سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((21))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((21)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
100

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((21))

سورة البقرة - الدرس (19)


نتم الحديث في "الأحكام الشرعية" المأخوذة من آية المداينة فيما يأتي:


7_ أحكام الشهداء: قوله جل جلاله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي: اطلبوا شاهدَين، وعبر بالشهيدين للمبالغة(1).


قال أبو بكر بن العربي: والمراد بهما البالغون من ذكوركم لا الكفار، لأنه لا قول لهم، ولأن الطفل لا يقال له رجل، وكذا المرأة لا يقال لها رجل أيضاً. وأما الصبي الصغير فيحفظ الشهادة؛ فإذا أداها وهو رجل جازت؛ ولا خلاف فيه. وتحمُّل الشهادة فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين(2)، إلا أن يكون الشاهد معيناً فيجب عليه أداؤها.


وعموم قوله تعالى: {مِنْ رِجَالِكُمْ} يقتضي جواز شهادة الأعمى البالغ على ما يتحققه ويعلمه بيقين، فإن السمع في الأصوات طريق للعلم كالبصر للألوان، فما عَلِمَه أَدَّاه في الشهادة(3).


إلا أنه تبطل شهادة الوالد لولده والولد لوالده، وكذا تبطل شهادة أحد الزوجين للآخر عند الجمهور خلافاً للشافعي، ولكلٍ دليله(4).


8_ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل، لأن عاطفة المرأة تغلب على عقلها، وقوله سبحانه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ} أي: أهل الأمانة والعدالة(5).


والضلال في قوله: {أَنْ تَضِلَّ} بمعنى النسيان(6). وهو التأويل الصحيح، لأنه يعضده قوله تعالى: {تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} والذي يصح أن يعقب الضلالَ والغفلةَ الذكرُ.


_ وقيل: إن تكرار قوله: {إحداهما} أفاد تذكرة الذاكرة للغافلة، وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضاً لو انقلبت الحال فيهما، بأن تذكر الغافلة وتغفل الذاكرة؛ وذلك غاية في البيان(7).


9_ قوله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ يدل على سقوط الإشهاد في النقد المالي إذا كان يداً بيدٍ في المجلس، وأن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فهو أمر إرشاد، والجناح هاهنا ليس الإثم، إنما هو الضرر الطارئ بترك الإشهاد من التنازع(8).


10_ الضرر في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن يكتب الكاتب ما لم يُمل، ويشهد الشاهد بما لم يشهد عليه، الثاني: أن يمتنع الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد، الثالث: أن يُدعى الكاتب والشهيد وهما مشغولان معذوران(9).


كما أنه لا ينبغي أن يضار بالكاتب والشاهد، بأن يمنع الكاتب من أجرته والشاهد من كلفة حضوره للشهادة(10).


11_ جاء ختام الآية بقوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)﴾ حيث تكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: {واتقوا الله} {وَيُعَلِّمُكُمُ الله} {والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لإِدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس، وهذا العلم يسمى "العلم اللَّدُني" كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65] وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن شاء من عباده المتقين(11).


12_ ومن مقاصد التوثيق بالكتابة:


_ قول المفسر ابن عاشور: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ تصريح بالعلة لتشريع الأمر بالكتابة(12): بأن الكتابة فيها زيادة التوثق، وهو {أَقْسَطُ} أي أشد قسطاً، أي عدلاً، لأنه أحفظ للحق، {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} أي أعون على إقامتها، {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} وأقرب إلى نفي الريبة والشك، فهذه ثلاث علل، ويستخرج منها أن المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق: بينة، واضحة، بعيدة عن الاحتمالات(13).


_ أن تكون صكاً يستذكر به عند أجله؛ لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار، والعوارض من موت وغيره تطرأ؛ فشرع الكتاب والإشهاد، وكان ذلك في الزمان الأول(14).


_ الحفاظ على وشائج الود والصلة والمحبة وصلاح ذات البين بين الناس، ومنع وقوع التنازع المؤدي إلى فساد علاقات الناس، وسدّ كل المنافذ أمام الشيطان الذي قد يسول للمدين جحود الحق، وتجاوز ما حدّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق.


ومن أجل هذه الغايات السامية، حرّم الشرع البيوع المجهولة التي تؤدي إلى الاختلاف والتنازع وفساد العلاقات وإيقاع التضاغن والتباين، فالكتابة من أعظم ما تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة، لكثرة النسيان، ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدين والدنيا(15).

*****


هوامش:
(1) تفسير القرطبي: 3/389.
(2) ينظر أحكام القرآن لابن العربي: 1/333.
(3) أحكام القرآن لابن العربي: 1/333.
(4) ينظر أحكام القرآن للعثماني: 1/715_716.
(5) التفسير الموسوعي لسور القرآن، عبد الحميد طهماز: 1/422.
(6) تفسير الرزي: 7/95.
(7) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/338، وروح المعاني: 2/56_57. وفيه فوائد نفيسة.
(8) المرجع السابق لابن العربي: 1/342.
(9) المرجع السابق.
(10) التفسير الموسوعي لسور القرآن، عبد الحميد طهماز: 1/424.
(11) روح المعاني:2/60، صفوة التفاسير للصابوني: 1/162.
(12) صيغة الشهادة تكررت في الآيتين ثمان مرات، وصيغة الكتابة تكررت عشر مرات. التفسير المنير: 3/124.
(13) تفسير ابن عاشور: 3/114، وينظر أيسر التفاسير للجزائري: 1/275_276.
(14) أحكام القرآن لابن العربي: 1/328.
(15) ينظر: تفسير ابن عاشور: 3/100، تفسير السعدي: ص959، التفسير المنير: 3/124_125.


بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...