سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((15))
سورة البقرة - الدرس (13)
نكمل شرح الآية في ظل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)﴾:
وفي أشد الأوقات صعوبة وأثناء القتال وشدة الخوف، لم يُسمح لنا بترك الصلاة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، فلكي نبقى في اتصال معه سبحانه وتعالى على كل حال؛ أمرنا سبحانه بأدائها بصلاة الخوف، فهي باقية لأنها فريضة عند الاستطاعة، لكن بطريقةٍ تناسب هذه الظروف والطوارئ (1).
فصلاة الفرض لا بدّ منها، حتى المريض إذا لم يستطع أن يصلي قائماً يصلي جالساً أو على جنب، وإذا كان لا يستطيع بجسمه كله يصلي مستلقياً متوجهاً إلى القبلة ويومئ بعينيه (2).
ومن كرامات الصلاة وفضلها قال ابن القيم:
"الصَّلَاةُ مَجْلَبَةٌ لِلرِّزْقِ، حَافِظَةٌ لِلصِّحَّةِ، دَافِعَةٌ لِلْأَذَى، مَطْرَدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ، مُقَوِّيَةٌ لِلْقَلْبِ، مُبَيِّضَةٌ لِلْوَجْهِ، مُفْرِحَةٌ لِلنَّفْسِ، مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ، مُنَشِّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ، مُمِدَّةٌ لِلْقُوَى، شَارِحَةٌ لِلصَّدْرِ، مُغَذِّيَةٌ لِلرُّوحِ، مُنَوِّرَةٌ لِلْقَلْبِ، حَافِظَةٌ لِلنِّعْمَةِ، دَافِعَةٌ لِلنِّقْمَةِ، جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ، مُبْعِدَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ مُقَرِّبَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ... وَلِلصَّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدُّنْيَا... وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ عز وجل تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا، وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِنَ الشُّرُورِ أَسْبَابُهَا"(3).
ما الصلاة الوسطى التي ذكرها سبحانه وتعالى في الآية؟.
_ الصلاة الوسطى في رأي جماهير العلماء هي: صلاة العصر(4).
قيل: إنما سميت صلاة العصر "الوسطى"؛ لأنها بين صلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل، وقيل: إن أول الصلوات وجوباً كانت الفجر وآخرها العشاء الآخرة، فكانت العصر هي الوسطى في الوجوب(5).
ودليله ما روي عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا؛ شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ)) (6).
_ وقال الإمام مالك رحمه الله: إنها صلاة الفجر(7).
_ قال ابن كثير: "وإنما المُدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر، فتعين المصير إليها"(8).
_ وذكر الإمام ابن حجر عن زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: "كنا نرى أنها الصبح، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر".
قال: وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله: صلاة العصر مدرج من تفسير أحد الرواة، وأن شبهة من قال: إنها الصبح قوية، لكن كونها العصر هو المعتمد(9).
فائدة: قال العلماء في حكمة عطفها على الصلوات وعدم إظهارِ عينها واسمها:
_ لكي تشمل الصلوات الخمس المفروضة كلها، فالصلوات المفروضة خمس، وأي صلاةٍ منها هي وسط بين اثنتين واثنتين! .
_ من أجل أن يحرص المصلّي على الصلوات جميعها، وأن يؤدي كل صلاة منها على أنها الصلاة الوسطى، فيحرص على أدائها جميعها في وقتها، ويستحضر لها مشاعره كلها، وعلى هذا يكون التقدير: "حافظوا على الصّلوات وهي الصلاة الوسطى"، أي الصلاة المحمودة التي رضيها الله لكم على الوجه المفروض عليكم(10).
هوامش:
(1) وهي: "صلاة الخوف". ينظر طريقتها وأحوالها في كتب الفقه المعروفة.
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية: 27/263.
(3) الطب النبوي: ص250_251.
(4) ينظر التفسير الوسيط، د. وهبة الزحيلي: 1/135.
(5) أحكام القرآن للجصاص: 2/156.
(6) صحيح البخاري: رقم: (2948).
(7) شرح بلوغ المرام، عطية بن محمد سالم: 46/8، وقال الدكتور محمد زغلول النجار: إنها صلاة الفجر، لأن يوم المسلمين يبدأ مع الغروب، وعلم الفلك يقول إن الليل سابق للنهار، وأول صلاة يؤديها المسلم المغرب، وجاء التأكيد عليها في الآية لأنه يصعب على كثير من الناس القيام بها. رابط الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=pgs8E4cZNzE
(8) ينظر تفسير ابن كثير: 1/645_654.
(9) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: 8/195.
(10) ينظر: تفسير السعدي: ص106، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب: 1/286.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


