سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((12))
سورة البقرة - الدرس (10)
نستأنف الكلام في الجواب عن السؤال التاسع المتعلق بالأحكام الشرعية في السورة، ونكمل الكلام حول "الزواج من غير المسلمة"، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ.....﴾ (221) فنبيّن أنه:
* ذهب الأئمة الأربعة إلى الكراهة من تزوج الكتابيات وأنه خلاف الأولى، مع صرف هذه الكراهة إلى التنزيه دون التحريم؛ لأن المراد بالآية ذم هذا الفعل بالنسبة للتزوج من الكتابيات إلا ما ذكره ابن عابدين _من أشهر محققي المذهب الحنفي_ بأن كراهة تزوج الحربية من أهل الكتاب إنما هي تحريمية.
وعلَّلوا ذلك بكونه فتحاً لباب الفتنة الحاصلة من إمكان التعلق المستدعي الإقامة في دار الحرب، وتعرض الولد للتخلُّق بأخلاق أهل الكفر، إضافة إلى ما فيه من إلحاق الضرر بالمسلمات، بينما عللت الكراهة التنزيهية بكون نساء أهل الكتاب يأكلن الخنزير ويشربن الخمر ويذهبن إلى الكنائس _وليس للزوج منعهن من ذلك_ ثم يقبلها الرجل ويضاجعها وهي على تلك الحال، وربما تلد له وتُرضع وتطعم ولده الحرام وتسقيه الخمر، وتربيه على دينها ... كما يمكن لها أن تموت وهي حامل فتدفن في مقبرة الكفار وهي حفرة من حفر النار(1).
ولكن جميع العلماء متفقون على أن كراهة الزواج من الحربية أشد من كراهة الزواج من الذمية ذات العهد (2)، وهذا قد كان سابقاً، ولا يوجد في وقتنا إلا القليل.
*وأما ما قيل في علة عدم الجواز من الكتابيات، فموجز القول فيه ما يأتي(3):
أ_ إن هذا الزواج من الكتابيات محدد بمن كان لهم ذمة وعهد، ومعلوم أن أهل الكتاب اليوم لا ذمة لهم ولا عهد، وحكمهم حكم الحربيين في بلاد الحرب.
ب_ إن سيدنا عمر رضي الله عنه طلب من جميع الصحابة الذين تزوجوا بنساء من أهل الكتاب أثناء الفتوحات الإسلامية أن يُطلَّقْن، مُعَلِّلاً ذلك بعدة أمور ذكرها العلماء في قصة أمره لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه بأن يطلق زوجته اليهودية التي تزوجها أيام فتح العراق وبلاد فارس وهي: (أن في نساء الأعاجم خِلابة وخِداعاً، وقال: وإني لأخشى عليكم منه، إنها هي خمرة _أو جمرة_ (أي المرأة الكتابية)، وأخاف أن تطيعوا المومسات منهن، (ويا حذيفة) أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنةً لنساء المسلمين، أخشى أن يقول الجاهل: تزوج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرة ويحلِّل الرخصة التي كانت من الله عز وجل فيتزوجوا نساء المجوس). ويروى عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: "أيّ شرك أعظم ممّن يقول: عيسى الله، أو ولد الله؟" (4).
ت_ إن زواج الصحابة الكرام من نساء أهل الكتاب بعد القادسية أو غيرها من المعارك إنما كان لعدم وجود المسلمات، فقد ذكر الإمام مالك بن أنس عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال جابر: "تَزَوَّجْنَاهُنَّ زَمَانَ الْفَتْحِ بِالْكُوفَةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَنَحْنُ لَا نَكَادُ نَجِدُ الْمُسْلِمَاتِ كَثِيرًا، فَلَمَّا رَجَعْنَا طَلَّقْنَاهُنَّ"(5).
