سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((14))
سورة البقرة - الدرس (12)
نكمل الحديث في "الأحكام الشرعية" المستخلصة من هذه السورة، ونتحدث عن "إقامة الصلاة والمحافظة عليها، والصلاة الوسطى" فيما يأتي:
*قال عز شأنه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)﴾.
وقد ورد قبل هذه الآية وبعدها العديد من الآيات حول الصلاة وإقامتها، منها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)﴾.
كما أنه جاء لفظ الصلاة في سورة البقرة أكثر من عشر مراتٍ؛ وكذلك جاء لفظها في القرآن الكريم كله 99مرة، وبلفظها الصريح 85مرة، وكل هذا دليل على عظيم شأنها، لأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين(1).
ومن المعلوم أن الصلاة فرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج قبل سنة ونصف من الهجرة النبوية (2)، فجاء في حديث الإسراء والمعراج: ((يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً _أي في الأجر والثواب_)) (3).
_ ما أهمية الصلاة في الإسلام؟
أ_ في افتتاح السورة جاءت الآيات الأولى بمدح الله تعالى المقيمين الصلاة، وأن القرآن الكريم هداية ونور لهم، قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾ أي: من لم يقم الصلاة لم يكن من المتقين، قال قتادة: {لِلْمُتَّقِينَ} هم الذين نعتهم الله بقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} الآية والتي بعدها(4).
أي: يؤدون الصلاة مستقيمة بتوجه إلى الله جل جلاله وخشوع حقيقي له، يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها، بحدودها وأركانها وهيآتها... والمراد بها الصلوات الخمس.
قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: رُكُوعِهِنَّ، وَسُجُودِهِنَّ، وَوُضُوئِهِنَّ، وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَعَلِمَ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ. أَوْ قَالَ: وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) (5).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع والإِقبال عليه فيها"(6)، وبالمحافظة على إقامة الصلوات، تحصل المحافظة على سائر العبادات(7).
ب _ وفي وسط السورة _في الآية (143)_ كذلك جاء الحديث عن قبلة الصلاة الأولى والثانية، وعن الأمة الوسط التي تقيم الصلاة، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} .... {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾ أي: صلاتكم إلى القبلة المنسوخة التي هي أثر إيمانكم، سمى الصلاة إيماناً؛ لأن أهل الإيمان هم الذين يعلمون وجوبها فيؤدونها(8).
قال الإمام ابن كثير: " والوسط هاهنا: الخيار والأجود، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطاً في قومه، أي: أشرفهم نسباً، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات"(9).
ت_ وفي أواخر السورة جاءت الآية التاسعة قبل الأخيرة للحديث عن ثواب من أقامها وحافظ عليها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)﴾.
وبذلك يكون الأمر بالمحافظة على الصلاة قد ورد أول سورة وأوسطها وآخرها لنتذكره دائماً، وهو أوفر شيءٍ جاء الأمر به في السورة بعد الأمر بالتقوى والعبادة، فدل ذلك على أهميتها والعناية بها.
_ ومما جاء في السنة بالمحافظة عليها ما روي عن عُبادةَ بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: أَشهَدُ أنِّي سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((خمسُ صلواتٍ افتَرَضَهُنَّ اللهُ عز وجل، مَن أحسَنَ وُضوءَهُنَّ وصَلاَّهنّ لوقتِهنَّ وأتمَّ ركوعَهُنَّ وخُشوعَهُنَّ كانَ له على الله عَهدٌ أن يَغفِرَ له، ومن لم يَفعَل فليسَ له على الله عَهدٌ، إن شاءَ غَفَرَ له، وإن شاءَ عَذَّبَه)) (10).
هوامش:
(1) ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني: 5/6، موقع "أسرار الإعجاز القرآني"، عبد الدائم الكحيل. https://www.kaheel7.com/ar/index.php/1/715-2013-01-01-21-31-55 .
(2) ينظر: تفسير ابن كثير: 6/514، فتح الباري: 1/460.
(3) رواه الشيخان، وهذا لفظ مسلم: (162). عن أنس بن مالك .
(4) ينظر تفسير ابن كثير: 1/253.
(5) مسند أحمد: (18345)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 1/289.
(6) تفسير ابن كثير: 1/168، المنتخب في تفسير القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين: ص3.
(7) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب: 1/286.
(8) تفسير الطبري: 3/167، الأساس في التفسير: 1/303.
(9) وهي العصر، ينظر: تفسير ابن كثير: 1/454، تفسير السعدي: 1/71.
(10) سنن أبي داود: (425). وإسناده صحيح.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


