سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((28))
سورة البقرة - الدرس (26)
النفاق والمنافقون .. صفات وأحوال (4)
نتابع في ذكر شيء من سنن الله تعالى الجارية المطردة في أهل النفاق، أفراداً وجماعات، عموماً وخصوصاً، وكيف أن الله تعالى فضحهم وكشف خطرهم، فضرب لنا الأمثال فيهم لبيان حالهم، فأظهر لنا أمثلة مطابقة لأحوالهم بعد ورود وصفهم: بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، فكان ذلك زيادة في إبانة أفعالهم بما يؤثر في العقول والقلوب ما لا يؤثره في وصف الشيء نفسه، ليتأكد الوقوف على ماهيتهم.
وقد أوضح علماء السلف وجهَ الشبه بين هؤلاء المنافقين والمثل البليغ المضروب المنطبق عليهم كما سيأتي.
ولما كان المقال لا يتضح إلا بالمثال؛ جاءت الحكمة من سنن الله الثابتة التي تنتج أحكاماً للمخاطبين كما في المثل. قال الزمخشري: "ولضرب الأمثال والنظائر عند العرب شأن ليس بالخفي من إبراز خبيّات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق"(1).
* هذا وقد ضرب الله سبحانه مثالين عن المنافقين في هذا الموضع:
_ الأول: في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)﴾.
_ فنرى هنا أن الله تعالى زوّدنا بهذا المثل كاشفاً وموافقاً لما عليه المنافقون، فهم كمن كان في مغارة ظالمة حالكة وهو بحاجة إلى نار، فاستوقدها من غيره إذ لم تكن عنده، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها... ذهب الله بنورها فأطفأها، فانتهى إشراقها وبقي إحراقها، فرجع في الظلمة والحيرة.
*سبب النزول والمعنى الإجمالي:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة بمغٍارة فاستدفأ واتقى ما يخاف، فبينما هو كذلك؛ إذ طفئت فصار في حيرة متخوفاً، فكذلك حال المنافقين، أظهروا الإيمان فأمنوا على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وقاسموا المسلمين في كل شيء، فهذا نورهم، أما ذهاب نورهم فهو: ظهور عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول الله ﷺ.
والمراد من المثل استضاءتهم بكلمة التوحيد رغم إخفائهم الكفر في قلوبهم.
وهذا كما قال ابن عباس: إن المنافقين يبصرون الحق فيقولون به، حتى إذا خرجوا أطفؤوه بكفرهم ونفاقهم.
وقال مجاهد رحمه الله: إضاءة النار هي إقبالهم على المؤمنين، وذهاب نورهم هو إقبالهم على الكافرين.
بينما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن المنافق كان في ظلمة الشرك، وحين أسلم ظاهراً صار كأنّه في نور، وبينما هو في ذلك كفر فوقع في ظلمة النفاق.
* وفي الآية فائدة: ذكر عدد من المفسرين أن الآية تعم جميع المنافقين الذين جهروا بالنفاق، أو لم يجهروا به، ولكن الراجح هو ما ذهب إليه ابن عباس وقتادة والضحاك أنها: تتحدث عن منافقين خاصين أخفوا نفاقهم، فلما ماتوا عذبهم الله عذاب الكافرين.
والحاصل: أن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع تعقبه بالضلالة ودوامه؛ بحال من استوقد ناراً ثم انطفأت وعاد في الظلام الأول(2).
_ وبعد انطفاء نورهم وظهورهم على حقيقتهم أصبحوا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾، أي: بقوا في ضلالهم لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه.
فهم وإن كانت لهم آذان تسمع وألسنة تنطق وأعين تبصر، لكنهم في الحقيقة كانوا صمٌّ عن الحق وسماعه، بكمٌ عن الإيمان والقول به، عميٌ عن النظر إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله(3).
وهذا لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعاً إليه منهم.
