سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((18))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((18)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٥ شوال ١٤٤٧ هـ - ٣ نيسان ٢٠٢٦
219

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((18))

سورة البقرة - الدرس (16)
الربا (3)


تكلمنا سابقاً عن أحكام الربا، ونكمل عن النوع الثالث فيما يأتي:

3_ ربا القرض: إن من العلماء من أضافه في أنواع الربا، ولكنّه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل؛ لأنّه الّذي فيه شرط يجرّ نفعاً للمقرض، فكأنّه أقرضه هذا الشّيء بمثله مع زيادة ذلك النّفع الّذي عاد عليه.
ومثاله: أن يقرض الإنسان أحداً شيئاً ويشترط عليه أن يرد أفضل منه، أو يشترط عليه نفعاً ما، نحو أن يسكنه داره شهراً مثلاً، وهو حرام، ومن هنا أخذ العلماء بالنص المشهور _وفي سنده مقال وإن كان معناه صحيحاً على ما قدمنا_ وهو: "كل قرض جر نفعاً فهو رباً"(1)، ويقاس النفع العيني على النقدي. فإن لم يشترط وبذل المقترض النفع أو الزيادة بنفسه جاز وأُجر.

_قال ابن حجر الهيتمي:
والحاصل: أنّه متى استوى العوضان جنساً وعلّة، كبُرٍّ ببُرٍّ، أو ذهب بذهب، اشترط فيه ثلاثة شروط: التّساوي، وعلمهما به يقيناً عند العقد، والحلول والتّقابض قبل التّفرّق.
ومتى اختلفا جنساً واتّحدا علّة، كبرّ بشعير، أو ذهب بفضّة؛ اشترط شرطان: الحلول والتّقابض، وجاز التّفاضل.
ومتى اختلفا جنساً وعلّة، كبرّ بذهب أو ثوب، لم يشترط شيء من هذه الثّلاثة.
فالمراد بالعلّة هنا: إمّا الطّعم، بأن يُقصد الشّيء للإقتيات أو الأُدُم أو التّفكّه أو التّداوي، وإمّا النّقديّة، وهي منحصرة في الذّهب والفضّة مضروبة وغيرها، فلا ربا في الفلوس وإن راجت(2).
جاء في الحديث الصحيح: (فَإِذَا ‌اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، ‌فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ) (3).


*ما الفرق بين البيع والربا؟
هناك من لا يفرق بين البيع والربا جهلاً أو قصداً لكي يربو ماله ويزداد، لذلك حذر سبحانه وتعالى من ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: 275].
ففرقت الآية بين «البيع» و«الربا»، وردَّت على الكفار الذين زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا، وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، وجهلوا ما وضع الله تعالى أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا، فذمهم الله على جهلهم، وأخبر عن حالهم يوم القيامة، وما يحل بهم من عقابه.
فالفرق بينهما: أن الزيادة في البيع مشروعة ومعقولة؛ لأن لها سببًا يبررها، وهي أن المشتري يرغب في العين التي يبيعها له البائع؛ لأن فيها منافع مختلفة، وثمنها عرضة للزيادة عند الرواج، وندرة وجودها في الأسواق في بعض الأوقات، فالبائع إما أن يكون هيأ السلعة للمشتري بجهد، وإنفاقه عليها من ماله أو اشتراها من غيره ثم يقدمها للمشتري، ويسلمها له نظير قيمة لهذه السلعة.
فالبائع في الصورتين يضيف أجرة جهده إلى رأس ماله الذي أنفقه على السلعة في اشترائها أو تهيئتها، فهذا هو ربحه.
أما «الربا»، فهو أن يعطي الرجل ماله رجلاً آخرًا على أن يرده إليه بزيادة كذا، ففي هذه الصورة من المعاملة رأس المال هو نظير رأس المال، ونظير التأجيل هو ذلك المبلغ الزائد على رأس المال الذي قد تم الاتفاق عليه بين الآخذ والمعطي كشرط في المعاملة، فهذا المبلغ الزائد على رأس المال نظير التأجيل هو الربا(4).

