سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((17))
سورة البقرة - الدرس (15)
الربا (2)
تكلمنا في الدرس الماضي عن تعريف "الربا" وحكمه، ونكمل الحديث عن أصنافه وأنواعه فيما يأتي:
*ما هي الأصناف التي يجري عليها الربا؟
الأصْنافُ الرِّبويَّةُ المَنصوصُ عليها هي: الذَّهبُ، والفِضَّةُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، والمِلحُ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ))(1).
قال الإمام ابن قدامة: "فهذه الأعْيانُ المنصوصُ عليها، يَثبُتُ الرِّبا فيها بالنَّصِّ والإجماعِ، واختلَفَ أهلُ العلمِ فيما سِواه"(2).
*ما أنواع الربا؟(3)
قسم العلماء الربا إلى أنواعٍ عديدة، أشهرها:
1_ ربا الفضل: أي الزيادة، وهو بيع المال الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين. كأن يبيعه مُدّ قمح بمُدَّيْن منه، أو: مائة غرام من ذهب بمائة وعشرة منه، أو أقل أو أكثر.
وهذا هو أصل الربا في الجاهلية، وهو أخطر أنواع الربا، لعظيم ضرره، وقد اجتمع فيه الربا بأنواعه: ربا النسيئة، وربا الفضل، وربا القرض، فحرمه الله عز وجل، وأوجب إنظار المعسر، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ))(4). والْوَرِقَ هو الفضة.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ((يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى))(5). _كما ذكرنا_
2_ ربا النّسيئة (النَّساء)(6): أي التأخير، وهو البيع للمطعومين أو للنّقدين المتّفقين في الجنس أو المختلفين لأجل، ولو لحظة.
مثاله: بيع صاع برّ بصاع برّ، أو درهم فضّة بدرهم فضّة، لكن مع تأجيل أحدهما ولو إلى لحظة، وإن تساويا وتقابضا في المجلس.
دل على هذا المنع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: ((وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ)).
وحديث عمر رضي الله عنه، يُخْبِرُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ))(7). أي خذ وخذ، وهذا يعني وجوب التقابض فعلاً في المجلس.
_ أما حديث: ((لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ))(8).
فجمهور العلماء حملوه على أن المقصود أشدّ الربا وأخطره، وهو ربا الجاهلية، أو أنه منسوخ، أو أنه محمول على غير الربويات(9).
وسنتابع في الحلقى القادمة عن ربا القرض.
هوامش:
(1) مسلم: (1587).
(2) المغني: 4/4، وينظر الحاوي الكبير للماوردي: 5/81.
(3) ينظر التحرير والتنوير لابن عاشور: 3/89، الموسوعة الفقهية، مجموعة من المؤلفين: 2/422، الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي: 5/3700.
(4) رواه البخاري: كتاب: البيوع، باب: بيع الفضة بالفضة، رقم:(2068). الورق: الفضة، لا تشفوا: لا تفضلوا، والشف يطلق على الزيادة والنقصان، فهو من الأضداد.
(5) صحيح مسلم: (1587).
(6) ومنهم من فرق بينهم، يقول د. رفيق يونس المصري: "الربا نوعان: ربا نسيئة (ربا قروض) وربا بيوع. وربا البيوع نوعان: ربا فضل وربا نَساء، ويقول محمد أبو زهرة: ربا النَّساء ليس هو ربا النسيئة (بحوث في الربا ص 79)، ويقول أيضًا: يسمّي الفقهاء الزيادة عند وجوب المماثلة ربا الفضل، ويسمّون التأجيل عند وجوب القبض ربا النَّساء، ويسمّون ربا الديون الذي حرمه القرآن ربا النسيئة، وهو الزيادة في الدَّين نظير الأجل (بحوث في الربا ص 32). كذلك يقول محمد زكي عبد البر: يجب عدم الخلط بين ربا النسيئة المحرم بالقرآن وربا النَّساء المحرم بالسنّة (الربا ص 77)". ينظر: "النسيئة والنساء هل هما بمعنى واحد؟" ص2.
وقال د. رفيق: يمكن أن نقول بعبارة أخرى ميسّرة: إن ربا الفضل: زيادة بلا زمن، وربا النَّساء: زمن بلا زيادة، وربا النسيئة: زيادة وزمن، والمقصود بالزيادة: الفرق الكمي بين البدلين، والمقصود بالزمن: الفرق الزمني بين البدلين. ص4.
(7) صحيح البخاري: (2027).
(8) رواه البخاري: (2069)، عن أبي سعيد الخدري.
(9) ينظر: شرح النووي على مسلم: 11/25.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