_ قال الإمام القرطبي: وَفِي قراءة عبد الله بن مَسْعُودٍ وَحَفْصَةَ رضي الله عنهما: {صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا}، فَيَجُوزُ النَّصَبُ عَلَى الذَّمِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا} [الأحزاب: 61]. أو نصباً لوقوع الفعل عليها، يعني: وتركهم صماً بكماً عمياً(4).
_ المثال الثاني:
وهو قوله سبحانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)﴾
أي: ومثلهم _ أيضاً في حيرتهم وترددهم_ كمثل قومٍ أصابهم مطر في سحاب عظيم شديد، فيه ظلماتٌ داجية ورعدٌ قاصف وبرقٌ خاطف، أظلمت له الأرض وأرعدت له السماء، فأصبحوا من فرط الدهشة والفزع: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق}، ظانين أن ذلك ينجيهم من تلك الصواعق المدمرة. وإنما أراد بالأصابع الأنامل(5).
وقيل إن هذا على حقيقته، إذ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن المنافقين إذا حضروا مجلسَ النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم؛ فَرَقًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيُقتَلوا(6).
_ وقوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ} أي: حذرًا من حلول الوعيد الذي توعَّدهم اللهُ به في القُرآن، وإشفاقًا من حلول عُقوبةِ الله بهم على نِفاقِهم؛ إمَّا عاجلًا في الدُّنيا، وإمَّا آجلًا في الآخِرة.
_ ثم ختمت الآية بقوله سبحانه: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}، فهم تحت إرادته ومشيئته وقدرته لا يفوتونه، فهو سبحانه محيط بجميع المخلوقات، وهم في قبضته وتحت قهره، كما قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 67].
_ وقيل: {محيط بالكافرين} أي: عالم بهم، دليله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، وقيل: مهلكهم وجامعهم، دليله قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66]، أي إلا أن تهلكوا جميعاً، وخص الكافرين بالذكر لتقدمهم ورودهم في الآية. والله أعلم(7).
_ وفي قوله سبحانه: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} تصويرٌ لحال هؤلاء المنافقين عندما تسنح لهم الفرص ويشعرون بالأمان، فإذا ظهر لهم نورُ الحقِّ ولَمَع مشَوْا على ضوئِه، وخطَوا خُطواتٍ يسيرة، لكنَّه لا يستقرُّ في قلوبهم المظلِمة بالشُّبهات والشكوك القويَّة، فلا يلبَث أن ينطفِئ، فإن أصاب المسلمين نكبةٌ؛ رجعوا إلى كفرهم ووقفوا حائرين مكذبين، فهُم في شكٍّ وتردُّد، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11](8).
والحاصل أن الله عز وجل قد كَشَفَ عوار المنافقين وبيَّنَ خطرهم، ويكفينا ما نزل في شأنهم في سورة (المنافقون)، وخصوصاً قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)﴾، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4].
***
هوامش:
(1) ينظر: الكشاف: 1/72، تفسير الطبري بتقريب الخالدي: 1/ 142، ومختصر الخازن: 1/17، والأمثال في القرآن: ص11_12، لعبد الرحمن حبنكة الميداني، وتفسير السعدي: ص44.
(2) ينظر: تفسير ابن عاشور: 1/307، وتفسير السعدي ص44، والتفسير الميسر، مجموعة من المؤلفين: 1/4.
(3) الهداية إلى بلوغ النهاية: 1/173، تفسير البغوي: 1/69، التفسير الميسر: 1/4.
(4) تفسير القرطبي: 1/214، تفسير السمرقندي (بحر العلوم): 1/31.
(5) ينظر: تفسير ابن جزي: 1/73.
(6) رواه الطبري بسنده في تفسيره: 1/346.
(7) تفسير القرطبي: 1/221.
(8) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/190_194، الوسيط للواحدي: 1/94_96، تفسير ابن عطية: 1/102_104، زبدة التفسير: ص5.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


