سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((20))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((20)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٩ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٧ نيسان ٢٠٢٦
119

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((20))

سورة البقرة - الدرس (18)


تكلمنا سابقاً عن "الأحكام الشرعية" في آية "المداينة"، ونكمل الحديث عنها فيما يأتي:


3_ قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ فقطع طريق الوسوسة بين المتدَاينين، ذلك أنه لَمَّا كَانَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ يُتَّهَمُ فِي الْكِتَابَةِ للذي عليه، وكذلك بالعكس، شرع الله سبحانه كاتباً يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه ولا في قلمه هوادة لأحدهما على الآخر(1)، فلا يميلَ إلى أحد الطرفين لقرابةٍ أو صداقةٍ أو غير ذلك.
ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة للكاتب(2).


_ ونص قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة: أنّ الأوراق التجارية (الشيكات _ السندات لأمر _ سندات السحب) هي من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة(3).


_ التوثيق الإلكتروني: كما أدَّى تطورُ وسائل الاتصال الحديثة إلى ربط الحاسوب بمصوِّرة (كاميرا) ولاقط مكبر الصوت (ميكروفون)؛ مما جعل التعاقد الرقمي (الإلكتروني) عن بُعْدٍ كأنه واقعٌ حقيقة بين حاضرين، وقلَّ أن يدخله الخطأ أو الالتباس، ومع ذلك فقد يقع تنازعٌ بين المتعاقدين (إلكترونيًّا) على تفسير شرط، أو مغزى عبارةٍ، أو مدلولِ رمزٍ، فيكون بحاجة إلى تقديم مستندات تُثبِتُ ما يدَّعيه.


من أجل ذلك: نص القانون النموذجي الخاص بالتجارة الإلكترونية، والذي أصدرتْه اللجنة التابعة للأمم المتحدة، على أن التصرفات المبرمة عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لا يمكن الطعن بصحتِها لمجرد أنها تمت عبر الإنترنت؛ إذ إن الوثيقة الإلكترونية كالورقة المكتوبة العادية في مجال إبرام العقود الإلكترونية، بشرط أن يكون من السهل الوصول إلى هذه الوثيقة الإلكترونية في أي وقت.


فبهذه الضوابط يمكن الاطمئنانُ إلى قَبولِ المُحرَّرات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني كوسيلة إثبات شرعيَّة تندرِجُ تحتَ قواعدِ الإثبات بالكتابة(4).


4 _ أحكام الكاتب في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ فيها أربعة أقوال: الأول: أنه فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز. الثاني: أنه فرض على الكاتب في حال فراغه. الثالث: أنه ندب. الرابع: أنه منسوخ. والصحيح أنه أمر إرشاد؛ فلا يكتب حتى يأخذ حقه(5).


_ فعلى الكاتب أن يكتب بالعدل، وأن يكون عالماً بأصول الكتابة وشروطها، وألا يمتنع عن الكتابة ما دام يمكنه ذلك، وعليه أن ‌يكتب ‌كما ‌علّمه الله، دون زيادة ولا نقص، ولا إضرار بأحد(6).


5_ لماذا بدأت الآية بالمديون قبل الدائن في قوله سبحانه: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؟. قال العلماء: إنما أملى الذي عليه الحق؛ لأنه المقرّ به الملتزم له، فلو قال "الذي له الحق": (لي كذا وكذا)، لم ينفع حتى يقر له الذي عليه الحق، فلأجل ذلك كانت البداءة به؛ لأن القول قوله، وإلى هذه النكتة وقعت الإشارة في قوله ﷺ : ((‌الْبَيِّنَةُ ‌عَلَى ‌مَنِ ‌ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ))(7)، على نحو ما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] لمَّا كان القول قولهن في الذي تشتمل عليه أرحامهن(8).


6_ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ أقوال عدة:


أما السفيه ففيه أقوال: أنه الجاهل بأمر الدين، وبإملاء الكتابة، والبذيء اللسان، الصبي، المرأة، المبذر لماله المفسد لدينه.


وأما الضعيف فقيل: هو الأحمق، وقيل: هو الأخرس أو الغبي.


وأما الذي لا يستطيع أن يمل، ففيه ثلاثة أقوال: الغبي، المَمنُوعُ بِحُبْسَةٍ أو عِيٍّ، أو المجنون.


_ فبين سبحانه وجعل الذي عليه الحق أربعة أصناف: مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يُمِلُّ، وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ لَا يُمِلُّونَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ صِنْفًا وَاحِدًا أَوْ صِنْفَيْنِ؛ لِأَنَّ تَعْدِيدَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ كَأَنَّهُ يَخْلُو عَنْ الْفَائِدَةِ (9).


قال ابن العربي: "وتحرير الآية الذي يستقيم به الكلام ويصح معه النظام: أن السفيه هو المتناهي في ضعف العقل وفساده، كالمجنون والمحجور عليه، نظيره الشاهد له قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، وأما الضعيف فهو الذي يغلبه قلة النظر لنفسه كالطفل، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9]، وأما "الذي لا يستطيع أن يمل" فهو: الغبي الذي يفهم منفعته لكن لا يُلَفِّقُ العبارة عنها، والأخرس الذي لا يتبين منطقه عن غرضه؛ ويشهد لذلك أنه لم ينف عنه أنه لا يستطيع أن يمل خاصة".


_ الضمير في قوله سبحانه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ الظاهر أنه يعود على الذي عليه الحق؛ لأنه صاحب الولي في الإطلاق، يقال: ولي السفيه وولي الضعيف، ولا يقال ولي الحق، إنما يقال صاحب الحق(10).


*****


هوامش:
(1) أحكام القرآن لابن العربي: 1/329.
(2) أحكام القرآن للعثماني:
(3) ينظر: الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي: 7/5199.
(4) التعاقد الإلكتروني في ميزان الشرع الإسلامي: 1/13_15، د. محمد بن جبر الألفي.
(5) أحكام القرآن لابن العربي: 1/329.
(6) ينظر: زهرة التفسير: 2/1068_1069، التفسير الوسيط للزحيلي: 1/163.
(7) أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب موقوفاً، (188)، وقال الإمام ابن حجر: رواه الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مرفوعاً، وقَالَ أَبُو عُمَرَ: إسْنَادُهُ لَيِّنٌ. تلخيص الحبير: 4/107.
(8) أحكام القرآن لابن العربي: 1/329_330. وجاء في أيسر التفاسير للجزائري 1/273: لأن إملاءه اعتراف منه وإقرار بالذي عليه من الحق.
(9) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/330.
(10) المرجع السابق: 1/330_331


بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...