سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((19))
سورة البقرة - الدرس (17)
نكمل الحديث حول "الأحكام الشرعية" في السورة، ونتحدث الآن عن آية "المداينة" ومدلولاتها فيما يأتي:
*قال سبحانه وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]
_ هذه الآية تُعرَف بآية الدين أو آية المداينة؛ وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد اشتملت على أحكام مفيدة جليلة المنفعة، وهي من أواخر آيات القرآن نزولاً في سورة البقرة.
وقد روي عن ابْنِ شِهَابٍ الزهري أنه قَالَ: "آخِرُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِالْعَرْشِ آيَةُ الرِّبَا وَآيَةُ الدَّيْنِ"(1).
_ وقد استخرج منها العلماء ما يقرب من خمسين حكماً، قال أبو بكر بن العربي: " هي آية عظمى في الأحكام، مبينة جملاً من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل البيوع، وكثير من الفروع، جماعها على اختصارٍ مع استيفاء الغرض دون الإكثار في الثنتين وخمسين مسألة"(2).
* ما هو التداين؟
حقيقة الدين: عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر في الذمة نسيئة مؤخراً، فإن العين عند العرب ما كان حاضراً، والدين ما كان غائباً، ويقال مداينة لأن أحدهما يرضاه والآخر يلتزمه(3).
والدَّين يطلق على المال الثابت في الذمة الذي يكون معرفًا بالجنس والوصف والنوع(4).
*ما الأحكام المستفادة من هذه الآية؟.
1_ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (282) المراد من {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} إذا تعاملتم بما فيه دين، أو تداين بعضكم بعضاً في شراء أو بيع أو سَلَمٍ أو قرض(5)، أو أن يستدين بعضكم من بعض على نية الجزاء(6).
_ وقوله سبحانه: {أَجَلٍ مُسَمًّى} تحرزاً من الأجل المجهول، فلابد للأجل أن يكون معلوماً، لئلا يقع الناس في الخصومات والمنازعات والمشاحنات، وهذا يعمّ كلّ دين على الصحيح من مذاهب أهل العلم(7).
2_ توثيق الدين: قال العلماء: الأمر في توثيق الدين إنما يكون بالكتابة، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ للاستحباب، وهو قول الجمهور أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله، وعليه فيكون قوله في الآية التالية: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [283] تكميلاً لمعنى الاستحباب.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وقد حُفظ عن النبي ﷺ (أنَّهُ بايعَ أعرابيًّا في فَرَسٍ فجَحدَ الأعرابيُّ _بأمرِ بعضِ المُنافقينَ_ ولم يَكُن بينَهُما بَيِّنةٌ) فلو كان حتماً؛ لم يبايع رسول الله ﷺ بلا بينة، وقد حفظتُ عن عِدَّةٍ لقيتهم مثل معنى قولي من أنه لا يعصي من ترك الإشهاد وأن البيع لازم"(8). وقيل الأمر للوجوب(9).
وذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد كانا واجبين بقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [282] ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [283]. وقال آخرون: هي مُحكمة لم ينسخ منها شيء، وروي عن ابن عباس: "لا والله إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ"(10).
_ قال الراغب: ومنهم من قال: هو في السَّلَم(11) خاصة، وحقيقة قوله: {اكْتُبُوهُ} حثٌ على الاعتراف به وحفظه؛ فإن الكتاب خليفة اللسان، واللسان خليفة القلب(12).
_ ومنهم من جمع بين الأقوال، يقول الشيخ السعدي:
" وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق، كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى، والأوقاف، والوكلاء، والأمناء، وقد يقارب الوجوب، كما إذا كان الحقُ متمحِّضاً للعبد، فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك"(13).
***
هوامش:
(1) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن": ص 369، باب منازل القرآن بمكة والمدينة وذكر أوائله وأواخره. وروى الطبري نحوه عن سعيد بن المسيب: تفسير الطبري: 5/68. وينظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة: ص119.
(2) أحكام القرآن: 1/327، وينظر من أحكامها مختصرة في تفسير السعدي: ص959_962 طبع مؤسسة الرسالة.
(3) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1/327، زاد المسير لابن الجوزي: 1/250.
(4) تيسير البيان لأحكام القرآن، ابن نور الدين: 2/160، زهرة التفاسير: 2/1064.
(5) أيسر التفاسير للجزائري: 1/273، الأساس في التفسير، سعيد حوى: 1/657.
(6) زهرة التفاسير: 2/1064.
(7) ينظر: شرح التلقين للمازري: 3/377، شرح الرسالة للتنوخي: 2/159، زهرة التفاسير لأبي زهرة: 2/1065.
(8) الأم للشافعي: 3/89،90. والحديث رواه بطوله أبو داود في سننه: (3607) قال المحقق: إسناده صحيح، السنن: 5/460، دار الرسالة العالمية.
(9) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/252، تفسير ابن عاشور: 3/100، أحكام القرآن للمحدث ظفر أحمد العثماني التهانوي وقال: (أمر الكتابة والإشهاد في البيع أمر إرشاد وندب): 1/684_685.
(10) ينظر: أحكام القرآن للجصاص: 2/205_209.
(11) يسمى سلمًا وسلفًا، وهو عقد بيعٍ ينعقد بما ينعقد به البيع، ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. ومثاله: بيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة أو بسلعة مؤجلة، أو كبيع سلعة مؤجلة مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمنٍ حالٍّ. تفسير آيات الأحكام، محمد السايس وآخرون: 1/303، ومن دليله ما جاء في الصحيح: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ - وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ - فَقَالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)). البخاري: (2251). وقد اختلف الفقهاء في تعريفه تبعاً لاختلافهم في الشروط المعتبرة، ينظر: تفسير القرطبي: 3/378، حاشية ابن عابدين: 5/209، المجموع للنووي: 13/94، الموسوعة الفقهية الكويتية: 25/191.
(12) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/589.
(13) تفسير السعدي: ص959، مؤسسة الرسالة. وينظر: نظام الإثبات في الفقه الإسلامي: عوض عبد الله أبو بكر: ص63.
بقلم: د. خالد حسن عنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


