سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((26))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((26)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠٢٦
124

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((26))

سورة البقرة - الدرس (24)
النفاق والمنافقون .. صفات وأحوال (2)


نعود للتذكير بجريان سنن الله تعالى على المنافقين قديماً وحديثاً، فردياً وجماعياً _ سواء نفاقهم الأكبر أو الأصغر_ وضرورة جهادهم بالصبر عليهم وكشف وفضح مؤامرتهم، أو بجهادهم الفعلي لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وذلك لفرط كذبهم وحقدهم.

* قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)﴾
أي: لا تعصوا في الأرض بالنفاق وموالاة الكفرة وإيذاء المسلمين، فالكفر والنفاق من أشد العصيان، لأنَّهُ من عصى الله فقد أفسد في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار، فصلاح الأرض والسماء بالطاعة. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الفسادُ في الأرض هو الكفرُ والعملُ بالمعصية"، فمن عصى الله عزوجل فقد أفسد في الأرض.
وقال السمعاني في تفسيره: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} معناه: لَا تكفرُوا، فالكفْر أَشد فَسَادًا فِي الأَرْض(1).
وبدأ بالمنهيِّ عنه؛ لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم.



*من تعنيهم هذه الآية؟


أ_ روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في هذه الآية، أنه قال: (ما جاء هؤلاء بعد). أي يأتون في الزمن المستقبل.
قال الإمام الطبري: لعله أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد، فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه، وكذبهم على المؤمنين، ومظاهرتهم أهل التكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في الأرض كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال: 73](2).


ب_ وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هم المنافقون _أي: في زمن النبي ﷺ_ وفسادهم هو كفرهم ومعاصيهم، قال صلاح عبد الفتاح الخالدي: وهذا هو القول الراجح؛ لأن هذه الآية نزلت في المنافقين زمن النبي ﷺ، ولكنها تنطبق على كل منافق حتى قيام الساعة، حيث تبين أعماله وصفاته، وقد أجمع المفسرون على أن نزول الآية كان في زمن النبي ﷺ (3).


_ أي: وإذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تفسدوا الأرض بإثارة الفتن والكفر والصد عن سبيل الله؛ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: ليس من شأننا الإفساد أبداً، وإنما نحن أناس مصلحون نسعى للخير والصلاح.
وقال البيضاوي: تصوُّروا الفساد بصورة الصلاح؛ لما في قلوبهم من المرض، فكانوا كمن قال الله فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8].
وآثروا (إِنَّمَا) دلالة على أنَّ تلك الدعوى ظاهرة بيّنة لا ينبغي أن يُشكّ فيها. أي إنهم قصروا الصلاح على أنفسهم فقط كما يحدث في زماننا هذا منهم ويدعمهم الإعلام الهدَّام لينشروا الفتن والتنازع(4).


_ ولذلك ردَّ سبحانه عليهم أبلغ ردٍّ ووبخهم فقال: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لَاّ يَشْعُرُونَ} يعني: انظُروا إلى هؤلاء الخَبَثةِ وقبيحِ ما ارتكبوه، كيفَ اختصُّوا مِن بينِ سائرِ النَّاس بِما لم يرضَ العاقلُ أنْ يَنْتسبَ إليه.
فاستعمل سبحانه كلمة (ألا) المفيدة للتنبيه، أي: انتبهوا أيها الناس! إِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسُّون؛ لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم(5).
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} أَي: لَا يعلمُونَ، فإن قيل: كيف تلزمهم الحجة إذا كانوا لا يعلمون؟ فالجواب أنها تلزمهم الحجة بما أوضح لهم من السبيل، فجهلهم لا يكون عذراً لهم(6).

*ثم فضحهم ووبَّخهم في صفةٍ خامسةٍ _التكبر_ فقال عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)﴾ أي: وإذا قيل لهم _ المنافقين وقيل اليهود وقيل عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب(7)_ أطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ قالوا: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} يعنون بذلك أصحاب رسول الله ﷺ.


وكان هذا القول من المنافقين في خفاء واستهزاء، فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك بقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} فالسَّفَه وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفةٌ لهم، ولكن لا يعلمون للرَّيْنِ الذي على قلوبهم.


وأصل السَّفَه في كلام العرب هو: "الخفّة والرقة"، حيث يقال "ثوبٌ سَفيه" إذا كان رديء النسيج خفيفه، أو كان بالياً رقيقاً(8).


_ وهكذا نرى أن التكبر وازدراء المؤمنين من أشهر سمات النفاق. وهذه الصفة ملازمة لهم صُرِفوا بها عن الحق؛ فهم يتكبرون عنه وعن قبوله استكباراً على من آمن به، وواضحٌ أنهم كانوا ينفرون من هذا الإسلام، ويرونه خاصاً بفقراء الناس، غير لائق بهم(9).


فالاعتزاز بالإثم هو الكبر في أبشع صوره، والغرور في أحطّ ما يكون، أولئك الذين يُصرِّون على باطلهم ويتمسكون بإثمهم، حتى لو اتضح أمام أعينهم كفلق الصبح، ولو ظهر أمام أنظارهم كضوء الشمس.
إن نفوسهم الزائفة طُبِعَ عليها الإصرار والرَّين على الإثم والجمود أمام الباطل(10).


_ وقوله سبحانه: {وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ} أي: لا يعقلون، كما قال ابن عباس رضي الله عنه(11). وقيل: من فرط ما جُبِلوا عليه ومن تمام جهلهم... أصبحوا لا يعلمون ما بحالهم من الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى(12).


*وقفة:
عند بيان حال المنافقين بالخداع في الآية الأولى، ختمت الآية بوصف: {لا يشعرون}، وفي هذه الآية _عند مطالبتهم بالإيمان_ نعتهم بأنهم: {لا يعلمون}، والسبب في ذلك: أنه في هذه الآية: ذَكَرَ السَّفَه وهو الميْل، فكان ذِكر العلم هو المناسب له؛ لأن الإيمان يحتاج إلى نظر واستدلال من أجل أن يكتسب الناظر المعرفة، فناسب في ذلك ذكر العلم طباقاً لهم.
أما الإفساد في الأرض فإنه أَمْرٌ مبنيٌّ على العادات وهو كالمحسوس، فناسب هناك أن يذكر عدم الشعور(13).



هوامش:
(1) تفسير السمعاني: 2/400.
(2) تفسير الطبري: 1/296، الدر المنثور للسيوطي: 1/30.
(3) تفسير الطبري _ تقريب وتهذيب الخالدي_: 1/14، ط: دار القلم_ دمشق.
(4) ينظر فتح القدير للشوكاني: 1/42، تفسير سورة الفاتحة والبقرة للسمعاني، تحقيق د. عبد القادر منصور: 1/400، ط: دار العلوم والحكم_ المدينة المنورة.
(5) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/379، والأساس في التفسير: 1/71. وصفوة التفاسير للصابوني: 1/28_30.
(6) تفسير السمعاني: 1/401.
(7) مختصر تفسير الخازن: 1/16_17.
(8) المحرر الوجيز: 1/94، لابن عطية، وتفسير القرطبي: 1/205.
(9) في ظلال القرآن: 1/47.
(10) المنافقون وشعب النفاق: ص75، لحسن عبد الغني، وينظر: المنافقون في سورة البقرة: ص75، لأحمد ردعان.
(11) تفسير الطبري بتهذيب الخالدي: 1/127.
(12) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/182، والتفسير الموضوعي لطهماز: 1/57.
(13) الأساس في التفسير: 1/72، وينظر: المنافقون في سورة البقرة: ص: 75_76 لأحمد ردعان.

بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...