*هل يجوز التعامل مع البنوك الربوية؟.
_ بعض العلماء يقول: "إن التعامل مع البنوك الربوية ليس من الربا"، وهذا كلام خطير؛ لأن معاملاتهم معاملات ربوية تَنصبُّ على أن المال ينتج المال، (كسب الفوائد دون عمل).
وأمر آخر: إذا كانت البنوك الربوية التي أسسها اليهود الصهاينة، وإذا كانت البنوك التي تتحكم بمصير الشعوب وخاصة البنك الدولي... إذا كانت معاملاتها ليست ربوية فأين الربا؟!، وطالما وجدت البنوك الإسلامية كبديل شرعي!، فلا حجة للتعامل مع الربوية، فالتعامل بهذا حرام بداية وختاماً (5) .


*ملحق.
_ الأدوار التي مرّ بها ‌تحريم ‌الربا(6) :
جاء التحريم وفق سنة التدرج في الإسلام، كما حدث في تحريم الخمر، وذلك تمشياً مع قاعدة وثابت التدرج في التشريع:

• المرحلة الأولى: وذلك في قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلَا يَرْبُواْ عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون} [الروم: 39] والآية الكريمة نزلت في مكة، ولم تتضمن تحريماً صريحاً للربا، بل كانت بمثابة تنفيرٍ معنويٍ من الربا.
• المرحلة الثانية: ورد ذكر الربا في ذم اليهود لأخذهم الربا رغم نهيهم عنه، وذلك في قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} [النساء: 161]، وكان هذا تحريم (بالتلويح) دون التصريح.
• المرحلة الثالثة: جاء النهي الصريح بشكل جزئي في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فهو وصف لواقعهم المستهجن في أكل الربا.
• المرحلة الرابعة: جاء التحريم القاطع في آية البقرة هذه، وفيها: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
***


هوامش:
(1) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث": كتاب: البيوع، باب: ‌‌باب في القرض يجر المنفعة، رقم (437) عن علي بن أبي طالب مرفوعاً. قال ابن الملقن: رواه ابن أبي أسامة من رواية علي بإسناد ضعيف، قال بعضهم لا يصح في هذا الباب شيء. خلاصة البدر المنير: 2/78.
(2) الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي: 1/368_369.
(3) صحيح مسلم: (1587) عن عبادة بن الصامت مرفوعاً.
(4) ينظر: تفسير القرطبي: 3/357، الربا للماوردي: ص82، "الربا في نظر الإسلام"، د. كوثر كامل علي: 1/4.
(5) ينظر: كتاب "فوائد البنوك هي الربا الحرام"، د. يوسف القرضاوي: ص29، وقد أرفق قرارات المؤتمرات الإسلامية في الكتاب: ص129، وينظر تقديم الشيخ الشعراوي ومحمد الغزالي وعلي السالوس في الرد على فكرة الربا والضرورة، و"الفقه الإسلامي وأدلته"، د. وهبة الزحيلي: 5/3749.
وممن أصدر فتوى بحرمة أخذ فوائد البنوك: الشيخ بكري الصدفي مفتي الديار المصرية السابق، والشيخ عبد المجيد سليم الذي أفتى بتحريم استثمار المال المودع بفائدة البتة، وأن أخذ الفوائد عن الأموال المودعة حرام ولا يجوز التصدق بها، وأنه يحرم استثمار المال المودع في البنك بفائدة، وأن في الطرق الشرعية لاستثمار المال متسع للاستثمار، كما أفتى الشيخ محمد أبو زهرة بأن الربا زيادة الدين في نظير الأجل، وأن ربا المصارف هو الربا المحرم بنص القرآن، وهو حرام ولا شك فيه، وأن تحريم الربا يشمل الاستثماري والاستهلاكي في رد دامغ على الذين يرددون أن الضرورة تُلجئ إلى الربا، وأفتى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق بأن سندات التنمية وأذون الخزانة ذات العائد الثابت تعتبر من المعاملات الربوية المحرمة، وأن إيداع المال بالبنوك بفائدة ربا محرم سواء كانت هذه المصارف تابعة للحكومة أو لغيرها. كما صدر عن المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت (سنة 1403 هـ 1983 م) بحضور كوكبة من أبرز العلماء والاقتصاديين بيان بأن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين هو من الربا المحرم. ناهيك عن الفتاوى الصادرة عن المجمع الفقهي بمكة المكرمة، وهذه الفتاوى مثبتة في مواقعها.
(6) ينظر: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني: 1/389.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...