سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((23))
سورة البقرة - الدرس (21)
التكليف (2)
نتم الحديث عن "أحكام التكليف" فيما يأتي:
*متى يصبح المرء مكلفاً؟
جاء ذلك مبيناً في الحديث الشريف وأقوال العلماء، فمن الحديث ما روته عائشة رضي الله عنها: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ)) (1).
_ وأما من أقوال العلماء: فإن شروط التكليف هي: (الإسلام أو بلوغ الدعوة، والعقل، والبلوغ، وحضور الذهن، وعدم الإكراه)، فالعقل: تحرزٌ من الجمادات والبهائم والمجانين والنائمين.
والبلوغ(2): تحرز من الصبيان، _ولا يُعترض على هذا بوجوب الزكاة في مال الصبي وغَرْمِهِ لما أتلف؛ فإن وليه هو المخاطب بذلك_.
وحضور الذهن: تَحَرُّزٍ من الناسي.
ولا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان، واختلف في عدم الإكراه، هل يعد شرطًا في التكليف أم لا؟ والأظهر في مذهب مالك رحمه الله أنه شرط(3)، إلا أن جمهور الفقهاء لا يعتبرونه شرطاً، فثمة تفصيل في هذا الحكم، يرجع إليه في فروع الفقه وكلام الأصوليين(4).
*مسألة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مناط التكليف في الإنسان هو البلوغ وليس التمييز، _وإنما شُرِع ضرب الولد لترك الصلاة إذا بلغ عشر سنين لتعليمه عدم ترك الواجب خصوصاً(5)_ فالصبي المميز لا يجب عليه شيء من الواجبات ولا يعاقب بترك شيء منها.
*تكليف البالغ: وبذلك يكون البالغ مكلفاً ومسؤولاً ومحاسَبًا على أفعاله في حق الله تعالى، وقبل ذلك يكون قلمُ التكليف مرفوعًا عنه (6).
*في الجناية: فلو قتل الصبي نفساً لا يؤاخذ بجَريرته ولا يُقتل، أما إذا ارتَكب البالغ جريمة توجِب الحدَّ _كالسرقة والقتل والزنا ونحو ذلك_ فإنه يقام عليه الحدُّ.
*شهادة البالغ: تُقبل شهادته في الحقوق والحدود، ويُبنى عليها الأحكام، _ لأنه أصبح ذا أهلية كاملة، إلا في الاستحقاقات المالية، فينظر إلى الرشد فيه عند الجمهور(7)_ فإذا شَهِد برؤية هلال رمضان، عُمِل بشهادته وصام الناس بها، ويتحمَّل المسؤولية الكاملة عن نفسه، فلا والده ولا غيره سيحمل عنه شيئًا من وِزره.
وأما الصبي فلا يُسلَّم مالُه إليه، ولا يَنفُذ تصرُّفه في حقوقه؛ لأنه لَم يبلغ بعدُ سنَّ التكليف(8).
*من حكمة التشريع: وهذا يدل على أن التشريع الإسلامي يمتاز: باليُسر ورفع الحرج وإزالةِ العَنَتِ ووضع الآصار والأغلال عن أعناق المكلفين، وأنه في الوسع والقدرة من غير حرج ولا ضيق، وأنه يكون من غير مجهود شديد (9).
*ماذا أخذ العلماء من هذه الآية من القواعد الفقهية الأصولية؟
مما أخذوه منها:
1_ "الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ".
_ قال الإمام الشاطبي: "إن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع" كقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال أيضاً: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16](10).
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} قال: "إلّا يسرها، ولم يكلفها فوق طاقتها". قال الخازن: وهذا قول حسن، لأن الوسع ما دون الطاقة(11).
2_ "لا واجِبَ مَعَ عَجز"، أو: "الواجِباتُ تَسقُطُ بالأعذار".
فإذا عجز عن الواجب أو عن بعضه سقط المعجوز عنه، إلا أن المعجوز عنه إن كان له بدل أتى به، كالمريض _غير الزَّمِنْ_ يعجز عن الصيام، فإنه يجب القضاء عليه، وإنما سقط عنه المباشرة حالة العجز.
وأما حقوق الآدميين المالية فلا تسقط بالعجز؛ فإنها إنما تجب بسبب التزام أو إتلاف، ولا تسقط بالعجز أصلاً(12).
_ وقال الإمام أبو بكر الجصاص:" قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} فيه نص على أن الله تعالى لا يكلف أحداً ما لا يقدر عليه ولا يطيقه، ولو كلف أحداً ما لا يقدر عليه ولا يستطيعه لكان مكلِّفاً له ما ليس في وسعه، ألا ترى قول القائل: ليس في وسعي كيت وكيت، بمنزلة قوله: لا أقدر عليه ولا أطيقه، بل الوَسع دون الطاقة(13).
وقال: ولم تختلف الأمة في أن الله تعالى لم يكلف الزَّمِنَ _الذي أصابته العاهة أو المرض الذي يمنعه من التصرف_ المشيَ والأعمى البصر والأقطع اليدين البطش، لأنه لا يقدر عليه ولا يستطيع فعله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة.
وقد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من لم يستطع الصلاة قائماً فغير مكلف للقيام فيها، ومن لم يستطعها قاعداً فغير مكلف للقعود، بل يصليها على جنب يومئ إيماء، لأنه غير قادر عليها إلا على هذا الوجه، ونص التنزيل قد أسقط عمن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه"(14).
***
هوامش:
(1) سنن أبي داود: (4398)، إسناده صحيح، وذكره البخاري مُعَلَّقاً.
(2) البلوغ: هو قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولة إلى حال الرجولة، وإدراك سن التكليف الشرعي. ينظر: حاشية ابن عابدين: 6/153، الموسوعة الفقهية الكويتية: 22/213، 36/338.
_ والتمييز يبدأ من سن السابعة إلى البلوغ، وتشمل المراهق إذا قارب البلوغ، لأنه يصل إلى شيء من الإدراك والوعي. قيل: وتكليف الصبي المميز ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفاً؛ لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج وأهليته قاصرة. ينظر: المستصفى للغزالي: ص67، روضة الناظر: 1/155، الموسوعة الفقهية الكويتية: 7/157.
(3) روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة: 1/153_155، تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي: ص171.
(4) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: الإكراه (6/98)، شروط الإكراه (6/103)، أثر الإكراه (6/105).
(5) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للأمير الصنعاني: 5/550.
(6) ينظر: تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس: ص610_612.
(7) الرشد: الموسوعة الفقهية الكويتية: 17/88.
(8) ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (الجد): مسألة: حكم الصبي الذي لا يعقل في جناياته:16/144. الموسوعة الفقهية الكويتية: 14/36،
(9) ينظر: لطائف الإشارات: 1/216، فتح البيان للقنوجي: 2/163، زهرة التفاسير: 2/1090_1091، العبادة في الإسلام، د. القرضاوي: ص193.
(10) ينظر: الموافقات للشاطبي: 1/521، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص64، موسوعة القواعد والضوابط الفقهية الحاكمة للمعاملات المالية في الفقه الإسلامي، د. علي أحمد الندوي: ص129.
(11) مختصر تفسير الخازن: 1/21، تهذيب عبد الغني الدقر، ط دار اليمامة، دمشق.
(12) ينظر: الاصطلام: 1/188، طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي: 2/118، إعلام الموقعين، ابن القيم: 2/291.
(13) أحكان القرآن للجصاص: 2/277.
(14) المرجع السابق.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


