سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((13))
سورة البقرة - الدرس (11)
_ نتابع الأحكام الشرعية في هذه السورة، ومن هذه الأحكام "اليمين".
* هل يجوز القسم بالله لما لا يجوز؟
الجواب: قال تعالى: ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 224] فإنّ تعظيم اسم اللّه تعالى المقدس واجبٌ شرعًا، في الكلام أو اليمين، أي: لا تعترضوا اسم الله والقسم به وتَبذلوه في كل شيء، حقاً كان أو باطلاً، وقد ذكر الله ﷻ كفارة اليمين المنعقدة فقال: ﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ [المائدة: 89]، بينما آية البقرة التي نحن بصددها تُرشدنا إلى أن لا نجعل الحلف بالله سبباً مانعاً لنا من البر والإصلاح وصلة رحم وسائر الطاعات.
ومثاله أن يقول الرجل: قد حلفتُ بالله لا أفعل ذلك؛ فيتعذّر بيمينه ويعتلّ لهجر البر والإصلاح.
وقيل معناه: لا تحلفوا بالله أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن حَلَفَ علَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها، فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ، ولْيَفْعَلْ)). وفي رواية: ((فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)).(1)
وكذلك الإكثار من اليمين، وعدم الوفاء به فإنه يتنافى مع واجب التعظيم للّه ﷻ ، فلا يصحُّ الإكثارُ من الأيمان، وجعلُها أوَّلَ وأزيَدَ ما ينطق به اللّسانُ، حتى لو كان الحلف من أجل إرادة البِرِّ فلا يجوز؛ لما في ذلك من استخفافٍ واستهانةٍ بجناب الحقّ ﷻ (2).
وختمت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: وَاللَّهُ سَمِيعٌ لحلفكم، عَلِيمٌ بنياتكم. ومقاصدها، هل هي خير أم شرّ؟.
*ونردف بالآية الثانية في الموضوع قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]، فاليمين قسمان: لغو ومنعقدة. أما اللغو فيه: فهو ما يسبق إليه اللسان من غير نيّة الحلف، كقول الإنسان: "لا والله، وبلى والله"(3). وأما المنعقدة فكما أخبر سبحانه: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي: قصدتم اليمين، وتعقيد اليمين: المبالغة في توكيدها.
*وللإيضاح حول هذه الآية وما يتعلق بها ثمة مسائل فقهية تظهر فيها المقاصد:
- لا تنعقد اليمين إلا بالله عزوجل وبأسمائه وصفاته، إذ اليمين بالله هو كقول الرجل: والذي نفسي بيده، والذي أعبده... ونحو ذلك، والحلف بأسمائه كقوله: والله، والرحمن، والرحيم، والمهيمن ... ونحو ذلك، والحلف بصفاته كقوله: وعزةِ الله، وقدرته وعظمته... ونحوه، فإذا حلف بشيء من ذلك ثم حَنَثَ فعلَيه الكفارة.
- لا يجوز الحلف بغير الله كقوله: والكعبة، والنبي، وأبي... ونحو ذلك، فإذا حلف بشيء من ذلك لا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه، ويكره الحلف به لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك أباه عمر رضي الله عنهما وهو يسير في رَكْبٍ حالفاً بأبيه، فقال رسول الله ﷺ: ((أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ))(4). ويُشار أن تفصيل ذلك في الأيمان يبسط في آية سورة المائدة -إن شاء الله-.
- ولكن نوضح أن من حلف على ترك واجب، وجب حنثه، وحرمت إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب، استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم، وجب الحنث، أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث.
ويستدل بهذه الآية على القاعدة المعروفة أنه: إذا تزاحمت المصالح قُدِّم أهمها. فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء مصلحة أكبر من ذلك، فقُدِّمَتْ علها(5).
وخلاصة القول: فإن تعظيم الله ﷻ واجب شرعاً، والإكثار من اليمين وعدم الوفاء به يتنافى مع واجب هذا التعظيم لله تعالى، فلا يصح الإكثار من الأيمان، ولا جعلُها حائلةً من فعل البرّ واستعمالها أول وأكثر ما ينطق به اللسان، حتى ولو كان الحلف من أجل إرادة البرّ فلا يجوز، لما في ذلك من استخفافٍ واستهانةٍ بجناب الحق ﷻ الذي هو كامل السماع والمراقبة لهذه الأيمان، وهو الحليم الغفور لمن وقع بها غير متعمّد ولا مستخفّ (6).
هوامش:
(1) رواه مسلم في صحيحه: رقم: (1650).
(2) مختصر تفسير الخازن: 1/151، ت: عبد الغني الدقر، تفسير السعدي: ص100.
(3) قال الماوردي: في اليمين اللغو سبعة تأويلات: الحاوي الكبير: 15/253. فلتراجع عنده.
(4) رواه البخاري: (6270).
(5) تفسير الخازن: 1/158، تفسير السعدي: ص100.
(6) ينظر: التسهيل: 1/109-110.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


