سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((22))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((22)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١ أيار ٢٠٢٦
190

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((22))

سورة البقرة - الدرس (20)
التكليف (1)


نتابع الحديث عن "الأحكام الشرعية" في السورة، ونتكلم الآن عن حكم "التكليف" الوارد في آخر آية منها، وهي قوله جل جلاله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (286).


وقد ورد نحوها في أثناء السورة: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (233).



*سبب النزول:


روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [284]، قَالَ: "دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ"(1)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَاقَالَ، فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنَا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مولانا (قال: قد فعلت)}(2).



*بعض ما ورد في فضل الآية؟.


1_ جاء في فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة أحاديث عدة، من ذلك ما رواه البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قَالَ:
بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ _صوتاً كصوت الباب إذا فتح _، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ". فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ. فَقَالَ: "هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ". فَسَلَّمَ وَقَالَ:
"‌أَبْشِرْ ‌بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ"
(3).


2_ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ))(4).



*ما معنى التكليف؟


التكليف لغة: من الْكُلْفَةِ بمعنى المشقة، يقال: (كَلَّفَهُ تَكْلِيفًا) أي: أَمَرَهُ ‌بِمَا ‌يَشُقُّ عَلَيْهِ(5).
قال الماوردي: "الأمر بطاعة، والنهي عن معصية، ولذلك كان التكليف مقروناً بالرغبة والرهبة، وكان ما تخلل كتابه من القصص عظة واعتباراً تقوى معها الرغبة ويزداد بها الرهبة".
وقال ابْنُ سُرَاقَةَ: حَدَّه بعض أهل العلم بأنه: "إرادة الْمُكَلِّفِ مِنْ الْمُكَلَّفِ فعل ما يشق عليه"(6).
وقال الإمام الرازي: كَلَّفَهُ أَلْزَمَهُ ما يظهر فيه أثره . والْوُسْعُ: ما يسع الإنسان فيطيق أخذه _من سِعَةِ الْمُلْكِ أي العرض_ ولو ضاق لعجز عنه، وَالسِّعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقُدْرَةِ (7).


*فيكون معنى قوله سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} أي: لا يكلف الله أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم.


*من الآيات التي تدل على التكليف: قول الله جل جلاله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72] أي: شرفكم فكلفكم، قال الإمام الرازي: "وسمي التكليف أمانة لأن مَنْ قَصَّرَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ، وَمَنْ وَفَّرَ فَلَهُ الْكَرَامَةُ"(8).



*من معاني التكليف في الآية: قال العلماء:


1_ هذا النص إما مبيِّن ومفسر أو هو ناسخ لقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} كما روى البخاري(9) وغيره، فهو جل جلاله وإن حاسب وسأل؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك الإنسان دفعه من وسوسة النفس والشيطان وحديثهما؛ فهذا لا يُكَلَّفُ به الإنسان، ولكنه يكلف برد ذلك، وعدم قبوله وكراهيته، وهذا ضمن وسعه(10). ثم قالوا:


2_ الآية نسخت حكماً شاقاً جداً، وقد تلقاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة والقبول _رغم مشقته_، حيث قررت الآية الأولى أن كل ما يعمله الإِنسان محاسبٌ به، سواءٌ كان ظاهراً في الخارج بصورة عملٍ أو كلام، أو كان مخفياً في النفس في صورة خاطرٍ أو وسواسٍ أو هاجس ... فإذا حاسبه الله على هذه الأمور اللاإرادية، فقد يكون هذا تكليفاً بما لا يطاق، وتكليفاً بالمحال"(11).


3_ قال ابن عطية: وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} خبرُ جزمٍ نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادةً من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر(12).
قال ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ ‌تَجَاوَزَ ‌لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ، أَوْ ‌حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ))(13).


فتصوُّر المعصية لا يُعاقب عليه، إلَّا إذا صمم عليها وعزم، أو عملها، قال الناظم:

مراتب القصد خمس: هَاجِسٌ ذَكَرُوا ** فَخَاطِرٌ فَحِديثُ النَّفْسِ فَاسْتَمِعَا
يَلِيهِ هَمٌّ فَعَزْمٌ كُلُّهَا رُفِعَتْ ** سِوَى الْأَخِير فَفِيهِ الأَخْذُ قَد وَقَعا
(14).


3_ وقال ابن العربي في تفسير الآية: " هذا أصل عظيم في الدين، وركن من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله سبحانه على الأمم بها، فلم يُحَمِّلنا إصراً ولا كلفنا في مشقة أمراً، وقد كان من سلف من بني إسرائيل إذا أصاب البولُ ثوبَ أحدهم قرضه بالمقراض، فخفف الله تعالى ذلك إلى وظائف على الأمم حملوها، ورفعها الله تعالى عن هذه الأمة، وقد قال النبي ﷺ: ((فَإِذَا ‌نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ ‌فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ))(15).


4_ بعد ذلك بين الله عز وجل عدله في معاملة أنفس عباده، فقال: {لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ} أي: لها ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف، ولا يؤاخَذُ أحدٌ بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه.
وإذ بين الله عز وجل لطفه وعدله... أرشد عباده إلى سؤاله، وتكفل لهم بالإجابة، فعلَّمهم أن يقولوا: {رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا...} الآية(16).




هوامش:
(1) أي: دخل قلوبهم من الهمّ والخوف والشدة بسبب هذه الآية ما لم يدخلها من غيرها من الآيات.
(2) صحيح مسلم: باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، رقم: (126)، وقوله: (قال: قد فعلت) أي: قال الله. كما هو مُبَيَّن في الروايات الأخرى.
(3) الجامع المسند الصحيح: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة رقم: (806).
(4) المرجع السابق: رقم: (807). وللمزيد في فضلهما بإسناد صحيح من الأحاديث والآثار؛ ينظر روح المعاني: 2/70.
(5) مختار الصحاح: ص272.
(6) ينظر: أدب الدنيا والدين للماوردي: ص8، وروضة الناظر وجنة المناظر لابن جماعة: 1/154.
(7) تفسير الرازي: 6/461.
(8) ينظر: تفسير الرازي: 25/187، وشرح النووي على مسلم: 2/168.
(9) صحيح البخاري: (4271).
(10) ينظر: أحكام القرآن لظفر العثماني:1 ص740_741، والأساس في التفسير، سعيد حوى: 1/671.
(11) تصويبات في فهم بعض الآيات، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي: ص103.
(12) المحرر الوجيز: 1/392.
(13) الجامع المسند الصحيح: (6287) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(14) ينظر: أحكام القرآن لظفر العثماني: 1/740.
(15) أحكام القرآن لابن العربي: 1/348، والحديث رواه البخاري: (7284) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(16) تفسير الجلالين: ص64، الأساس في التفسير: 1/671.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...