ث_ إن الزواج بالكتابيات ذريعة إلى أن تجذب المرأةُ الرجل َالمسلم إلى دينها بجمالها أو مالها بسبب جهله وقلة دينه وأخلاقه، كما يحصل كثيراً في هذا الزمان في تزوج بعض ضعفاء المسلمين ببعض الأوروبيات أو غيرهن من الكتابيات، فيُفتنون بهنّ، كما أن ذلك يؤدّي إلى خلطة المؤمن بالكافرة وضياع الولد غالباً؛ لأنه ألزم لأمه في صغره من أبيه.
ج_ كساد سوق النساء المسلمات وانتشار العنوسة بشكل يؤدي إلى تفشي الزنا وظهور الفواحش في المجتمع المسلم؛ لانصراف الشباب إلى غيرهن من النساء.
ح_ عدم قبول كثير من النساء الكتابيات التحاكم إلى كتاب الله تعالى أمام المحاكم الشرعية في حالة وقوع الخلاف بين الزوجين.
خ_ تنازل الرجل عن قوامته ووضع مقاليد الأمور بيد الزوجة الكتابية، تتصرف فيه وفي أبنائه وفق عاداتها ومعتقداتها، لا يختلف عن زواج المسلمة من غير المسلم الذي حرمه الله تعالى بصورة قاطعة. قلت: وهذا قياس صحيح.
د_ إن أهل الكتاب الموجودين اليوم ليسوا من سلالة بني إسرائيل، وغالبهم دان بهذه الملة بعد التحريف، وإن كثيراً منهم لا يلتزم باليهودية ولا النصرانية المحرَّفة، ففي استطلاع للرأي نشرته [صحيفة الرأي الصادرة بتاريخ 24/9/1995 م الصفحة الخامسة والثلاثين، نقلاً عن صحيفة يدعوت أحرونوت الصهيونية]، ذكرت فيه أن معهد "سميث" للاستشارات والأبحاث أجرى استطلاعاً اتضح من خلاله أن 52% من الاسرائيليين يعتبرون أنفسهم علمانيين، فإذا كان هذا الوضع مع اليهود الذين يعتبرون من أشد شعوب العالم تعصّباً وتمسكاً بمعتقداتهم؛ فما بالك بالنصارى!!.
والجدير بالذكر: أنّ عدّة من كبار العلماء حديثاً وفي وقتنا المعاصر ذهبوا إلى التحريم في ظلّ الظروف الراهنة، منهم ما نقله جعفر الكتاني عن جدّه محمد المنتصر بالله الكتاني، وكذلك يوسف القرضاوي، وسعيد حوى رحمهم الله إلى عدم جواز التزوج من الكتابيات بناء على فقه المآلات، إلا أن سعيد حوى قال: من خشي على نفسه العنتَ يجوز أن يأخذ بالقول الأول. أقول: مع ضرورة الحذر والاحتياط وعدم التزوج بالزانية إلا بعد أن تتوب على قول فريق من العلماء(6).
والحاصل: كما هو متّفقٌ عليه بين أهل العلم- أنه تتغيّر الأحكام بتغير الزمان والمكان والأحوال، والظروف(7).
هوامش:
(1) المدونة، الإمام مالك بن أنس: 2/218، حاشية ابن عابدين: 3/45، أحكام أهل الذمة، جعفر بن إدريس الكتاني: ص85_86. وينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: 2/263، 7/114، 35/26_28.
(2) الزواج من نساء أهل الكتاب (أحكامه وآثاره)، فؤاد عبد اللطيف السرطاوي: ص16.
(3) المرجع السابق: ص17_19.
(4) تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس: ص139_140.
(5) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار: 10/120 (١٣٨٩٣).
(6) ينظر: تفسير آيات الأحكام للسايس: ص140، آيات الأحكام التي قد يوهم ظاهرها التعارض، د. عارف الجناحي: ص305.
(7) ينظر: الحلال والحرام: ص176_177، والأساس في التفسير: 3/1321.
بقلم: د. خالد حسن هنداوي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


