سبحانه وتعالى، وكونوا مثل أبيكم، وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي؛ {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أي: بالقبول وأَرْضَ عنكم وأدخلكم الجنة(7).
وقد جاء ذكر النعمة مفردة والمقصود بها الجمع، وأضافها سبحانه لنفسه لعظمها وكبير شأنها.
والآية هذه كقول موسى عليه السلام لهم: {يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين} [المائدة: 20]. يعني: في زمانهم، حيث فضَّلهم الله على عالَم هذا الزمان(8).
_ ثم جاءت الآية التالية تتمةً للعهد السابق، وهو ما أخذه اللّه سبحانه على بني إسرائيل في التوراة من وجوب اتباع كل الأنبياء وخاصة خاتم الأنبياء محمد ﷺ عندما يأتي، فقال جل جلاله:
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)﴾. أي: ولا تستبدلوا، فأنتم أيها اليهود المدَّعون للإيمان وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأصحاب الجنة خالدين فيها... قد نزل القرآن مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ من التوراة _من الأمر بالتوحيد وإثبات النبوة_ فلا تسارعوا إلى الكفر به، لأن وظيفتكم وواجبكم أن تسبقوا إلى الإيمان؛ لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه كما تعرِفون أبناءكم، وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون(9). كما قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146].
2_ أَمْرُهُمْ بالبر والعمل الصالح وعدم مخالفة كلام الله تعالى:
_ وبخ الله تعالى أحبار اليهود فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾ ذلك أنهم كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، ويحرّفون كلام اللّه ويؤوّلونه خدمةً لأغراضهم وأهوائهم. والاستفهام هنا للتقرير والتقريع والتعجيب كما قال الخازن(10).
فعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في يهود المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه رضاع من المسلمين: "اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل _ يعنون محمداً ﷺ_ فإن أَمْرَهُ حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه"(11).
_ وهذا الوعظ القرآني وإن كان لليهود والنصارى أصلاً؛ لكن مضمونه عامٌّ لجميع المسلمين والمؤمنين، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب _ كما هي القاعدة المتفق عليها_
وهو يُحذّر العلماء _ خاصة_ من أن يجعلوا علمهم ودينهم حرفةً تُكتسب بها المصالح، لا عقيدةً تُحرِّك الضمير وتدفع إلى الإصلاح، ولذلك يجب أن يكون دين الإمام والعالم والواعظ عقيدةً حيّةً، لا وظيفةً يكتسب بها الجاه والمال والسلطة(12).
والمراد: ذم من يأمر غيره وينسى نفسه ودامَ على ذلك، قال بعض العلماء: كالواعظ الذي ينهى عن كل أمر إلا ما وقع هو فيه. ومثاله ما نراه اليوم من بعض علماء السوء الذين يدورون مع هوى السلطان الظالم حيث دار لا مع القرآن، حتى أصبح بعضهم يبرر المنكر والعياذ بالله تعالى.
وأما ما كان عليه قدوتنا وأسوتنا من الأنبياء والصالحين، فهو كما قال سيدنا شعيب عليه السلام لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، فَكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله والنهي عن المنكر وتركه واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر(13). لذلك جاء الوعيد بعدها في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)﴾.
*تنبيه: ينبغي أن نبين أن المسلم والعالم المقصر المعترف بذلك لابد له أن يعظ ولا يتوقف بحجة أنه غير كامل القول والفعل، بل يذكِّر ويعظ حتى لا يقع في معصيتين: (تقصيره وامتناعه عن الوعظ)، قال بذلك سعيد بن جبير والحسن البصري رحمهما الله تعالى.
والحاصل من قولهما: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر"، فاستحسنه مالك بن أنس: " ومن ذا الذي ليس فيه شيء!؟". ذكر ذلك القرطبي والبيضاوي وسنان الدين الأماسي(14). نتابع.
هوامش:
(1) رواه أحمد مطولاً: رقم: (2514)، وهو حديث حسن، إسناده ضعيف لكن له طريق آخر يتقوَّى به، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، المسند: 4/312. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: رقم: (2854).
(2) ينظر: تفسير الطبري: 1/689، ط دار هجر، تفسير ابن كمال باشا: 1/159، و"الجواهر واللآلئ المصنوعة في تفسير القرآن العظيم بالأحاديث الصحيحة المرفوعة"، لعبد الله التليدي: 1/46.
(3) ينظر: تفسير الطبري: 1/594، ط دار هجر.
(4) التفسير المنير: 1/149.
(5) ينظر: التفسير المنير: 1/149.
(6) غرائب القرآن: 1/270.
(7) ينظر: تفسير النيسابوري: 1/270، وقال: حكاه الضحاك عن ابن عباس. ومختصر الخازن: 1/27.
(8) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/364.
(9) تفسير أبي السعود: 1/95_96، تفسير المقدم: 5/11، التفسير المنير: 1/148_150.
(10) ينظر: مختصر الخازن: 1/27.
(11) أسباب النزول للواحدي: ص24.
(12) ينظر تفسير: في ظلال القرآن: 1/68، وتفسير القرآن العظيم: 1/47 لعبد الله التليدي.
(13) تفسير ابن كثير: 1/247.
(14) ينظر: تفسير القرطبي: 1/367، وتفسير البيضاوي: 1/17، وتبيين المحارم، تحقيق د: خالد هنداوي: 2/86.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


