سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((27))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((27)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ١٢ حزيران ٢٠٢٦
41

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((27))

سورة البقرة - الدرس (25)
النفاق والمنافقون .. صفات وأحوال (3)


السنن الإلهية في أخلاق وصفات المنافقين وبيان خطرهم على الأمة داخلياً وخارجياً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)﴾


فهذه هي الصفة السادسة التي أظهرتها السورة، هي صفةُ ذي الوجهين، الذي هو أشر الناس كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))(1).


أي: وإِذا قابلوا المهاجرين والأنصار أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقاً ومصانعةً، وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، وهم اليهود الذين يمالؤونهم، أو المشركون وهم أسيادهم الذين يدفعونهم؛ قالوا لهم: نحن على دينكم، وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان أمامهم لا غير.


_ قوله تعالى: {وإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: اختلوا بهم، أو إلى بمعنى حرف مع، أي: مع شياطينهم، والمعنى صحيح. لكن الطبري يرجح أن {إلى} على ظاهرها أفصح، لأنها تعطي معنى: ألَّا يراهم المؤمنون لقضاء حاجة لهم ضد المسلمين.


_ وقوله تعالى: {إِنَّا مَعَكُمْ} أي: لا نفارقكم في حالٍ من الأحوالِ، {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}. أي: إنما نحن محصورون بالاستهزاء، لأن إنما تفيد الحصر، فهم يستهزؤون بمحمد وأصحابه ليأمنوا على أنفسهم ويقفوا على أسرار المؤمنين ويأخذوا من غنائمهم وصدقاتهم(2).


* ثم جاء الرد عليهم وبيان مآلهم في أحكامٍ ثلاثة، قال عز وجل:



1_: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي: يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنَّكال.
وصيغة الاستقبال تدلُّ على التَّجددِ والاستمرارِ كما يعرب عنه قوله عزَّ من قائل: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]، وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تَهَتُّكِ أستارٍ وتَكَشُّفِ أسرارٍ ونزولٍ في شأنهم واستشعارِ حذَرٍ من ذلك كَمَا أنبأ عَنْهُ قولُه عز وجل: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 64].


وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يسخر بهم للنقمة منهم ويُملي لهم كقوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183].


قال الإمام الطبري: القول الراجح في استهزاء الله تعالى بهم، بأن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الأحكام التي لهم في الآخرة، ففي الآخرة عليهم الهلاك والعذاب، وإن الله جعل للمنافقين في الدنيا أحكاماً حسب ما ظهر منهم بألسنتهم، فأجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر لكنه يوم القيامة أعد لهم العقاب والعذاب مثل ما أعد لأعدائه الكافرين، بل أكثر من ذلك، حيث جعلهم في الدرك الأسفل من النار، وقد أعد لهم ذلك العذاب؛ لأنه عاملهم يوم القيامة على حسب ما في قلوبهم من الكفر والشك والنفاق.


_ مسألة: قوله تعالى: {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي: يكشف مكرهم وخداعهم، كما قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] فقد أثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه أفعالاً ضد الكفار والمستهزئين.


والاستهزاء والسخرية والمكر عندما ينسب إلى الله تعالى، فإنه يدل على معنى يليق به سبحانه وتعالى ويخالف معناها عند الناس، لكنه لا يجوز لنا أن ننفيها عن الله سبحانه طالما أثبتها لنفسه(3).



2_: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: ويزيدهم _بطريق الإِمهال والترك_ في ضلالهم وكفرهم وعُتوِّهم وتمردهم يتخبطون ويتردّدون حيارى ويزدادون إثماً، ولا يجدون طريقاً للخروج منه، لأن الله قد ختم على قلوبهم وأعمى أبصارهم، وهذا القول هو الراجح عند الطبري، وهذا كما قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110].


كما ذكرَ الطبري أن العَمَه المذكور في الآية هو الضلالة، ونقل عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما أن المراد بالطغيان: الكفر، ونقل عن مجاهد والربيع بن أنس: أن قوله تعالى: {يَعْمَهُونَ} أي: يترددون من ضلالتهم.


_وقفة: قيل: المد يكون في الشر وأهله، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 79]، والإمداد في الخير وأهله كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: 22] (4).


3_: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾ قال الخازن: ذكر تعالى الشراء والتجارة على سبيل الاستعارة في البلاغة.


فأولئك المنافقون باعوا أنفسهم واختاروا الصفقة الخاسرة، حيث أخذوا الكفر وتركوا الإيمان فما كسبوا شيئًا، بل خَسِروا الهداية، وهذا هو الخسران المبين... لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، فما ربحت هذه التجارة وهذا الاستبدال؛ لأن المستبدِل في سلعتِه سلعةً دونَها هو الخاسر، ولم يهتد إلى طرق التجارة الرابحة التي أخبرنا عنها سبحانه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾ [الصف](5).


* فما الضرر الأخطر منهم على الأمة الإسلامية؟


_ يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة رحمه الله:


المنافق خبيث النفس، قد يكون جاسوسًا وعينًا للأعداء الصرحاء، يسرق من مجتمع المسلمين الأخبار والأسرار، وينقلها لأعدائهم الوقحين مقابل أجور ومنافع ومطامع يمنُّونه بها ويعدونه تحقيقها.


والمنافق: مفسد داخل صفوف المسلمين، لا يألوهم خبالًا، يسره ما يسوء المؤمنين الصادقين، ويسوؤه ما يسرهم.


والمنافق: مكَّار مراوغ خداع، يتربص الثغرات، وينتهز الفرص السانحات، يتحلى بأثواب الصداقة والموالاة.


والمنافق: من أبناء الأمة دنيء النفس، يسهِّل على العدو سبلًا ووسائلَ لضرب أمته عن طريقه، مقابل ثمنٍ بخسٍ أو شهوةٍ محرمة أو وعدٍ بتسليطه على قومه والانتقام من أعدائه من داخل أمته(6).



هوامش:
(1) صحيح البخاري: (6757).
(2) ينظر: تفسير الطبري _ تقريب الخالدي_: 1/128، مختصر تفسير الخازن: 1/16.
(3) ينظر: تفسير الطبري _ تقريب وتهذيب الخالدي_: 1/132.
(4) ينظر: تفسير الطبري _ تقريب وتهذيب الخالدي_: 1/134_135، وتفسير ابن كثير: 1/184، وتفسير أبي السعود: 1/46، وصفوة التفاسير: 1/30.
(5) ينظر: مختصر الخازن: 1/16، روح القرآن الكريم، عفيف طبارة: سورة البقرة: ص23، الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية: 2/92، د. عبد الله خضر حمد.
(6) ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ (تسلل المنافقين ومکرهم وإفسادهم من الداخل): ص16.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...