سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((24))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((24)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١٥ أيار ٢٠٢٦
212

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((24))

سورة البقرة - الدرس (22)
السنن الإلهية في خلقه سبحانه وتعالى
صفات المتقين والمنافقين


في هذا الفصل نتحدث عن نماذج من السنن الإلهية التي جاء التعرّض لها في سورة البقرة، وهذا من الموضوعات المهمة لفهم أقدار الله تعالى وجريانها في الحياة سابقًا وحاضرًا ومستقبلاً.


*مدخل في السنن الإلهية.


_ تعريف ومفهوم:
أ_ في اللغة: السنة هي الطريقة والسيرة المعتادة، والمثال المتبع والمُحتذى(1).
ب_ شرعًا: هي قوانين الله القدرية _بمشيئته وإرادته وحكمته_ في نظام الكون والحياة والإنسان والمجتمع والحضارة، وهي تتصف بالعموم والاطِّراد والثبات(2). فهذا عن ماهيتها وأبرز خصائصها.
والعلم بالسنن الإلهية ضروري لمعرفة الماضي الذي جرى على الأمم، والحاضر الذي نعايشه، وربط الواقع بالماضي في فقه السنن، وكذلك استشراف المستقبل، وكل هذا مؤيد بالقرآن والسنة وهدي آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك دراسة تاريخ الأمم الإسلامية وسيرهم وغيرها للاعتبار وتفادي الخطأ والخطر.
وعليه فهذه السنن تجري على المؤمنين القائمين بأمر الله ورسوله بأخذهم بالأسباب التي تعني حقيقة توكلهم، فتكون النتيجة الإنجاء والنصر كما حدث للرسل مع قومهم، وقد ورد في سورة الصافات أمثلة منهم، وكذلك نصر الرسول والصحابة في غزوة بدر.
بينما عندما عصى الرُّماة أمر رسول الله في غزوة أحد لحقتهم الهزيمة، وكذلك في غزوة حنين، حين اغتروا بكثرتهم كيف ولَّوا مدبرين، فالسنة تعم حسب الأخذ بالأسباب المعنوية والمادية ولا تحابي أحداً، مسلماً كان أو كافراً.
وكذلك الشأن في عمل سنة الله تعالى في الكافرين والمنافقين وأشباههم، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23]، ونذكِّرُ بأسماء بعض هذه السنن، مثل سنة الحفظ والمعونة للمؤمنين، سنة الهلاك للمستحقين، سنة وجود المنافقين وكشف مخططاتهم، سنة الاستبدال وسنة الابتلاء... مما ذكر في باب فقه السنن في مظانه.

* سنن الله تعالى في المهتدين المتقين المؤمنين:
قال الله تعالى: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)﴾.
قد ذكر المولى أربع آيات فيهم وفي ضرورة تحقق أوصافهم وأنهم منوَّرون بهدي القرآن العظيم، لأنهم نُعتوا بصفة المتقين المخصوصين بالتقوى حباً لله تعالى تشريفاً لهم، حيث ينفعهم الله بها، التقوى التي تفتح مغاليق القلب فيدخل بهذه التقوى القرآن وأسراره وأنواره إلى كل ما يحبه الله من طاعته والاستجابة له، وعندها يلج هذا القلب متقياً خاشعاً خاشياً، ويتحقق بمصالح الدنيا والآخرة وفق أمر الله تعالى. ولو لم يكن للمتقين فضل إلا قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} لكفاهم.


_ وقد ذكر المولى ست صفاتٍ للمتقين المؤمنين:
الأولى: وهي أنهم يؤمنون بالغيب جرياً على عقيدتهم الصحيحة، مصدقون بكل ما جاء عن الله ورسوله بالوحي ولو لم يروه مما نقله الرسل، ويصدقون بما وراء المادة خلافاً للماديين وذوي العقول القاصرة، بخلاف الزنادقة الذين يكذبون بالغيب مما ورد في الأخبار الثابتة، كالعرش والملائكة والبرزخ والآخرة والجنة والنار، وما جاء من الأخبار عن الأمم السابقة وغير ذلك.
وأما الصفة الثانية: فهي إقامة الصلاة بأركانها وخشوعها والمداومة عليها في أوقاتها، لأنها عماد الدين وأساس بناء الفرد.
وأما الثالثة: فهم يؤتون الزكاة والصدقة لأنها أساس بناء المجتمع اقتصادياً واجتماعياً.
والرابعة: أنهم يؤمنون بجميع ما أنزل الله على رسله دون تفريق بين كتبهم غير المحرفة.
والخامسة: أنهم موقنون بلا ريب بالآخرة والحساب.
والسادسة: أنهم هؤلاء هم الذين ظفروا بهداية الله سرمداً، وهم الظافرون بالفلاح دنيا وآخرة، فهؤلاء المؤمنون الذين تجري سنة الله برعايتهم وحفظهم(3).

* قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، قال البيضاوي: لما وصف الله حال أوليائه المؤمنين المفلحين في الآيات السابقة، عَقَّبَ بذكر الكفار العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى، وهم مثل أبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو يراد به جنس الكفار، أي: كل من صمَّمَ على الكفر.
والكفر لغة: هو الستر والتغطية، وأصله بالفتح، ومنه كَفَرَ الزارع الحب، أي غطاه، والكفار هنا الزُّرَّاع، وأما في الشرع: فيقصد به ما هو ضد الإيمان، وهو إنكار المعلوم من الدين بالضرورة مما جاء به الرسول ﷺ، فهو أكبر الكبائر على الإطلاق، لأنه يهدم المقصود الأصلي من خلق العالم، وهو معرفة الله تعالى ورسله، كما أنه حجاب بين العبد وهذه المعارف، فالعبد بقدر جهله يبعد عن ربه، وأعظم الجهل الكفر بالله تعالى.
وقال البغوي: الكفر على أربعة أنحاء: كفر الإنكار - كما ذكرنا -، وكفر الجحود، وكفر العناد وكفر النفاق، وهو أخطرها -كما سنبين في الدرس القادم-.
ويقول السعدي: إن الذين انصبغوا بالكفر وصار وصفاً لازماً لهم، لا يردعهم عنه رادع، ولا ينجع فيهم وعظ، ويستوي عليهم الحال من الاستمرار على هذا الكفر، إنْ خوَّفتهم بوعيد الله والنار أو لم ترهبهم بالنُّذُر، لأنهم لم تنفع فيهم الدعوة، بل تجب إقامة الحجة عليهم بالبرهان، ولقد كان هذا قطعاً لطمع رسول الله بإيمانهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]، بينما هناك كفار آخرون تجب دعوتهم، فالأصل خلق الإنسان على الفطرة، فلعلمهم يميلون للاعتراف بالتوحيد ويسلموا كما حدث للكثيرين بعد ذلك، وكما يحدث الآن من الألوف المألفة الذين يدخلون في الإسلام والحمد لله.

*قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾، قال الخازن: وذَكَرَ في هذه الآية سبب تركهم الإيمان، بأن طبع الله على قلوبهم، فلا تعي خيراً ولا تفهمه، وأن هذا الختم حدث لما سبق في علم الله الأزلي أنهم لن يؤمنوا بعدما جاءهم الحق، وختم على سمعهم فجعل على موضعه مانعاً، ومع ذلك كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم كما وصف القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]، وكذلك جعل على أبصارهم غشاوة وهي غطاء التعامي عن النظر إلى المعرفة، فالعين مغرَفة الكلام، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن الله سيذيقهم عذاباً عظيماً، وقيل: هو الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى(4).

*وتعقيباً على ما نقلنا باختصار من كتب التفسير: تظهر سنن الله في الأقوام الذين كفروا وكذبوا الرسل من قبل وكيف كانت عاقبتهم، ويكفي أن نقرأ من سورة العنكبوت آيتين تدلان على نماذج إهلاكهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 39-40].


_ وهنا لسائلٍ أن يسأل: لماذا لم يهلك الله قريشاً والكفار في عهده صلى الله عليه وسلم! ولم يأخذهم بما أخذ به غيرهم؟ والجواب: أن العلماء تعرضوا لذلك بتفصيل لا يسعه المقال، ولكن يمكن إيجاز ذلك بما يأتي:


1_ ورد في الأحاديث الصحيحة أنه بعد نزول التوراة على موسى لم يأذن الله بالاستئصال _الإهلاك العام_، إلا ما ورد في إهلاك فرعون ومن معه وإنجائه ببدنه ليكون آية إلى يوم القيامة.


2_ أن الأقوام السابقين الذين أُهلكوا كانوا يطلبون آية معينة من الرسل، ولكن في زمن الرسول لم تطلب قريش أو نفر منهم آية محددة، ولكن كانوا يقولون: أرنا آية، فمثلاً جاءهم بانشقاق القمر فكذبوا وقالوا سحر مستمر، ولم يعينوا طلب القمر، وهذا ثبت في صحيح البخاري وغيره، ولذلك لم يهلكوا بذلك.


3_ شاء الله تعالى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كما جاء في التوراة: (وحرزاً للأميين)، وكان رسول الله لما نزل عليه ملك الجبال وقال له أن يطبق على أهل مكة الأخشبين _وهما الجبلان المحيطان بمكة_؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))(5)، وقد كان ذلك، فجاء منهم المؤمنون والقادة والسادة.


4_ لأن الرحمة من معانيه صلى الله عليه وسلم، فهو ليس خاصاً بالمؤمنين، بل هو عام بجميع الخلق، فببركة وجود الرسول بينهم لم يعذبهم الله ولم يستأصلهم، ولكن شُرعت الدعوة باللسان والبيان، وشُرع الجهاد، وكان الفلاح للرسول وأصحابه في الأمرين به كما هو معروف.


5_ لما كَانُوا أطول أعماراً وأعظم قوى وأعتى على الله تعالى وتحدَّوه استأصلهم بالعذاب، ولَمَّا تقاصرت الأعمار وضعفت القوى؛ رُفِعَ عَذَاب الاستئصال، وَصار عَذَابهمْ بأيدي الْمُؤمنِينَ. هذا والله أعلم(6).

*****


هوامش:
(1) لسان العرب لابن منظور: 13/220، ط دار صادر.
(2) ينظر: مفهوم السنن الإلهية في الفكر الإسلامي، السيد محمد رشيد رضا نموذجاً، للباحث حازم زكريا محي الدين: ص31.
(3) ينظر فيما تقدم: مختصر تفسير الخازن: 1/12، وتفسير السعدي: 1/47_48، والوسيط د. وهبة الزحيلي: 1/12، والنفحات المكية في تفسير كتاب رب البرية، محمد بن صالح الشاوي: ص8، وفي ظلال القرآن: 1/39_40.
(4) ينظر فيما تقدم في الكلام عن الكافرين: تفسير البغوي: 1/64، وتفسير البيضاوي: 1/27، وتفسير الخازن _تهذيب الدقر_: 1/14، وتفسير السعدي: 1/49، ط أوقاف قطر، وتبيين المحارم للأماسي: 2/13، وأساس البلاغة للزمخشري: ص 547، والإيمان لابن تيمية: ص299.
(5) صحيح البخاري: (3059).
(6) ينظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم: 2/725، وينظر: روح وريحان من تفسير سورة الرحمن، د. خالد هنداوي: ص5.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...