سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((16))
سورة البقرة - الدرس (14)
الربا (1)
نكمل الحديث عن "الأحكام الشرعية" المستفادة من السورة، ونتحدث الآن عن "أحكام الربا" فيما يأتي:
*يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
الآيات من سورة البقرة: [275_281].
فقَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} أي: الذين يعاملون به، وإنما خَصَّ الأكل لأنه معظم المقصود من المال، {لَا يَقُومُونَ} يوم القيامة من قبورهم، {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ} أي: يصرعه، وأَصْلُ الْخَبْطِ: الضَّرْبُ وَالْوَطْءُ، وَهُوَ ضَرْبٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ، يُقَالُ: "نَاقَةٌ خَبُوطٌ" لِلَّتِي تَطَأُ النَّاسَ وتضرب الأرض بقوائمها. {مِنَ الْمَسِّ} أي: الْجُنُونِ، يُقَالُ: "مُسَّ الرَّجُلُ فَهُوَ مَمْسُوسٌ" إِذَا كَانَ مَجْنُونًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ آكِلَ الرِّبَا يُبْعَثُ يوم القيامة كمثل المصروع(1).
فأخبر سبحانه عن حال خروجهم من قبورهم وقيامهم يوم الحساب، فإذا بُعث الناسُ خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا، فإنهم كلما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم وظهورهم، كما يحصل للمصروع.
وسِرُّ ذلك أنهم لما أكلوا هذا الحرام السحت بوجه المكر والخداع ومحاربة الله تعالى ورسوله رباً وزيادة في بطونهم حتى أثقلها؛ عجزوا عن النهوض مع الناس وصاروا كلما أرادوا الإسراع مع الناس ونهضوا سقطوا على ذلك الوجه القبيح وتخلفوا عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يُخْنَق"(2).
*ما تعريف الربا؟
الربا: كلمة تدلّ على الزّيادة والنّماء والعلوّ(3).
والرّبا في المال والمعاملة: هو الزّيادة على رأس المال، قال الجرجانيّ: "الرّبا شرعاً هو: فضل خال عن عوض شرط لأحد العاقدين"، وقال الإمام الطّبريّ: "الرّبا هو: ما يتعاطى النّاس بينهم، بعضهم بعضاً، يعطي الرّجلُ الرّجلَ العطيّة يريد أن يُعطى أكثر منها" (4).
وقد كان أصل الرّبا في الجاهليّة: أنّ الرّجل يكون له على الرّجل المال المؤجّل، فإذا حلّ الأجل قال له: أتقضي؟ أم تُربي؟ فإن وفّاه وإلّا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال. فيتضاعف المال والأصل واحد(5).
*ما حكم الربا؟
أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى يومنا هذا على تحريم الربا، وعلى أن الزيادة في الدَّين في نظير الأجل محرمة، وكبيرة من الكبائر التي ورد فيها الوعيد الشديد، وأن من ينكر ذلك فإنما ينكر أمرًا قد عُلم من الدين بالضرورة(6).
فالربا إثم عظيم، ولا أدل على ذلك من وعيده جل جلاله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (276)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
_ ومن أدلة تحريمه في السنة ما روي عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). _ وعدَّ منها_: (أَكْلُ الرِّبَا)"(7).
وعن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الربا، وموكله، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ"(8).
_ وقد حرمه سبحانه وتعالى على الأمم السابقة أيضاً، قال عزوجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 160-161].
يقول الشيخ عبد الله دراز: وقد أجمع رجال الكنيسة ورؤساؤها على أن هذا التعليم الصادر عن السيد المسيح عليه السلام يُحرِّم تحريمًا قاطعًا التعامل بالربا، حتى إن الآباء اللاهوتيين الذين يميلون غالبًا إلى الترخيص والتسامح في مطالب الحياة، وردت عنهم في شأن الربا عباراتٌ صارمة.
جاء في كتاب العهد القديم: (إذا أقرضت مالًا لأحدٍ من أبناء شعبي، فلا تقف منه موقف الدائن، لا تطلب منه ربحًا) [سفر الخروج، الآية 24 من الفصل 22]، وفي موضع آخر: (إذا افتقر أخوك فأعله… لا تطلب منه ربحًا ولا منفعة)، [الآية 35 من الفصل 25 سفر اللاويين](9).
هوامش:
(1) مختصر تفسير البغوي، عبد الله الزيد: 1/106_107.
(2) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/708، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي: 1/370، المختصر في تفسير القرآن الكريم، جماعة من العلماء: ص47.
(3) ينظر: مقاييس اللغة: 2/484، المفردات للراغب: ص187.
(4) ينظر: التعريفات للجرجاني: ص114، تفسير الطبري: 3/107.
(5) فتح الباري: 4/313.
(6) ينظر: الحاوي الكبير للماوردي: 5/73، المجموع للنووي: 9/390، الربا في نظر الإسلام، د. كوثر كامل علي: 1/5، الفقه الميسر، مجموعة من المؤلفين: 1/221.
(7) صحيح البخاري: رقم: (2615).
(8) صحيح مسلم: (1598).
(9) الربا في نظر القانون الإسلامي، عبد الله دراز: ص9.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


